أَوْلَوِيَّةُ الْوَطَنِ
كَانَ حَارِثٌ هُوَ الأَمَلَ الوَحِيدَ لِوَالِدَيْهِ العَجُوزَيْنِ، وَالسَّنَدَ الَّذِي يَتَكِئَانِ عَلَيْهِ فِي كِبَرِهِمَا. كَانَ شَابًّا مُتَعَلِّمًا حَاصِلًا عَلَى أَعْلَى الشَّهَادَاتِ، وَكَانَ بِمَقْدُورِهِ أَنْ يَعْمَلَ فِي أَيِّ وَظِيفَةٍ مَرْمُوقَةٍ بَسُهُولَةٍ، لَكِنَّ قَلْبَهُ كَانَ مُعَلَّقًا بِهَدَفٍ واحِدٍ... وَهُوَ الاِلْتِحَاقُ بِالْجَيْشِ.
فِي أَحَدِ الأَيَّامِ، جَلَسَتِ الأُمُّ بِجَانِبِهِ وَالدُّمُوعُ فِي عَيْنَيْهَا، وَسَأَلَتْهُ بِحَنَانٍ:
"لِمَاذَا يَا بُنَيَّ تِخْتَارُ الْجَيْشَ بِالذَّاتِ وَلَيْسَ أَيَّ وَظِيفَةٍ أُخْرَى؟ نَحْنُ فِي حَاجَةٍ إِلَيْكَ، وَأَنْتَ سَنَدُنَا الوَحِيدُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ!"
اِبْتَسَمَ حَارِثٌ بِهَدُوءٍ، وَأَمْسَكَ يَدَ أُمِّهِ بِكُلِّ رِفْقٍ ثُمَّ قَالَ:
"كُلُّ شَيْءٍ بِخَيْرٍ يَا أُمِّي... وَلَكِنْ كَمَا أَنَّكُمَا بِحَاجَةٍ إِلَيَّ، فَإِنَّ الوَطَنَ أَيْضًا بِحَاجَةٍ إِلَيَّ، وَأَوْلَوِيَّتِي الأُولَى دَائِمًا هِيَ حِمَايَةُ هَذَا الوَطَنِ."

