اللعبة الناقصة – الحلقة الثانية عشرة: نحن هنا)
«مَاذَا حَدَثَ يَا سَيِّدِي...؟» نَظَرَ إِلَيْهِ إِكْرَامٌ مُتَفَاجِئًا.
«أُوهْ... يَبْدُو لِي أَنَّ الْبَدِينَ يُرِيدُ إِبْقَاءَنَا مَشْغُولِينَ هُنَا... فَهَلْ تُوَارِي لُعْبَتُهُ الْحَقِيقِيَّةُ أَمْرًا آخَرَ؟» أَخَذَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ يَتَأَمَّلُ مُجْرَيَاتِ الْأَحْدَاثِ السَّابِقَةِ.
«أَصَبْتَ يَا جُنَيْدُ! خُطَّةُ الْبَدِينِ الظَّاهِرَةُ هِيَ احْتِجَازُنَا هُنَا... وَرُبَّمَا أَرَادَ إِيذَاءَنَا، لكِنَّ وَرَاءَ الْأَكَمَةِ مَا وَرَاءَهَا... وَعَلَيْنَا أَنْ نَكْشِفَ ذلِكَ السِّرَّ الْمَكْتُومَ»، قَالَ خَانْ رَحْمَانَ.
«مَا قِصَّةُ مَا خَلْفَ هذِهِ الْأَبْوَابِ...؟ وَأَيْنَ الْمَمَرُّ السِّرِّيُّ الَّذِي عَادَ مِنْهُ الْبَدِينُ إِلَى الْقَاعَةِ؟» تَسَاءَلَ إِكْرَامٌ.
«كَانَ الْبَدِينُ يَقُولُ... إِنَّنَا لَا نَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ مِنَ الْبَابِ رَقْمِ وَاحِدٍ بِدُونِ إِذْنِهِ...!» قَالَ مُحَمَّد حُسَيْن آزَاد.
«فَهَلْ هُنَاكَ مَخْرَجٌ آخَرُ مِنَ الْقَاعَةِ؟» سَأَلَ الْبِرُوفِيسُورُ دَاوُدُ مُبْتَسِمًا.
«الْحَمْدُ لِلَّهِ أَنَّكَ نَطَقْتَ... فَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ لَسْتَ مَعَنَا هُنَا...» ابْتَسَمَ خَانْ رَحْمَانَ.
«قَيِّدُوا الْجَمِيعَ بِالْحِبَالِ... وَاحْمِلُوا الزَّعِيمَ وَأَلْقُوهُ إِلَى جِوَارِ الْجِدَارِ...» أَمَرَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ.
نُفِّذَ الْأَمْرُ عَلَى الْفَوْرِ... جَلَسَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ قُرْبَ الزَّعِيمِ وَقَالَ:
«أَنَا لَا أُحِبُّ قَتْلَ النَّاسِ، لكِنْ إِذَا عَادَى الْمَرْءُ نَفْسَهُ فَلَنْ أَتَرَدَّدَ. أَسْأَلُكَ بِوُضُوحٍ... مَاذَا تُرِيدُ حَقًّا؟»
«أُرِيدُ أَنْ أُبْقِيَ فَرِيقَ الْمُفَتِّشِ جُنَيْدٍ مَحْبُوسِينَ هُنَا...» قَالَ الزَّعِيمُ ضَاحِكًا.
«نَحْنُ نَعْلَمُ ذلِكَ، أَخْبِرْنَا... لِمَاذَا تُرِيدُ احْتِجَازَنَا؟»
«لَنْ أُخْبِرَكَ...»
«لَا تُخْبِرْنِي... سَأَنْتَزِعُ الْحَقِيقَةَ مِنْ أَتْبَاعِكَ»، ابْتَسَمَ جُنَيْدٌ.
«يَا مُفَتِّشُ جُنَيْد! أَتْبَاعِي لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا؛ فَمَهَمَّتُهُمْ هِيَ الْعِرَاكُ وَاخْتِطَافُ النَّاسِ فَقَطْ... وَأَنَا أَمْنَحُهُمْ أَمْوَالًا طَائِلَةً نَظِيرَ ذلِكَ.»
«أُوهْ... لكِنَّهُمْ كَانُوا هَشِّينَ أَمَامَنَا!» سَخِرَ إِكْرَامٌ ضَاحِكًا.
«لَا بَأْسَ... يَحْدُثُ هذَا أَحْيَانًا»، ضَحِكَ الزَّعِيمُ أَيْضًا.
«حَسَنًا، هَلْ سَتَسْكُتُ الْآنَ...؟» قَالَ جُنَيْدٌ، ثُمَّ الْتَفَتَ: «يَا خَانْ رَحْمَانَ... فَكِّرْ فِي حِيلَةٍ لِلْخُرُوجِ مِنْ هُنَا.»
«أَ... أَنَا؟! أَيْ أَنَّنِي أَنَا...؟» ارْتَبَكَ خَانْ رَحْمَانَ.
«مَاذَا جَرَى... أَلَا تَسْتَطِيعُ التَّفْكِيرَ فِي حِيلَةٍ؟» ابْتَسَمَ جُنَيْدٌ.
«بَلْ أَسْتَطِيعُ... بِكُلِّ تَأْكِيدٍ أَسْتَطِيعُ.»
«إِذَنْ... مَاذَا عَنَتْ جُمْلَتُكَ الْأُولَى؟»
«لَقَدْ خَطَرَتْ فَرْحَانَةُ بِبَالِي... فَابْتِكَارُ الْحِيَلِ هُوَ شَأْنُهَا دَائِمًا»، ابْتَسَمَ خَانْ رَحْمَانَ.
«فَرْحَانَةُ... يَا لَلْأَسَفِ... مَنْ يَدْرِي أَيْنَ هُمْ؟» أَثَارَ ذِكْرُ فَرْحَانَةَ فِي نَفْسِ جُنَيْدٍ ذِكْرَى حَمُّودٍ وَفَارُوقٍ أَيْضًا.
«تَفْتَحُ فِي الْقَاعَةِ سِتَّةُ أَبْوَابٍ تَحْمِلُ أَرْقَامًا. نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الْبَابَ رَقْمَ وَاحِدٍ يُؤَدِّي إِلَى خَارِجِ الْقَاعَةِ... وَقَدِ اسْتَكْشَفْنَا مَا وَرَاءَ الْبَابِ رَقْمِ خَمْسَةٍ... تَبَقَّتِ الْأَبْوَابُ: اثْنَانِ، وَثَلَاثَةٌ، وَأَرْبَعَةٌ، وَسِتَّةٌ. خَانْ رَحْمَانَ! سَتَدْخُلُ الْبَابَ رَقْمَ اثْنَيْنِ. إِكْرَامُ، ادْخُلِ الْبَابَ رَقْمَ ثَلَاثَةٍ. مُحَمَّد حُسَيْن آزَاد، تَفَقَّدِ الْبَابَ رَقْمَ أَرْبَعَةٍ... وَلِيَاقَتْ، الْبَابُ رَقْمُ سِتَّةٍ فِي عُهْدَتِكَ. أَهْدَافُنَا هِيَ: الْبَحْثُ عَنِ الْمَمَرِّ السِّرِّيِّ خَلْفَ الْبَابِ رَقْمِ خَمْسَةٍ... وَالْبَحْثُ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ يَدُلُّ عَلَى خُطَّةِ الْبَدِينِ الْحَقِيقِيَّةِ... وَإِيجَادُ مَخْرَجٍ آخَرَ غَيْرِ الْبَابِ رَقْمِ وَاحِدٍ. انْطَلِقُوا الْآنَ... وَافْتَحُوا أَعْيُنَكُمْ وَآذَانَكُمْ جَيِّدًا»، أَعْطَى الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ تَوْجِيهَاتِهِ لِلْجَمِيعِ.
دَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى بَابِهِ الْمُحَدَّدِ، وَبَقِيَ فِي الْقَاعَةِ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ، وَالْبِرُوفِيسُورُ دَاوُدُ، وَأَسَدٌ.
«وَأَنْتَ يَا فَتَى... مَاذَا سَتَفْعَلُ؟» الْتَفَتَ نَحْوَ أَسَدٍ.
«سَيِّدِي... كُلُّ مَا تَأْمُرُ بِهِ سَأُنَفِّذُهُ بِإِذْنِ اللهِ»، قَالَ أَسَدٌ بِحَمَاسٍ.
«خُذْ هذِهِ الْقِطْعَةَ مِنَ الْقُمَاشِ، مَزِّقْهَا أَجْزَاءً صَغِيرَةً وَضَعْهَا فِي أَفْوَاهِهِمْ... حَتَّى إِذَا اسْتَفَاقُوا لَمْ تَخْرُجْ مِنْهُمْ نَبْسَةٌ»، قَالَ جُنَيْدٌ مُبْتَسِمًا، وَأَخْرَجَ قُمَاشًا كَبِيرًا مِنْ جَيْبِهِ وَأَعْطَاهُ لِأَسَدٍ. دَسَّ أَسَدٌ الْقُمَاشَ فِي أَفْوَاهِهِمْ جَمِيعًا وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ.
«سَيِّدِي! هُمْ... يَتَحَرَّكُونَ... يَبْدَؤُونَ فِي اسْتِعَادَةِ وَعْيِهِمْ!» صَاحَ أَسَدٌ فَجْأَةً.
«لَا عَلَيْكَ... فَهُمْ مُقَيَّدُونَ بِإِحْكَامٍ، أَلَيْسَ كَذلِكَ؟»
«نَعَمْ يَا سَيِّدِي! تَفَقَّدْتُهُمْ مُسْبَقًا... أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مَرْبُوطَةٌ بِشِدَّةٍ، وَلَنْ يَقْدِرُوا عَلَى الْحَرَاكِ حَتَّى بَعْدَ إِفَاقَتِهِمْ بِإِذْنِ اللهِ»، ابْتَسَمَ أَسَدٌ.
«بِإِذْنِ اللهِ»، قَالَ جُنَيْدٌ وَطَفِقَ يَتَفَحَّصُ جُدْرَانَ الْقَاعَةِ الدَّائِرِيَّةِ وَيَنْقُرُ عَلَيْهَا. كَانَ وَاقِفًا حِينَئِذٍ أَمَامَ الْبَابِ رَقْمِ خَمْسَةٍ يُدَقِّقُ النَّظَرَ فِي هَيْكَلِهِ، وَفَجْأَةً انْبَسَطَتْ أَسَارِيرُهُ بِابْتِسَامَةٍ.
«مَا الْأَمْرُ يَا سَيِّدِي... لِمَاذَا تَبْتَسِمُ؟» دُهِشَ أَسَدٌ.
«أُوهْ... إِذَنْ هذِهِ هِيَ الْحِيلَةُ!»
«أَ... أَيُّ حِيلَةٍ يَا سَيِّدِي...؟»
«أَسَدُ... اصْمُتْ قَلِيلًا... دَعْنِي أَتَفَقَّدِ الْأَبْوَابَ الْأُخْرَى أَيْضًا»، أَجَابَهُ. مَرَّ عَلَى الْأَبْوَابِ كُلِّهَا بِدِقَّةٍ، فَتَمَلَّكَهُ الْحَمَاسُ. عَادَ إِلَى الْبَابِ رَقْمِ خَمْسَةٍ، وَضَغَطَ عَلَى زِرٍّ دَائِرِيٍّ مُلَوَّنٍ بِلَوْنِ الْبَابِ مُثَبَّتٍ فِي الْجِدَارِ عِنْدَ الْمِفْصَلَةِ الْعُلْيَا. وَمَعَ ضَغْطَةِ الزِّرِّ، انْزَلَقَتْ مِنْ دَاخِلِ الْجِدَارِ فَوْقَ الْبَابِ رَقْمِ أَرْبَعَةٍ شَاشَةُ عَرْضٍ (LCD) قِيَاسُهَا أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ بُوصَةً! كَانَتِ الشَّاشَةُ مُضَاءَةً تَعْرِضُ لَقَطَاتٍ مُنْفَصِلَةً لِلزُّقَاقِ وَالْغُرْفَةِ، دَلَالَةً عَلَى وُجُودِ كَامِيرَاتِ مُرَاقَبَةٍ... أَخْرَجَ شَاشَاتٍ مُمَاثِلَةً فَوْقَ الْأَبْوَابِ السِّتَّةِ جَمِيعِهَا. ثُمَّ نَظَرَ مُبْتَسِمًا إِلَى الزَّعِيمِ الَّذِي جَحَظَتْ عَيْنَاهُ ذُهُولًا. حَمَلَ جُنَيْدٌ كُرْسِيَّ الزَّعِيمِ الْكَبِيرَ وَوَضَعَهُ فِي وَسَطِ الْقَاعَةِ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ بِكُلِّ هُدُوءٍ وَاطْمِئْنَانٍ.
«يَا سَلَامُ... هكذَا يَكُونُ الْأَمْرُ! لَقَدْ صَنَعْتَ مُعْجِزَةً يَا سَيِّدِي!»
نَظَرَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ مُبْتَسِمًا نَحْوَ الزَّعِيمِ وَأَتْبَاعِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَتَبَادَلُونَ النَّظَرَاتِ فِي قَلَقٍ بَالِغٍ.
«مَاذَا تَقُولُ الْآنَ...؟» حَدَّجَ جُنَيْدٌ الزَّعِيمَ بِنَظْرَةٍ صَارِمَةٍ.
لَمْ يَكُنِ الزَّعِيمُ قَادِرًا عَلَى النُّطْقِ وَالْقُمَاشُ مَحْشُوٌّ فِي شِدْقَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ الرُّعْبَ السَّاكِنَ فِي عَيْنَيْهِ كَانَ يُفْصِحُ عَنْ جَزَعِهِ الدَّفِينِ.
الْتَفَتَ جُنَيْدٌ إِلَى الشَّاشَةِ رَقْمِ خَمْسَةٍ، فَرَأَى "السَّيِّدَ الصَّغِيرَ" لَا يَزَالُ مُسْتَلْقِيًا عَلَى الْأَرْضِ كَمَا تَرَكُوهُ تَمَامًا قَبْلَ عَوْدَتِهِمْ لِلْقَاعَةِ.
