الحَلْقَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ (11)
البَابُ:
غَرِيب بَهْيَا... أَمِير بَهْيَا (الأَخُ الفَقِيرُ... الأَخُ الغَنِيُّ)
«مَاذَا حَدَثَ... مَنْ فِي الخَارِجِ؟» سَأَلَتْ فَرْحَانَة بِقَلَقٍ.
«إِنَّهُ مُجَرَّدُ مَجْنُونٍ»، قَالَ فَارُوق مُبْتَسِماً.
«يَا صَاحِبِي! يَا لَكَ مِنْ مُمَثِّلٍ... لَقَدْ خَلَعْتَ قُلُوبَنَا.. لَا تُمَثِّلْ دُونَ دَاعٍ؛ فَقَدْ يُصَابُ أَحَدُنَا بِنَوْبَةٍ قَلْبِيَّةٍ فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ!» قَالَ غَامِي ضَاحِكاً.
«مَا هُوَ أَمْرِي... أَلِي أَنْ أَفْتَحَ البَابَ؟» قَالَ حَمُود.
«افْتَحِ البَابَ... وَلَكِنَّ المَجْنُونَ لَنْ يَدْخُلَ»، قَالَتْ فَرْحَانَة مُبْتَسِمَةً.
«إِنْ كَانَ المَجْنُونُ لَنْ يَدْخُلَ فَمَا الفَائِدَةُ مِنْ فَتْحِ البَابِ... دَعُونَا نَقُولُ لَهُ: يَا أَخَانَا! لَا نَسْتَطِيعُ فَتْحَ البَابِ... اذْهَبْ إِلَى بَابٍ آخَرَ»، قَالَ فَارُوق.
«فَارُوق! أَنْتَ مَجْنُونٌ... لَا تَدَعُنِي أُكْمِلُ كَلَامِي حَتَّى تَبْدَأَ بِثَرْثَرَتِكَ... اسْمَعُوا! المَجْنُونُ لَنْ يَدْخُلَ، بَلْ نَحْنُ جَمِيعاً سَنَخْرُجُ إِلَى الخَارِجِ. مَا رَأْيُكُمْ؟» قَالَتْ فَرْحَانَة.
«فِكْرَةٌ طَيِّبَةٌ... بَلْ فِكْرَةٌ فِي غَايَةِ النُّبْلِ... فِكْرَةٌ لَمْ تَخْطُرْ قَطُّ عَلَى بَالِ أَحَدٍ، وَلْيَكُنْ فِي الحُسْبَانِ... أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأَفْكَارِ نَادِرَةٌ لَا تُوجَدُ بِالبَحْثِ، وَلِذَا يَجِبُ الحِفَاظُ عَلَيْهَا جَيِّداً»، اسْتَرْسَلَ فَارُوق فِي الكَلَامِ.
«أُوه... يَا لَلْعَجَبِ (دَهَتْ تِيرِي كِي)...» ضَرَبَ حَمُود فَخِذَهُ بِانْزِعَاجٍ.
«وَبِأَيِّ مُنَاسَبَةٍ تَقُولُ "يَا لَلْعَجَبِ" الآنَ؟» قَالَتْ فَرْحَانَة صَانِعَةً وَجْهاً.
«فَرْحَانَة! أَنْتِ تُجْحِفِينَ فِي حَقِّي أَحْيَاناً كَثِيرَةً»، صَنَعَ حَمُود وَجْهاً أَسْوَأَ.
«وَكَيْفَ ذَلِكَ...؟»
«فَارُوق لَمْ يُرَاعِ حُرْمَةَ كَلِمَةِ "الفِكْرَةِ" وَاسْتَعْمَلَهَا بِلَا حِسَابٍ، فَلَمْ تَقُولِي لَهُ شَيْئاً... وَتَفَرَّغْتِ لِي كَأَنَّكِ تَحْمِلِينَ عَصاً ضِدِّي... هَذَا لَيْسَ أَمْراً طَيِّباً».
«مَعَاذَ اللهِ... أَيُّ كَلَامٍ سَخِيفٍ تَجْلِسُ لِتُجَادِلَ فِيهِ... فِي الخَارِجِ حَضْرَةُ مَجْنُونٍ يَقِفُ وَأَنْتَ تَهْذِي يَمْنَةً وَيَسْرَةً».
