في مدينةٍ مزدحمةٍ، حيثُ يتحدثُ كلُّ شخصٍ بصوتٍ عالٍ، كانَ هناكَ صَبيٌ يُدعى إيان يجمعُ الصمت.
لم يجمعْ طوابعَ البريد ولا حجارةً. بل كانَ يجمعُ لحظاتٍ عندما تُخفِفُ أصواتُ العالمِ.
مثل صمتِ ما قبلِ هطولِ المطر، أو لحظةٍ بعدَ أن يجلسَ طائرٌ على غصنٍ، أو الصمتِ بين قصصِ جدَّتهِ.
كانَ الأطفالُ الآخرون يضحكونَ عليهِ. قالوا إنَّ الصمتَ فراغٌ لا شيء فيه.
لكن إيان كانَ يعلمُ أنَّ الصمتَ يحملُ في داخلهِ الكثيرَ.
في أحدِ الأيامِ تعطَّلَ مكبرُ الصوتِ في المدينة. لم يُصدرْ أيُّ إعلانٍ لثلاث ساعات. بدأَ الناسُ يشعرونَ بالقلقِ. لم يعرفوا ماذا يفعلونَ في هذا الصمتِ.
أخذَ إيان دفترًا صغيرًا وتوجهَ إلى ساحةِ المدينة. بدأَ يكتبُ الأصواتَ التي يسمعها عندما لا يصرخ أحدٌ.
صوتُ الرياحِ يهمسُ بين شجرةِ النيم، وصوتُ دورانِ عجلةِ الدراجة، وصوتُ ضحكةِ طفلٍ من بعيد.
جلسَ رجلٌ مسنٌ بجانبه. لم يُعِرْ انتباهًا لهذه الأصواتِ منذ سنواتٍ طويلة. أغلقَ عينيه وابتسم.
ببطءٍ بدأَ الناسُ الآخرون يجتمعونَ ويجلسونَ هناك. للمرةِ الأولى، استمعَتْ المدينةُ إلى أصواتِها نفسها.
حتى بعدَ أن عُدَّ مكبرُ الصوتِ إلى عملهِ، جاءَ بعضُ الناسِ إلى الساحةِ في المساءِ. جلسوا بصمتٍ واستمتعوا باللحظةِ دون الحاجةِ إلى الكلام.
لم يعد إيان يجمعُ الصمتَ وحده. علمَ المدينة بأكملها أنَّ الصمتَ ليس غيابًا للحياة، بل هو أحدَ طرقِ التعبيرِ عن الحياة.