«أُوهْ... كُلُّ هؤُلَاءِ مُمَثِّلُونَ مُخَادِعُونَ، وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِمْ فِي شَيْءٍ»، قَالَ جُنَيْدٌ وَتَحَوَّلَ بِنَاظِرَيْهِ إِلَى الشَّاشَةِ رَقْمِ اثْنَيْنِ. كَانَ خَانْ رَحْمَانَ يَقِفُ فِي زُقَاقٍ يُشْبِهُ تَمَامًا ذلِكَ الزُّقَاقَ الْوَاقِعَ خَلْفَ الْبَابِ رَقْمِ خَمْسَةٍ الَّذِي يَنْتَهِي بِغُرْفَةٍ صَغِيرَةٍ.
«مَهْلًا... هَذَا الْمَشْهَدُ نَفْسُهُ؟!» دُهِشَ جُنَيْدٌ، ثُمَّ أَلْقَى نَظْرَةً خَاطِفَةً عَلَى بَقِيَّةِ الشَّاشَاتِ فَعَقَدَتِ الدَّهْشَةُ لِسَانَهُ؛ كَانَتِ الشَّاشَاتُ كُلُّهَا تَعْرِضُ أَزِقَّةً مُتَشَابِهَةً تَنْتَهِي كُلٌّ مِنْهَا بِغُرْفَةٍ صَغِيرَةٍ... أَمَّا خَلْفَ الْبَابِ رَقْمِ وَاحِدٍ، فَكَانَ هُنَاكَ زُقَاقٌ أَيْضًا، لكِنَّهُ لَمْ يَنْتَهِ بِغُرْفَةٍ، بَلْ بَدَا مُنْعَطِفًا نَحْوَ الْيَسَارِ فِي آخِرِهِ.
«مَا هذِهِ الْمَتَاهَةُ...؟» انْتَابَهُ الْقَلَقُ. صَوَّبَ بَصَرَهُ نَحْوَ خَانْ رَحْمَانَ وَهُوَ يَتَفَقَّدُ الزُّقَاقَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى الْغُرْفَةِ وَفَتَحَ بَابَهَا. ارْتَعَدَ خَانْ رَحْمَانَ مَذْعُورًا مِمَّا رَآهُ فِي الدَّاخِلِ؛ إِذْ كَانَ يَقِفُ فِي الْغُرْفَةِ قَزَمٌ ذُو شَارِبَيْنِ ضَخْمَيْنِ فَارِجًا سَاقَيْهِ!
«أُوهْ... إِنَّهُ يُشْبِهُ "السَّيِّدَ الصَّغِيرَ" تَمَامًا!» هَتَفَ جُنَيْدٌ. «يَا خَانْ رَحْمَانَ! عَلَيْكَ أَنْ تَقْهَرَهُ أَوَّلًا لِتَتَمَكَّنَ مِنْ تَفَتِيشِ الْغُرْفَةِ!»
لكِنْ لَمْ يَأْتِ أَيُّ رَدٍّ مِنْ خَانْ رَحْمَانَ. كَانَ يَبْدُو عَلَى الشَّاشَةِ وَكَأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ لكِنَّ صَوْتَهُ لَمْ يَصِلْ إِلَى الْقَاعَةِ. الْتَفَتَ جُنَيْدٌ نَحْوَ الزَّعِيمِ، فَأَشَاحَ الزَّعِيمُ بِبَصَرِهِ سَرِيعًا. فَطِنَ جُنَيْدٌ لِلْأَمْرِ.
«لِمَاذَا لَا يَصِلُنِي صَوْتُ خَانْ رَحْمَانَ؟» فَكَّرَ قَلِيلًا، ثُمَّ ارْتَسَمَتِ الْبَسْمَةُ عَلَى شَفَتَيْهِ لِإِدْرَاكِهِ السَّبَبَ. نَهَضَ مِنَ الْكُرْسِيِّ وَأَخَذَ يَتَفَحَّصُهُ، فَوَقَعَتْ عَيْنَاهُ سَرِيعًا عَلَى زِرٍّ دَقِيقٍ فِي مِسْنَدِ الْكُرْسِيِّ. ضَغَطَ عَلَيْهِ، فَصَدَحَ صَوْتُ خَانْ رَحْمَانَ فِي أَرْجَاءِ الْقَاعَةِ.
«أَصَابَهُ!» صَاحَ أَسَدٌ، فَانْتَبَهَ رِفَاقُهُمْ، كَمَا ارْتَاعَتْ كُلُّ نُسْخَةٍ مِنَ "السَّيِّدِ الصَّغِيرِ" فِي كُلِّ غُرْفَةٍ. كَانَ مَشْهَدًا عَجِيبًا؛ خَمْسُ غُرَفٍ فِي كُلٍّ مِنْهَا قَزَمٌ ذُو شَارِبَيْنِ! حَتَّى ذَاكَ الَّذِي فِي الْغُرْفَةِ رَقْمِ خَمْسَةٍ وَثَبَ جَالِسًا فِي ذُعْرٍ يَنْظُرُ إِلَى الْجُدْرَانِ بِحَيْرَةٍ.
«خَانْ رَحْمَانَ... إِكْرَامُ... مُحَمَّد حُسَيْن آزَاد... لِيَاقَتْ... هَلْ تَسْمَعُونَ صَوْتِي؟» سَأَلَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ.
«نَعَمْ... نَحْنُ نَسْمَعُكَ بِوُضُوحٍ...» أَجَابُوا جَمِيعًا. ثُمَّ جَاءَ صَوْتُ خَانْ رَحْمَانَ:
«وَ... وَلكِنْ يَا جُنَيْدُ...»
«الْبُشْرَى أَنَّنِي حَقَّقْتُ نَجَاحًا بَاهِرًا هُنَا؛ فَأَنَا لَا أَرَاكُمْ فَقَطْ، بَلْ أُحَادِثُكُمْ جَمِيعًا فِي آنٍ وَاحِدٍ!»
«يَا لَلرَّوْعَةِ! هَذَا فَتْحٌ عَظِيمٌ!» صَاحَ خَانْ رَحْمَانَ.
«خَانْ رَحْمَانَ! يَقِفُ أَمَامَكَ "سَيِّدٌ صَغِيرٌ" حَائِرٌ، وَتَقِفُ نُسَخٌ مُمَاثِلَةٌ لَهُ أَمَامَ بَقِيَّةِ الرِّفَاقِ أَيْضًا...» قَالَ جُنَيْدٌ.
«مَاذَا تَعْنِي يَا جُنَيْدُ؟ "سَيِّدٌ صَغِيرٌ" فِي كُلِّ غُرْفَةٍ؟! كَيْفَ يُعْقَلُ هَذَا؟ كَيْفَ يُوجَدُ شَخْصٌ وَاحِدٌ فِي عِدَّةِ أَمَاكِنَ فِي اللَّحْظَةِ عَيْنِهَا؟»
«لَيْسَ شَخْصًا وَاحِدًا... بَلْ هُمْ أَتْبَاعٌ مُتَطَابِقُونَ؛ كَأَنَّمَا جَرَى اسْتِنْسَاخُ أَرْبَعِ نُسَخٍ طِبْقَ الْأَصْلِ مِنْ قَزَمٍ وَاحِدٍ!» ابْتَسَمَ جُنَيْدٌ.