«أُوه... أَفَأَفْتَحُ البَابَ إِذَنْ؟»
«نَعَمْ، افْتَحْهُ... هَيَّا بِنَا، عَلَيْنَا أَنْ نَخْرُجَ مِنَ البَيْتِ... وَالآنَ لَنْ يَدْخُلَ بَيْتَنَا أَحَدٌ بِطَرِيقَةٍ مَشْرُوعَةٍ أَوْ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ».
فَتَحَ حَمُود البَابَ وَخَرَجَ الجَمِيعُ سِرَاعاً مِنَ المَنْزِلِ... وَمَا إِنْ خَرَجُوا حَتَّى أَغْلَقَتْ بِيغَمْ جُنَيْد البَابَ مِنَ الدَّاخِلِ. وَكَانَ المَجْنُونُ يَقِفُ عَلَى جَانِبٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ بِدَهْشَةٍ بَالِغَةٍ:
«أَهَذَا بَيْتُ المُفَتِّشِ جُنَيْد؟»
عِنْدَ سَمَاعِ جُمْلَةِ المَجْنُونِ نَظَرَ الجَمِيعُ إِلَيْهِ فِي تَعَجُّبٍ:
«نَعَمْ... هُوَ بَيْتُهُ»، قَالَ حَمُود.
«إِذَنْ فَقَدْ جِئْتُ إِلَى المَكَانِ الصَّحِيحِ...» ابْتَسَمَ الرَّجُلُ.
«مَاذَا تَعْنِي؟!» قَالَتْ فَرْحَانَة.
«أُرِيدُ أَنْ أَلْتَقِيَ بِالمُفَتِّشِ جُنَيْد أَوْ بِأَبْنَائِهِ»، ابْتَسَمَ.
«وَلِمَاذَا تُرِيدُ لِقَاءَهُمْ...؟»
«أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَهُمْ بِأَمْرٍ... أُرِيدُ أَنْ أَنْقُلَ إِلَيْهِمْ خَبَراً».
«نَحْنُ هُمْ أَبْنَاؤُهُ... حَمُود، وَفَارُوق، وَفَرْحَانَة...» قَالَ حَمُود.
«أُوه... فَأَنْتُمْ هُمُ الَّذِينَ طَبَّقَتْ شُهْرَتُهُمُ الآفَاقَ!» دَهِشَ الرَّجُلُ.
«نَعَمْ! مَا الَّذِي تُرِيدُ أَنْ تُخْبِرَنَا بِهِ الآنَ؟»
«دَقِيقَةً وَاحِدَةً أَيُّهَا المَجْنُونُ...» قَالَ فَارُوق مُبْتَسِماً.
«دَقِيقَةً مَجْنُونَةً... وَمُنْذُ مَتَى تَكُونُ الدَّقَائِقُ مَجْنُونَةً يَا فَارُوق؟» قَالَ غَامِي سَرِيعاً.
حَمْلَقَتْ فَرْحَانَة فِي فَارُوق وَقَالَتْ مُقَطِّبَةً:
«فَارُوق... أَرْجُوكَ. لَا تَقُلْ كَلَاماً سَخِيفاً، فَالأَحْوَالُ مُرْتَبِكَةٌ لِلْغَايَةِ... أَبِي وَالآخَرُونَ غَائِبُونَ وَنَحْنُ عَاجِزُونَ فِي مَنْزِلِنَا».
«هَذَا السَّيِّدُ يَتَكَلَّمُ كَالعُقَلَاءِ تَمَاماً بَيْنَمَا يَزْعُمُ أَنَّهُ مَجْنُونٌ»، صَنَعَ فَارُوق وَجْهاً.
«أُوه... فَهِمْتُمْ خَطَأً... أَنَا لَسْتُ مَجْنُوناً... اسْمِي "بَاغَل" (مَجْنُونٌ)»، ابْتَسَمَ الرَّجُلُ.
«أُوه... وَلَكِنَّ هَيْئَتَكَ تُشْبِهُ هَيْئَةَ المَجَانِينِ»، قَالَتْ فَرْحَانَة.