«وَلِمَاذَا أَرْبَعٌ... لِمَ لَا تَكُونُ خَمْسًا؟» ضَحِكَ خَانْ رَحْمَانَ.
«لِأَنَّ خَلْفَ الْبَابِ رَقْمِ وَاحِدٍ زُقَاقًا يَنْعَطِفُ دُونَ أَنْ يَنْتَهِيَ بِغُرْفَةٍ...» وَاصَلَ جُنَيْدٌ حَدِيثَهُ.
«يَا لَلْعَجَبِ...!» تَرَدَّدَتْ أَصْوَاتُ دَهْشَتِهِمْ عَبْرَ النِّظَامِ الصَّوْتِيِّ.
«الْآنَ تَخَلَّصُوا مِنْ هؤُلَاءِ الْأَقْزَامِ وَابْحَثُوا عَمَّا أَمَرْتُكُمْ بِهِ... وَلكِنْ مَهْلًا، حَاوِلُوا اسْتِجْوَابَهُمْ أَوَّلًا؛ فَإِنْ أَقَرُّوا بِشَيْءٍ فَخَيْرٌ، وَإِلَّا فَأَسْقِطُوهُمْ صَرْعَى»، قَالَ جُنَيْدٌ بِنَبْرَةٍ صَارِمَةٍ.
«حَسَنًا!» جَاءَ صَوْتُ إِكْرَامٍ. نَظَرَ جُنَيْدٌ إِلَى الْغُرْفَةِ رَقْمِ خَمْسَةٍ، فَإِذَا بِالْقَزَمِ وَاقِفٌ فِي حَيْرَةٍ يَحُكُّ رَأْسَهُ، ثُمَّ ارْتَفَعَ صَوْتُهُ:
«يَا مُفَتِّشُ جُنَيْد! كَيْفَ فَعَلْتَ كُلَّ هَذَا... أَيْنَ الزَّعِيمُ وَأَيْنَ أَتْبَاعُهُ؟»
«جَمِيعُهُمْ مُقَيَّدُونَ هُنَا كَالْفِئْرَانِ الْعَاجِزَةِ...» ضَحِكَ جُنَيْدٌ.
«أُوهْ... هذِهِ مُصِيبَةٌ... مَاذَا سَيَحْدُثُ الْآنَ؟»
«سَيَحْدُثُ مَا يَشَاءُ اللهُ؛ إِذْ لَا يَجْرِي أَمْرٌ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ.»
«هَذَا يَعْنِي أَنَّ الْقِصَّةَ انْتَهَتْ...»
«اعْتَبِرْهَا كَذلِكَ...» ابْتَسَمَ جُنَيْدٌ. «لكِنْ لَدَيَّ عَرْضٌ لَكَ: أَخْبِرْنَا بِمُخَطَّطِ زَعِيمِكَ، وَسَنَمْنَحُكَ فُرْصَةً لِلْفِرَارِ مِنْ هُنَا...»
رَآهُ جُنَيْدٌ يَغْرَقُ فِي التَّفْكِيرِ.
«حَسَنًا... فَكِّرْ عَلَى مَهْلِكَ... وَأَخْبِرْنِي بِمَا تُقَرِّرُهُ»، قَالَ جُنَيْدٌ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَسَدٍ أَنْ يَدْخُلَ الْبَابَ رَقْمَ خَمْسَةٍ. فَهِمَ أَسَدٌ الْإِشَارَةَ وَانْطَلَقَ مُسْرِعًا. رَآهُ جُنَيْدٌ عَلَى الشَّاشَةِ يَتَقَدَّمُ فِي الزُّقَاقِ بِحَذَرٍ بَالِغٍ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى شَاشَاتِ خَانْ رَحْمَانَ، وَإِكْرَامٍ، وَمُحَمَّد حُسَيْن آزَاد، وَلِيَاقَتْ، فَابْتَسَمَ لِرُؤْيَتِهِمْ يَنْهَالُونَ ضَرْبًا عَلَى الْأَقْزَامِ حَتَّى أَفْقَدُوهُمْ وَعْيَهُمْ جَمِيعًا فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ.
«لَقَدْ أَطَحْتُمْ بِجَمِيعِ الْأَقْزَامِ... بُورِكْتُمْ يَا لُيُوثِي!»
فِي تِلْكَ الْأَثْنَاءِ كَانَ أَسَدٌ قَدْ وَصَلَ إِلَى الْغُرْفَةِ رَقْمِ خَمْسَةٍ وَوَقَفَ فَوْقَ رَأْسِ الْقَزَمِ الَّذِي جَفَلَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ.
«مَاذَا قَرَّرْتَ إِذَنْ...؟»
«أَ... أَنَا... قَرَّرْتُ...» تَلَعْثَمَ الْقَزَمُ؛ إِذْ كَانَ قَدْ سَمِعَ كَلَامَ جُنَيْدٍ. «حَسَنًا... أَنَا مُسْتَعِدٌّ لِلتَّعَاوُنِ»، وَأَخِيرًا أَلْقَى سِلَاحَهُ.
«أَصَبْنَا الْهَدَفَ!» صَاحَ أَسَدٌ.
«نَعَمْ! لَقَدْ سَمِعْتُهُ... هَيَّا تَكَلَّمْ...» جَاءَ صَوْتُ جُنَيْدٍ.
«لَيْسَ الْآنَ... أُرِيدُ أَنْ أَرَى زَعِيمِي وَرِفَاقِي أَوَّلًا... ثُمَّ سَأَتَحَدَّثُ»، قَالَ الْقَزَمُ مُبْتَسِمًا.
«أَتَنْوِي حَبْكَ حِيلَةٍ مَا...؟» سَأَلَ أَسَدٌ بِرِيبَةٍ.
«لَسْتُ فِي مَوْقِفٍ يَسْمَحُ لِي بِالْمُرَاوَغَةِ... أُرِيدُ نَظْرَةً وَاحِدَةً إِلَى الزَّعِيمِ فَقَطْ»، رَدَّ الْقَزَمُ.
«حَسَنًا... يَا أَسَدُ! ائْتِ بِهِ إِلَيَّ هُنَا.»
«سَآتِيكَ بِهِ حَالًا يَا سَيِّدِي.»
قَالَ أَسَدٌ ذلِكَ وَسَاقَ الْقَزَمَ أَمَامَهُ صَوْبَ الْقَاعَةِ.
«مَاذَا لَدَيْكَ يَا إِكْرَامُ...؟» سَأَلَ جُنَيْدٌ.
«لَا شَيْءَ يَا سَيِّدِي... لَمْ نَعْثُرْ عَلَى مَمَرٍّ أَوْ خَيْطِ دَلِيلٍ بَعْدُ؛ أَنَا أَتَفَقَّدُ كُلَّ شِبْرٍ...» أَجَابَ إِكْرَامٌ.
«خَانْ رَحْمَانَ... هَلْ وَجَدْتَ شَيْئًا؟»
«أَنْتَ تَرَى بِنَفْسِكَ يَا جُنَيْدُ... إِنَّنِي أَتَخَبَّطُ فِي الظَّلَامِ»، قَالَ خَانْ رَحْمَانَ مُمْتَعِضًا.
«لَا بَأْسَ... وَاصِلُوا الْبَحْثَ.»
«مُحَمَّد حُسَيْن آزَاد... لِيَاقَتْ... أَرَاكُمَا لَمْ تَعْثُرَا عَلَى شَيْءٍ أَيْضًا... لَا عَلَيْكُمَا، لَا تَفْقِدَا الْأَمَلَ»، شَجَّعَهُمَا جُنَيْدٌ ضَاحِكًا.
فِي هذِهِ اللَّحْظَةِ وَصَلَ أَسَدٌ بِالْقَزَمِ إِلَى الْقَاعَةِ. شَخَصَتْ عَيْنَا الْقَزَمِ ذُعْرًا حِينَ رَأَى رِفَاقَهُ مُقَيَّدِينَ يَتَمَلْمَلُونَ فِي عَبَثٍ لِفَكِّ قُيُودِهِمْ.
«سَيِّدِي الزَّعِيمُ! هَلِ انْتَهَتْ لُعْبَتُنَا... وَهَلِ اسْتَسْلَمْنَا حَقًّا؟» سَأَلَ الْقَزَمُ زَعِيمَهُ الْمَرْبُوطَ. هَزَّ الزَّعِيمُ رَأْسَهُ نَافِيًا بِقُوَّةٍ، فَانْتَبَهَ الْقَزَمُ.
«أُوهْ... تَعْنِي أَنَّكَ لَمْ تَسْتَسْلِمْ يَا زَعِيمُ...؟»
هَزَّ الزَّعِيمُ رَأْسَهُ نَافِيًا مَرَّةً أُخْرَى.
«يَا لَلْعَجَبِ!» انْتَفَضَ الْقَزَمُ ثُمَّ قَالَ: «أَعْتَذِرُ يَا حَضْرَةَ الْمُفَتِّشِ! لَنْ أَتَعَاوَنَ مَعَكَ... وَعَلَى كُلٍّ، أَنَا لَا أَعْرِفُ شَيْئًا عَنْ خُطَّةِ الزَّعِيمِ!»
«حَسَنًا... فَمَا سِرُّ هذِهِ الْأَزِقَّةِ وَالْغُرَفِ الصَّغِيرَةِ؟»
«مَعْذِرَةً! لَا أَعْلَمُ... مَهَمَّتِي كَانَتِ الْجُلُوسَ فِي تِلْكَ الْغُرْفَةِ فَقَطْ.»
«طَيِّبٌ... لَقَدْ أَسْمَعْتَنَا قَرَارَكَ، وَسَتَلْقَى الْمَصِيرَ نَفْسَهُ الَّذِي لَقِيَهُ رِفَاقُكَ»، قَالَ جُنَيْدٌ حَازِمًا.
«افْعَلُوا مَا بَدَا لَكُمْ...»
«يَا أَسَدُ! ارْبِطْهُ مَعَهُمْ، وَاحْشُ فَمَهُ بِالْقُمَاشِ»، أَمَرَ جُنَيْدٌ غَاضِبًا.
قَيَّدَ أَسَدٌ الْقَزَمَ دُونَ أَنْ يُبْدِيَ الْأَخِيرُ أَيَّ مُقَاوَمَةٍ.
«خَانْ رَحْمَانَ! مَا رَأْيُكَ... هَلْ سَنَجِدُ شَيْئًا أَمْ لَا؟»
«لَا أَسْتَطِيعُ الْجَزْمَ يَا جُنَيْدُ... سِوَى أَنَّ غُرْفَتِي وَزُقَاقِي خَالِيَانِ تَمَامًا مِنْ أَيِّ شَيْءٍ نَافِعٍ؛ لَقَدْ تَأَكَّدْتُ مِنْ ذلِكَ بِنَفْسِي»، أَجَابَ خَانْ رَحْمَانَ بِيَقِينٍ.
«إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذلِكَ فَعُودُوا إِلَى الْقَاعَةِ.»
«أَنَا قَادِمٌ يَا جُنَيْدُ»، قَالَ خَانْ رَحْمَانَ، وَرَآهُ جُنَيْدٌ يَخْرُجُ مِنَ الْغُرْفَةِ عَلَى الشَّاشَةِ.
«وَأَنْتُمْ جَمِيعًا عُودُوا أَيْضًا...»
عَادَ الْجَمِيعُ إِلَى الْقَاعَةِ. وَقَعَتْ عَيْنُ جُنَيْدٍ عَلَى الزَّعِيمِ، فَبَدَا لَهُ وَكَأَنَّهُ يَشْمَتُ بِفَشَلِ بَحْثِهِمْ.
ثُمَّ جَفَلُوا جَمِيعًا... كَانَ فِي زُقَاقِ الْبَابِ رَقْمِ وَاحِدٍ كُلٌّ مِنْ حَمُّودٍ، وَفَارُوقٍ، وَفَرْحَانَةَ يَقْدُمُونَ نَحْوَهُمْ! كَانَ أَمَامَهُمْ شَابٌّ يَقُودُهُمْ وَهُمْ يَتْبَعُونَهُ.
«أُوهْ... أَخِيرًا جَلَبَ رِجَالُكَ أَوْلَادِي!» نَظَرَ جُنَيْدٌ إِلَى الزَّعِيمِ. حَاوَلَ الزَّعِيمُ الْكَلَامَ لكِنَّ صَوْتَهُ كَانَ مَكْتُومًا بِالْقُمَاشِ.
«جُنَيْدُ... لَقَدْ لَمَعَتْ فِي ذِهْنِي فِكْرَةٌ!» قَالَ خَانْ رَحْمَانَ فَجْأَةً.
«انْتَبِهَا يَا خَانْ رَحْمَانَ وَيَا حَضْرَةَ الْبِرُوفِيسُورِ! رَاقِبَا الشَّاشَةَ جَيِّدًا!»
حَمْلَقُوا فِي الشَّاشَةِ، ثُمَّ انْفَتَحَ الْبَابُ، فَالْتَفَتَ جُنَيْدٌ نَحْوَ خَانْ رَحْمَانَ وَالْبِرُوفِيسُورِ فَرَآهُمَا يَبْتَسِمَانِ وَهُمَا يَقِفَانِ عِنْدَ جَانِبِ الْبَابِ.
مَا إِنْ خَطَا الْقَادِمُونَ دَاخِلَ الْقَاعَةِ وَوَقَعَتْ أَبْصَارُهُمْ عَلَى الرِّجَالِ الْمُقَيَّدِينَ حَتَّى صُعِقُوا:
«مَا هَذَا...؟!»
«إِكْرَامُ! مُحَمَّد حُسَيْن آزَاد! أَوْقِعُوهُمْ أَرْضًا!» صَرَخَ جُنَيْدٌ، فَانْقَضَّ الرَّجُلَانِ عَلَى حُرَّاسِ الزَّعِيمِ الْجُدُدِ. وَخِلَالَ لَحَظَاتٍ كَانَ الْحُرَّاسُ مُنْبَطِحِينَ عَلَى الْأَرْضِ يَلْهَثُونَ، ثُمَّ قُيِّدُوا وَأُلْقُوا مَعَ الْبَاقِينَ.