«اصْطَنَعْتُ هَذِهِ الهَيْئَةَ اضْطِرَاراً. اسْمَعُوا كَلَامِي فَقَطْ»، قَالَ بَاغَل.
«أَتُخْبِرُنَا هُنَا... أَمْ نَجْلِسُ فِي مَكَانٍ مَّا؟»
«لَا دَاعِيَ لِلْجُلُوسِ... اسْمَعُوا مَا عِنْدِي».
«حَسَناً... قُلْ مَا تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ».
«أَنَا شَحَّاذٌ (مُتَسَوِّلٌ)...» قَالَ فَجْأَةً وَهُوَ يَبْتَسِمُ.
«يَا لَلْهَوْلِ... أَنْتَ شَحَّاذٌ؟» قَفَزَ فَارُوق.
«نَعَمْ! أَنَا مُتَسَوِّلٌ... وَأَجُوبُ المَدِينَةَ كُلَّهَا».
«يَا أَخِي! قُلِ الأَمْرَ الَّذِي جِئْتَ مِنْ أَجْلِهِ».
«يَبْدُو أَنَّ أَمْراً سَيِّئاً عَلَى وَشْكِ الحُدُوثِ فِي مَدِينَتِنَا»، قَالَ وَهُوَ يَتَلَفَّتُ حَوْلَهُ.
«مَاذَا تَعْنِي؟!!» قَفَزُوا جَمِيعاً بِشِدَّةٍ.
«يَا رَبِّ سَلِّمْ...» خَافَ فَارُوق.
«وَضِّحْ كَلَامَكَ يَا سَيِّد بَاغَل. أَنْتَ تُرْعِبُنَا».
«كَمَا قُلْتُ... أَنَا أَتَسَوَّلُ فِي أَنْحَاءِ المَدِينَةِ. لَا تَخْفَى عَلَيَّ أَيُّ مِنْطَقَةٍ... لَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ النَّاسِ يَتَرَدَّدُونَ عَلَى بَيْتٍ كَبِيرٍ».
«وَمَا الغَرِيبُ فِي هَذَا؟ كُلُّ البُيُوتِ يَدْخُلُهَا النَّاسُ وَيَخْرُجُونَ. مَا المُمَيَّزُ فِي ذَلِكَ؟»
«لَكِنَّ أُولَئِكَ النَّاسَ مُرِيبُونَ جِدّاً...»
«أُوه... أَيْنَ ذَلِكَ البَيْتُ...؟» سَأَلَتْ فَرْحَانَة مُنْتَبِهَةً.
«فِي غُمَنْ آبَاد... لَيْسَ بَعِيداً مِنْ هُنَا...»
«حَسَناً... وَلَكِنْ كَيْفَ تَجْزِمُ أَنَّ شَيْئاً سَيِّئاً سَيَقَعُ فِي المَدِينَةِ... أَتَسَمَّعْتَ إِلَى كَلَامِهِمْ؟»
«نَعَمْ... كَانَ أَحَدُهُمْ يَقُولُ لِلآخَرِ: "إِنَّهَا مَسْأَلَةُ يَوْمٍ وَاحِدٍ فَقَطْ، وَسَتَصِيرُ بَيْنَ أَيْدِينَا أَمْوَالٌ طَائِلَةٌ..."» قَالَ بَاغَل.
«أُوه...» خَرَجَتْ مِنْ فَمِ فَرْحَانَة.
«فَرْحَانَة! يَبْدُو لِي أَنَّ هَذَا احْتِيَالٌ، لَا تَلْتَفِتِي إِلَى تُرَّهَاتِهِ»، قَالَ غَامِي.
«نَعَمْ... بِالتَّأْكِيدِ...» أَيَّدَ شَازِي سَرِيعاً.
«تَفَضَّلْ بِالانْصِرَافِ مِنْ هُنَا... نَحْنُ فِي غَايَةِ القَلَقِ أَصْلاً»، قَالَ حَمُود.
«لِمَاذَا لَمْ تُبَلِّغِ الشُّرْطَةَ بِهَذَا الأَمْرِ...؟»
«كَلَّا... لَا، لَا أَسْتَطِيعُ إِخْبَارَهُمْ... أَنَا أَرْتَعِبُ مِنْهُمْ. كَمْ مَرَّةٍ قَبَضُوا عَلَيَّ وَأَنَا أَتَسَوَّلُ وَأَوْسَعُونِي ضَرْباً! أَنَا أَخَافُ حَتَّى مِنْ ظِلِّهِمْ»، ارْتَعَدَ بَاغَل.