«أَبَتَاهُ! أَنْتَ بِخَيْرٍ!» ارْتَمَى حَمُّودٌ بَيْنَ أَحْضَانِهِ مُبْتَسِمًا.
«كُنَّا قَلِقِينَ جِدًّا عَلَيْكَ...» قَالَتْ فَرْحَانَةُ.
«انْظُرُوا... هؤُلَاءِ كَاكَا، وَبَاجَا، وَبَابَا!» وَقَعَتْ عَيْنَا فَارُوقٍ عَلَيْهِمْ. «أَبَتَاهُ! لَقَدْ أَذَاقَنَا هذَا الثَّلَاثِيُّ الْأَمَرَّيْنِ!»
«وَنَحْنُ أَيْضًا أَرَهْقْنَاهُمْ كَثِيرًا»، ابْتَسَمَ جُنَيْدٌ.
رُوِيَتِ الْقِصَّةُ كُلُّهَا لِحَمُّودٍ، وَفَارُوقٍ، وَفَرْحَانَةَ، فَانْدَهَشُوا لِمَا سَمِعُوهُ.
«يَا لَلَّهِ...!» قَالَتْ فَرْحَانَةُ.
«مَنْ... هؤُلَاءِ...؟» كَانَ جُنَيْدٌ يَرْنُو إِلَى "كَامِي" وَ"شَازِي" بِتَعَجُّبٍ.
«أَبَتَاهُ! لَقَدْ سَاعَدَانَا كَثِيرًا... وَإِنَّمَا تَأَخَّرْنَا فِي الْوُصُولِ لِأَنَّهُمَا وَقَفَا كَالسَّدِّ الْمَنِيعِ فِي وَجْهِ أَتْبَاعِ الزَّعِيمِ»، شَرَحَ حَمُّودٌ.
«سَنَتَحَدَّثُ مَعَهُمَا لَاحِقًا... دَعُونَا نَحْسِمُ أَمْرَ هؤُلَاءِ أَوَّلًا»، قَالَ جُنَيْدٌ نَاظِرًا إِلَى الْأَسْرَى.
«مَاذَا نَفْعَلُ بِهِمْ... هَلْ نَقْضِي عَلَيْهِمْ؟»
«كَلَّا... لكِنْ مَهْلًا... أَلَمْ يُفْقِدْكُمُ الْأَخُ غَرِيبُ الْوَعْيَ؟ فَكَيْفَ أَفَقْتُمْ وَأَتَيْتُمْ إِلَى هُنَا تَمْشُونَ عَلَى أَقْدَامِكُمْ؟»
«لَقَدْ أَيْقَظُونَا قَبْلَ إِحْضَارِنَا إِلَى هُنَا...»
«هَذَا يَعْنِي أَنَّكُمْ تَعْرِفُونَ عَدَدَ الْحُرَّاسِ فِي الْخَارِجِ تَقْرِيبًا»، قَالَ خَانْ رَحْمَانَ.
«إِلَى حَدٍّ مَا...» ابْتَسَمَتْ فَرْحَانَةُ.
«سَيِّدِي! مَا هِيَ خُطَّتُنَا الْآنَ؟» سَأَلَ إِكْرَامٌ.
«عَلَيْنَا أَنْ نُسَلِّمَ هؤُلَاءِ لِلشُّرْطَةِ؛ فَحِينَ يُذِيقُهُمُ الْمُحَقِّقُونَ شِدَّةَ الْحِسَابِ سَيَبُوحُونَ بِكُلِّ مُخَطَّطَاتِهِمْ»، ابْتَسَمَ جُنَيْدٌ.
«يَعْنِي ذلِكَ أَنَّ عَلَيْنَا الْخُرُوجَ مِنْ هُنَا»، قَالَ الْبِرُوفِيسُورُ دَاوُدُ.
«نَعَمْ...»
«وَلكِنْ كَيْفَ...؟»
«كَمَا يَخْرُجُ أَتْبَاعُ الزَّعِيمِ مِنْ هُنَا...» ابْتَسَمَ جُنَيْدٌ.
«وَ... وَلكِنَّ الزَّعِيمَ زَعَمَ أَنَّنَا لَا نَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ دُونَ أَمْرِهِ... وَأَنَّهُ بَرْمَجَ الْبَابَ رَقْمَ وَاحِدٍ لِيَمْنَعَ الْخُرُوجَ»، قَالَ لِيَاقَتْ فِي حَيْرَةٍ.
«يَا جُنَيْدُ! أَنْتَ تَنْسَى الْأَبْوَابَ الْخَمْسَةَ الْأُخْرَى...» حَذَّرَهُ خَانْ رَحْمَانَ.
«وَتَنْسَى الْمَمَرَّ السِّرِّيَّ أَيْضًا...» أَضَافَ الْبِرُوفِيسُورُ.
«لَمْ أَنْسَ شَيْئًا، لكِنَّ أَوْلَوِيَّتِي الْآنَ هِيَ الْخُرُوجُ مِنْ هُنَا، وَبَعْدَ تَسْلِيمِهِمْ سَنَعُودُ لِاسْتِكْشَافِ الْأَبْوَابِ وَالْمَمَرِّ السِّرِّيِّ. هَيَّا بِنَا...»
«أَنَخْرُجُ هكذَا فَقَطْ؟» تَعَجَّبَ إِكْرَامٌ.
«تَعَالَوْا مَعِي فَقَطْ...» قَالَ جُنَيْدٌ مُبْتَسِمًا وَوَقَفَ أَمَامَ الْبَابِ رَقْمِ وَاحِدٍ. تَفَحَّصَ الْأَرْضِيَّةَ بِعِنَايَةٍ، فَارْتَسَمَتْ عَلَى وَجْهِهِ ابْتِسَامَةٌ عَرِيضَةٌ. رَفَعَ قَدَمَهُ كَمَنْ يُؤَدِّي التَّحِيَّةَ الْعَسْكَرِيَّةَ وَضَرَبَ بِحِذَائِهِ عَلَى الْأَرْضِ، فَانْفَتَحَ الْبَابُ رَقْمُ وَاحِدٍ فِي صَمْتٍ!
«يَا لَلرَّوْعَةِ!» صَاحَ فَارُوقٌ.
«اخْرُجُوا سَرِيعًا!»
خَرَجَ الْجَمِيعُ إِلَى الزُّقَاقِ، فَانْغَلَقَ الْبَابُ تِلْقَائِيًّا خَلْفَهُمْ، وَرَأَوْا وُجُوهَ الزَّعِيمِ وَأَتْبَاعِهِ تَمْتَقِعُ صَدْمَةً.
«سَيِّدِي... كَيْفَ فَتَحْتَ الْبَابَ رَقْمَ وَاحِدٍ؟» سَأَلَ أَسَدٌ.
«بِمُجَرَّدِ تَحِيَّةٍ... أَوْ بِضَرْبَةِ حِذَاءٍ عَلَى مَوْضِعِ الْمُسْتَشْعِرِ الْأَرْضِيِّ...»
«عَجِيبٌ...»
«هَيَّا نَمْشِي الْآنَ قَبْلَ أَنْ يُفَاجِئَنَا رِجَالُ الزَّعِيمِ.»
مَضَوْا يَمْشُونَ فِي الزُّقَاقِ بِخُطًى سَرِيعَةٍ حَذِرَةٍ، كَأَنَّهُمْ كَتِيبَةٌ عَسْكَرِيَّةٌ مُحْتَرِفَةٌ. عَبَرُوا الزُّقَاقَ فَوَصَلُوا إِلَى بَاحَةٍ، كَانَ عَلَى جَانِبِهَا الْآخَرِ زُقَاقٌ آخَرُ. دَلَفُوا إِلَيْهِ بَعْدَ تَفَقُّدِ الْمَكَانِ.
«أَبَتَاهُ! فِي نِهَايَةِ هذَا الزُّقَاقِ غُرْفَةٌ، وَخَلْفَهَا شُرْفَةٌ تُطِلُّ عَلَى حَدِيقَةٍ وَاسِعَةٍ. وَعَلَى أَحَدِ جَانِبَيْهَا مَوْقِفُ سَيَّارَاتٍ؛ حَيْثُ يَتَفَرَّعُ مِنَ الْبَوَّابَةِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا لِلْمَوْقِفِ وَالْآخَرُ لِلْغُرْفَةِ»، قَالَتْ فَرْحَانَةُ.
«شُكْرًا لَكِ يَا فَرْحَانَةُ...» ابْتَسَمَ فَارُوقٌ.
«عَلَى مَاذَا؟» عَجِبَتْ.
«عَلَى هَذَا الْوَصْفِ الدَّقِيقِ لِلْمَكَانِ.»
«وَأَيْضًا يَا أَبَتَاهُ، لَمْ نَرَ سِوَى خَمْسَةِ حُرَّاسٍ مُسَلَّحِينَ بِبَنَادِقِ كَلَاشِنْكُوف حِينَ أَتَيْنَا.»
«حَسَنًا، لكِنْ قَدْ يَكُونُ هُنَاكَ الْمَزِيدُ... كُونُوا عَلَى حَذَرٍ، وَلَا تَمْشُوا مَعًا فِي كُتْلَةٍ وَاحِدَةٍ؛ بَلْ قَسِّمُوا أَنْفُسَكُمْ مَجْمُوعَاتٍ رُبَاعِيَّةً»، أَمَرَ جُنَيْدٌ. تَحَرَّكُوا مَجْمُوعَاتٍ بِهُدُوءٍ تَامٍّ تَكَادُ لَا تُسْمَعُ لِأَقْدَامِهِمْ وَقْعَةٌ.
دَخَلُوا الْغُرْفَةَ دُونَ أَنْ يَعْتَرِضَهُمْ أَحَدٌ، وَكَانَ هَذَا الْهُدُوءُ مُثِيرًا لِلرِّيبَةِ. كَانَتْ غُرْفَةً رَحْبَةً تَضُمُّ نَافِذَةً كَبِيرَةً وَبَابًا مُجَاوِرًا. وَمَا إِنْ خَرَجُوا مِنَ الشُّرْفَةِ إِلَى الْحَدِيقَةِ... حَتَّى بَرَزَ أَمَامَهُمْ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ كَالْعَمَالِقَةِ! كَانُوا يُمْسِكُونَ بِبَنَادِقِ كَلَاشِنْكُوف وَالْغَضَبُ يَمْلَأُ وُجُوهَهُمْ. تَوَقَّفَ الْفَرِيقُ مَشْدُوهِينَ، وَتَبَادَلُوا النَّظَرَاتِ، ثُمَّ انْتَشَرُوا بَلَمْحِ الْبَصَرِ فِي أَرْجَاءِ الْحَدِيقَةِ مُطَوِّقِينَ الْعَمَالِقَةَ الثَّلَاثَةَ. بُهِتَ الْحُرَّاسُ لِهذَا التَّطْوِيقِ السَّرِيعِ.
«مَهْلًا! كُنْتُمْ فِي الْقَاعَةِ مَعَ الزَّعِيمِ... مَاذَا تَفْعَلُونَ هُنَا؟!»
«كُنَّا هُنَاكَ... أَمَّا الْآنَ فَنَحْنُ هُنَا وَنُرِيدُ الْعَوْدَةَ إِلَى بُيُوتِنَا»، ابْتَسَمَ فَارُوقٌ.
«أَيْنَ الزَّعِيمُ وَرِفَاقُنَا...؟» سَأَلَ الْحُرَّاسُ بِحَيْرَةٍ.
«هُمْ فِي الْقَاعَةِ يَرْتَاحُونَ...» ابْتَسَمَ جُنَيْدٌ.
«فِي الْقَاعَةِ؟! وَكَيْفَ خَرَجْتُمْ...؟»
«لَا دَاعِيَ لِلْقَلَقِ... خَرَجْنَا أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ وَلَمْ يَمْنَعْنَا أَحَدٌ»، ضَحِكَ خَانْ رَحْمَانَ.
«هَذَا مُسْتَحِيلٌ!»
«نَحْنُ أَيْضًا لَا نَعْرِفُ كَيْفَ حَدَثَ ذلِكَ!»
«وَمَا هِيَ خُطَّتُكُمُ الْآنَ؟»
«أَخْبَرْنَاكُمْ... نُرِيدُ الرُّجُوعَ إِلَى دِيَارِنَا»، ابْتَسَمَ حَمُّودٌ.
«هَذَا لَنْ يَكُونَ أَبَدًا»، ابْتَسَمَ أَحَدُهُمْ خَبِيثًا.
«وَلِمَ لَا يَكُونُ يَا أَخَانَا الْأَكْبَرَ؟»
«لَا أَحَدَ يَخْرُجُ مِنْ هُنَا وَ"الْإِخْوَةُ الطَّيِّبُونَ" (اچھے بھائی) عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ!» قَهْقَهَ الْحَارِسُ.
«يَا رَبَّاهُ... أَتُرِيدُونَ إِخَافَتَنَا؟!» تَصَنَّعَ فَارُوقٌ الْفَزَعَ.
«مَا حِيلَتُنَا؟ هَذَا هُوَ وَاجِبُنَا»، قَالَ الثَّانِي.
«حَسَنًا! قُومُوا بِوَاجِبِكُمْ... وَنَحْنُ سَنَفْعَلُ مَا يَرُوقُ لَنَا»، قَالَ حَمُّودٌ.
«وَمَا الَّذِي يَرُوقُ لَكُمْ؟» سَخِرَ الْأَوَّلُ.
«أَنْ نَفِرَّ مِنْ هُنَا مَهْمَا كَانَ الثَّمَنُ... وَمَنْ يَقِفْ فِي طَرِيقِنَا فَلَنْ يَجْنِيَ سِوَى الْخَيْبَةِ وَالْهَزِيمَةِ»، قَالَ فَارُوقٌ حَاسِمًا.
«أَنَا "الْأَخُ الطَّيِّبُ" رَقْمُ وَاحِدٍ، وَهَذَا رَقْمُ اثْنَيْنِ، وَذَاكَ رَقْمُ ثَلَاثَةٍ. لَمْ نُهْزَمْ فِي حَيَاتِنَا قَطُّ، بَلْ إِنَّ تَهْشِيمَ فُكُوكِ الرِّجَالِ هُوَ صَنْعَتُنَا!»