«كَانَ يُمْكِنُكَ إِيصَالُ الخَبَرِ عَبْرَ أَحَدِ أَصْدِقَائِكَ»، قَالَ غَامِي.
«حَاوَلْتُ ذَلِكَ، لَكِنْ لَمْ يُصَدِّقْنِي أَحَدٌ»، صَنَعَ وَجْهاً.
«يَبْدُو لِي أَنَّكَ تَكْذِبُ أَيْضاً...» قَالَ فَارُوق.
«أَنَا لَا أَكْذِبُ... وَإِنْ وَقَعَ أَمْرٌ سَيِّءٌ فِي المَدِينَةِ فَسَتَكُونُونَ أَنْتُمُ المَسْؤُولِينَ عَنْهُ.. خُذُوا رَقْمَ هَاتِفِي هَذَا.. لَعَلَّهُ يَنْفَعُكُمْ فِي شَيْءٍ»، قَالَ بَاغَل وَانْصَرَفَ مُبْتَعِداً. قَلَّبَ فَارُوق البِطَاقَةَ، كَانَ مَكْتُوباً عَلَيْهَا بِخَطٍّ بَارِزٍ: بَاغَل جِي... وَتَحْتَهُ رَقْمُ هَاتِفٍ.
«كَانَ مَجْنُوناً حَقّاً...» قَالَ فَارُوق صَانِعاً وَجْهاً.
«يَا لَغَرَابَةِ النَّاسِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا...!!» قَالَ حَمُود.
«وَمَاذَا سَتَفْعَلُ بِتِلْكَ البِطَاقَةِ؟» ابْتَسَمَتْ فَرْحَانَة.
«سَأَحْتَفِظُ بِهَا كَذِكْرَى مِنْ حَضْرَةِ المَجْنُونِ»، ابْتَسَمَ فَارُوق.
«أَنَا أُفَكِّرُ... مَاذَا لَوْ كَانَ كَلَامُهُ صَحِيحاً؟» تَرَدَّدَتْ فَرْحَانَة.
«رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْنَا. يَجِبُ أَنْ نَقْلَقَ الآنَ عَلَى أَبِي، وَالعَمِّ خَانْ رَحْمَان، وَالعَمِّ البُرُوفِيسُور، وَالعَمِّ إِكْرَام، وَمُحَمَّد حُسَيْن آزَاد وَالآخَرِينَ»، قَالَ حَمُود.
«العَمُّ البُرُوفِيسُور... أُوه...» خَرَجَتْ مِنْ فَمِ فَارُوق فَجْأَةً.
«مَاذَا جَرَى...؟!»
«سَاعَاتُ الهَدِيَّةِ مِنَ العَمِّ البُرُوفِيسُور يَبْدُو أَنَّهَا تَعَطَّلَتْ، فَلَا إِشَارَةَ فِيهَا إِطْلَاقاً»، قَالَ فَارُوق نَاظِراً إِلَى مِعْصَمِهِ.
«عِنْدَمَا نَلْتَقِيهِمْ سَنَشْكُو إِلَيْهِ».
«وَنَأْخُذُ مِنْهُ سَاعَاتٍ جَدِيدَةً»، ابْتَسَمَتْ فَرْحَانَة.
«أَيْنَ يَكُونُونَ يَا تُرَى؟»
«حَيْثُمَا كَانُوا، سَيَكُونُونَ بِخَيْرٍ... إِنْ شَاءَ اللهُ».
«أَنَا عَلَى يَقِينٍ أَنَّ العَمَّ المُفَتِّشَ العَامَّ لَنْ يَقْعُدَ مَكْتُوفَ الأَيْدِي».
«مَا هُوَ بَرْنَامَجُكُمْ الآنَ... أَتَعُودُونَ إِلَى عَالَمِ الجَرِيمَةِ أَمْ...؟» سَأَلَ حَمُود غَامِي.
«فَرْحَانَة! أَنْتِ تَنْسَيْنَ أَمْراً...»