«حَسَنًا... حَفِظْنَا أَرْقَامَكُمْ، وَسَنَتَذَكَّرُ أَنَّكُمْ لَمْ تُهْزَمُوا مِنْ قَبْلُ»، ضَحِكَ فَارُوقٌ.
«أَتَسْخَرُ مِنَّا؟!» دُهِشَ رَقْمُ وَاحِدٍ.
«وَهَلِ الضَّحِكُ مَمْنُوعٌ هُنَا؟ إِذَا كَانَ مَمْنُوعًا فَلِمَ لَا تُوجَدُ لَافِتَةٌ؟»
«مَاذَا تَهْذِي...؟!» صَاحَ رَقْمُ اثْنَيْنِ.
«يَا قَوْمُ، دَعُوكُمْ مِنْ هَذَا الْجِدَالِ؛ هَلْ سَتَدَعُونَنَا نَمُرُّ أَمْ لَا؟» قَاطَعَهُمُ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ.
«كَلَّا!» قَالَ رَقْمُ وَاحِدٍ بِصَرَامَةٍ.
«إِنْ لَمْ تَأْذَنُوا لَنَا بِالْمُرُورِ فَسَنَفِرُّ أَمَامَ أَعْيُنِكُمْ وَتَبْقَوْنَ نَادِمِينَ»، ابْتَسَمَتْ فَرْحَانَةُ.
«إِيَّاكِ أَنْ تُفَكِّرِي فِي ذلِكَ أَيَّتُهَا الْفَتَاةُ—»
قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ رَقْمُ وَاحِدٍ كَلَامَهُ، انْحَنَى فَجْأَةً؛ كَانَ "كَامِي" قَدْ قَذَفَ حَصَاةً مِنْ عَلَى الْعُشْبِ نَحْوَ وَجْهِهِ.
«مَاذَا حَدَثَ يَا أَخِي...؟» ارْتَبَكَ رَقْمُ اثْنَيْنِ وَثَلَاثَةٌ. كَانَتْ تِلْكَ هِيَ الْفُرْصَةَ السَّانِحَةَ الَّتِي يَنْتَظِرُونَهَا؛ فَهَجَمُوا عَلَيْهِمْ كَالصُّقُورِ وَأَسْقَطُوهُمْ أَرْضًا. وَمَا إِنِ ارْتَطَمَ الْعَمَالِقَةُ بِالْأَرْضِ حَتَّى انْقَضَّ عَلَيْهِمْ جُنَيْدٌ وَخَانْ رَحْمَانَ، بَيْنَمَا انْحَازَ حَمُّودٌ وَفَارُوقٌ وَفَرْحَانَةُ جَانِبًا بَعْدَمَا جَرَّدُوهُمْ مِنْ بَنَادِقِهِمْ سَلَفًا. انْقَلَبَتِ الْمَوَازِينُ كُلِّيًّا؛ وَسَقَطَ "الْإِخْوَةُ الطَّيِّبُونَ" مَغْشِيًّا عَلَيْهِمْ جَمِيعًا.
«أَبَتَاهُ! هَيَّا بِنَا... هذِهِ فُرْصَةٌ سَانِحَةٌ لِلْخُرُوجِ»، قَالَ حَمُّودٌ.
«أَنْتَ عَلَى حَقٍّ، لكِنَّنَا لَنْ نَخْرُجَ جَمِيعًا مِنْ هُنَا.»
«لِـ... لِمَاذَا...؟»
«سَأُخْبِرُكُمْ لَاحِقًا... لَقَدْ قَرَّرْتُ أَنْ يَنْطَلِقَ شَازِي، وَمُحَمَّد حُسَيْن آزَاد، وَمَرْؤُوسَاهُ الِاثْنَانِ لِيُبَلِّغُوا الْمُفَتِّشَ الْعَامَّ نِثَار أَحْمَد بِكُلِّ مَا جَرَى؛ لَا بُدَّ أَنَّهُ فِي غَايَةِ الْقَلَقِ»، قَالَ جُنَيْدٌ.
«أَبَتَاهُ! وَلِمَاذَا شَازِي...؟»
«لِأَنَّهُ كَانَ مَعَكُمْ طَوَالَ الْوَقْتِ؛ فَقَدْ يَمْلِكُ مَعْلُومَةً تُفِيدُ الْمُفَتِّشَ الْعَامَّ»، ابْتَسَمَ جُنَيْدٌ.
«فَهِمْتُ...» قَالَتْ فَرْحَانَةُ.
«رَأْيٌ سَدِيدٌ يَا جُنَيْدُ. انْطَلِقُوا أَنْتُمْ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ مَدَدُهُمْ»، وَافَقَهُ خَانْ رَحْمَانَ.
«سَمْعًا وَطَاعَةً... نَحْنُ ذَاهِبُونَ»، قَالَ مُحَمَّد حُسَيْن آزَاد، ثُمَّ فَتَحَ الْأَرْبَعَةُ الْبَابَ الصَّغِيرَ وَانْسَلُّوا إِلَى الْخَارِجِ.
«فَرْحَانَةُ! أَيُمْكِنُ حَقًّا الِائْتِمَانُ لِكَامِي وَشَازِي؟»
«لَمْ نَرَ مِنْهُمَا سِوَى الْعَوْنِ حَتَّى الْآنَ... بَلْ هُمَا مَنْ أَنْقَذَنِي مِنَ الِاخْتِطَافِ فِي الْبِدَايَةِ، وَلَهُمَا يَدٌ طُولَى فِي إِفْشَالِ كَاكَا وَبَاجَا وَبَابَا»، قَالَتْ فَرْحَانَةُ.
«أَنْقَذَاكِ مِنَ الِاخْتِطَافِ؟! لكِنَّكِ أَتَيْتِ إِلَى هُنَا مُخْتَطَفَةً أَنْتِ وَحَمُّودٌ وَفَارُوقٌ! كَيْفَ أَنْقَذَاكِ إِذَنْ؟ لَمْ أَسْتَوْعِبِ الْأَمْرَ!» تَحَيَّرَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ.
«أَبَتَاهُ! سَأَشْرَحُ لَكَ مَا حَدَثَ بِالضَّبْطِ...» شَرَعَتْ فَرْحَانَةُ تَقُصُّ عَلَيْهِ الْخَبَرَ.
«حَسَنًا... فَهِمْتُ الْآنَ... لكِنْ مَهْلًا! قُلْتِ إِنَّ هُنَاكَ خَمْسَةَ حُرَّاسٍ مَعَهُمْ كَلَاشِنْكُوف. هؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ... فَأَيْنَ الْآخَرَانِ؟»
«لَا نَدْرِي...»
«نَحْنُ هُنَا!» ارْتَفَعَ صَوْتٌ قَاطِعٌ فَجْأَةً مِنْ أَعْلَى!
رَفَعُوا أَبْصَارَهُمْ فِي ذُعْرٍ... فَانْخَلَعَتْ قُلُوبُهُمْ مِمَّا رَأَوْا!
(يُتْبَعُ...)