«أَيُّ أَمْرٍ...؟» انْتَبَهَتْ.
«أَنَّهُمْ حَاوَلُوا اخْتِطَافَكِ... وَأُولَئِكَ لَنْ يَهْدَأُوا... سَيَعُودُونَ ثَانِيَةً»، قَالَ غَامِي.
«أَنَا حَائِرَةٌ حَقّاً... لِمَاذَا يُرِيدُونَ اخْتِطَافِي أَنَا بِالذَّاتِ؟»
«رُبَّمَا تَصِلِينَ إِلَى السَّبَبِ، فَكِّرِي قَلِيلاً..» قَالَ حَمُود، وَغَرِقَتْ فَرْحَانَة فِي التَّفْكِيرِ فِعْلاً. ظَلَّتْ تُفَكِّرُ... ثُمَّ قَفَزَتْ فَجْأَةً بِقُوَّةٍ وَهَتَفَتْ:
«وَجَدْتُهَا...! عَرَفْتُ مَنِ الَّتِي تُرِيدُ اخْتِطَافِي...»
«مَـ... مَاذَا قُلْتِ... الَّتِي تُرِيدُ...؟» نَظَرَ فَارُوق إِلَيْهَا بِدَهْشَةٍ.
«حَتَّى الآنَ لَمْ يَظْهَرِ اسْمُ أَيِّ امْرَأَةٍ فِي هَذِهِ الأَحْدَاثِ، بَلْ لَمْ يَظْهَرْ أَيُّ اسْمٍ أَصْلاً... نَحْنُ نُقَاتِلُ النَّاسَ فِي بَيْتِنَا فَقَطْ»، قَالَ حَمُود.
«بِالتَّأْكِيدِ... تِلْكَ المَغْرُورَةُ المُتَكَبِّرَةُ هِيَ الَّتِي تَقِفُ وَرَاءَ هَذَا. هَلْ نَذْهَبُ إِلَى بَيْتِهَا؟» قَالَتْ فَرْحَانَة.
«عَمَّنْ تَتَحَدَّثِينَ يَا فَرْحَانَة؟»
«زَمِيلَتِي فِي الدِّرَاسَةِ "إِرَم أَخْتَر"... الاِبْنَةُ المُدَلَّلَةُ لِأَحَدِ الأَثْرِيَاءِ... تَشَاجَرَتْ مَعِي ذَاتَ مَرَّةٍ فَأَوْسَعْتُهَا ضَرْباً... وَهَدَّدَتْنِي أَمَامَ الجَمِيعِ: فَرْحَانَة! سَأَجْعَلُهُمْ يَخْتَطِفُونَكِ يَوْماً مَّا، وَيَوْمَهَا سَتَتَوَسَّلِينَ إِلَيَّ طَلَباً لِلرَّحْمَةِ فَأَبْصُقُ فِي وَجْهِكِ... سَأُلَقِّنُكِ دَرْساً لَنْ تَنْسَيْهِ...» مَضَتْ فَرْحَانَة قَائِلَةً.
«أَنْتِ تَتَوَهَّمِينَ... مِثْلُ هَذِهِ الأُمُورِ تَقَعُ بَيْنَ الصَّدِيقَاتِ دَائِماً».
«وَهَلْ وَالِدُ إِرَم أَخْتَر مِنْ زُعَمَاءِ العِصَابَاتِ؟ مِنَ الوَاضِحِ أَنَّ إِرَم بِنَفْسِهَا لَا تَقْدِرُ...» كَانَ فَارُوق يَقُولُ.
«أَفْهَمُ قَصْدَكُمْ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ نَذْهَبَ وَنُحَادِثَهَا...»
«حَسَناً... فَلْنَذْهَبْ إِلَى بَيْتِهَا إِذَنْ...»
«وَنَسْأَلَهَا: يَا آنِسَةُ! أَنْتِ بِخَيْرٍ؟ لِمَاذَا تَتَحَدَّيْنَ أُخْتَنَا؟» قَالَ فَارُوق مُبْتَسِماً.
«نَعَمْ! يُمْكِنُنَا أَنْ نَفْحَصَ أَمْرَهَا...»
«لَا دَاعِيَ لِفَحْصِ أَيِّ أَحَدٍ... فَقَدْ وَصَلْنَا نَحْنُ»، فَجْأَةً ظَهَرَ شَابٌّ أَمَامَهُمْ، وَخَرَجَ مِنْ خَلْفِهِ مُبَاشَرَةً شَابٌّ نَحِيلٌ جِدّاً.
انْتَبَهُوا مَذْعُورِينَ.
«مَـ... مَنْ أَنْتُمْ...؟» ارْتَبَكَ فَارُوق.
«زَادَ الأَمْرُ عَنْ حَدِّهِ... يَا فَارُوق، لِمَاذَا أَنْتَ جَبَانٌ هَكَذَا... تَرْتَبِكُ مَعَ كُلِّ حَرَكَةٍ؟» صَنَعَ غَامِي وَجْهاً.
«هُوَ لَا يَرْتَبِكُ... هُوَ يُمَثِّلُ»، صَنَعَ حَمُود وَجْهاً.
«وَلَا يُوجَدُ مُمَثِّلٌ أَعْظَمُ مِنْهُ»، ضَحِكَ حَمُود.
«أَيُّهَا الإِخْوَةُ... دَعُوا نَوَادِرَكُمْ جَانِباً وَانْتَبِهُوا إِلَيَّ... لَمْ آتِ إِلَى هُنَا لِأَتَأَمَّلَ وُجُوهَكُمْ»، قَالَ الشَّابُّ بِغَيْظٍ.
«أُوه... وَلَكِنَّنَا ظَنَنَّا كَذَلِكَ...» قَالَ فَارُوق بِمَرَحٍ.
«ظَنَنْتُمْ مَاذَا...؟»
«أَنَّكَ جِئْتَ لِتَتَأَمَّلَ وُجُوهَنَا».
«أَنَا آتِي لِأَنْظُرَ فِي وُجُوهِكُمْ؟! أَرَأَيْتُمْ وُجُوهَكُمْ فِي المِرْآةِ قَطُّ؟» قَالَ الشَّابُّ مُحْتَدّاً.
«الحَمْدُ للهِ... أَرَاهُ يَوْمِيّاً تَقْرِيباً... وَأَحْمَدُ رَبِّي الجَمِيلَ الَّذِي خَلَقَنِي جَمِيلاً جِدّاً...» قَالَ فَارُوق مُتَفَاخِراً.
«أَنْتَ جَمِيلٌ؟!» ضَحِكَ الشَّابُّ ضِحْكَةً غَرِيبَةً.
«لَا شَكَّ عِنْدِي فِي ذَلِكَ...» قَالَ فَارُوق بِأُسْلُوبٍ أَضْحَكَ الجَمِيعَ.
«اسْمَعُوا إِذَنْ... لَا وَقْتَ لَدَيَّ لِأُضَيِّعَهُ... ارْكَبُوا جَمِيعاً فِي هَذِهِ السَّيَّارَةِ سَرِيعاً... لِأُوصِلَكُمْ إِلَى أَبِيكُمْ...»
«مَاذَا...؟!!» صَرَخُوا جَمِيعاً.
«لِمَاذَا تَصْرُخُونَ؟ أَلَسْتُمْ تَبْحَثُونَ عَنِ المُفَتِّشِ جُنَيْد؟ تَعَالَوْا مَعِي... سَآخُذُكُمْ إِلَيْهِ».
«أُوه... أَنْتَ غَرِيبُ الأَطْوَارِ»، قَالَ حَمُود.
«لَسْتُ غَرِيباً... أَنَا "غَرِيب بَهْيَا" (الأَخُ الفَقِيرُ)...» صَنَعَ وَجْهاً.
«غَرِيب بَهْيَا... وَلِمَاذَا لَسْتَ "أَمِير بَهْيَا" (الأَخَ الغَنِيَّ)؟» ضَحِكَ فَارُوق.
«أَنَا "غَرِيب" لِأَنَّنِي فَقِيرٌ... بَلْ فَقِيرٌ جِدّاً.. وَحِينَ أَمْلِكُ مَالاً كَثِيراً سَأَصِيرُ "أَمِير بَهْيَا"...» قَالَ.
«أُوه... مَنْطِقٌ سَلِيمٌ»، ضَحِكَ فَارُوق.
«إِذَنْ سَتَأْتُونَ جَمِيعاً مَعَنَا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟» قَالَ الرَّجُلُ النَّحِيلُ الوَاقِفُ إِلَى جِوَارِ غَرِيب بَهْيَا.
«يَا أَمِير بَهْيَا... سَيَأْتُونَ... بَلْ سَيَأْتُونَ حَتْماً، وَإِنْ رَفَضُوا سَنَخْتَطِفُهُمْ عُنْوَةً...» قَالَ غَرِيب بَهْيَا.
«مَاذَا قُلْتَ... أَمِير بَهْيَا... هَذَا هُوَ أَمِير بَهْيَا؟» بُهِتَ فَارُوق.
«نَعَمْ... أَنَا غَرِيب بَهْيَا وَهَذَا أَمِير بَهْيَا...»
«أُوه... أَلَسْتُمَا شَقِيقَيْنِ؟» سَأَلَتْ فَرْحَانَة مُبْتَسِمَةً.
«بَلَى... أَمِير بَهْيَا هُوَ أَخِي الأَكْبَرُ»، قَالَ السَّمِينُ.
«أَيْنَ أَبُونَا؟» سَأَلَتْ فَرْحَانَة فَجْأَةً.
«أَيْنَمَا كَانَ.. سَنُوصِلُكُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً»، ابْتَسَمَ.
«يَا غَرِيب بَهْيَا! أَعْطِنِي هَاتِفَكَ قَلِيلاً... لِأُخْبِرَ العَمَّ المُفَتِّشَ العَامَّ بِالأَمْرِ كُلِّهِ، وَسَيُثْنِي عَلَيْكَ خَيْراً». عِنْدَمَا قَالَتْ فَرْحَانَة هَذَا، قَفَزَ الأَخَوَانِ فِرَاقاً:
«إِيَّاكِ! لَا تُفَكِّرِي فِي ذَلِكَ حَتَّى.. وَلَنْ تُخْبِرُوا أَيَّ أَحَدٍ... ادْخُلُوا هَذِهِ السَّيَّارَةَ فِي صَمْتٍ!» وَظَهَرَ فِي يَدِ غَرِيب بَهْيَا مُسَدَّسٌ رِيفُولْفَر.
«يَا إِخْوَانُ... لَيْسَ لَدَيْنَا مَانِعٌ مِنَ الذَّهَابِ مَعَكُمْ، وَلَكِنْ هَلْ سَتَأْخُذُونَنَا إِلَيْهِمْ حَقّاً؟» قَالَ حَمُود.
«أُوه... تُرِيدُونَ دَلِيلاً إِذَنْ...»
«أَنْتُمْ أَذْكِيَاءُ... فَهِمْتُمْ سَرِيعاً».
«انْظُرُوا إِلَى هَذِهِ الصُّورَةِ... هَؤُلَاءِ جَمِيعاً رِفَاقُكُمْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟» لَوَّحَ غَرِيب بَهْيَا بِصُورَةٍ فَوْتُوغْرَافِيَّةٍ أَمَامَهُمْ.
نَظَرُوا: كَانَ المُفَتِّشُ جُنَيْد، وَإِكْرَام، وَمُحَمَّد حُسَيْن آزَاد وَمَرْؤُوسَاهُ مُلْقَيْنَ وَقَدْ أُوثِقُوا بِالحِبَالِ.
«أُوه... إِنَّهُمْ هُمْ فِعْلاً... وَلَـ... وَلَكِنْ لَيْسَ بَيْنَهُمُ العَمُّ خَانْ رَحْمَان وَالعَمُّ البُرُوفِيسُور!» قَالَتْ فَرْحَانَة مُتَفَاجِئَةً.
«تَمَّ اخْتِطَافُهُمَا بَعْدَ هَؤُلَاءِ... لِذَلِكَ لَيْسَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ».
«حَسَناً... أَنَا مُسْتَعِدَّةٌ لِأَنْ أُخْتَطَفَ»، قَالَتْ فَرْحَانَة بَعْدَ تَفْكِيرٍ.
«وَنَحْنُ أَيْضاً...» قَالَ حَمُود وَفَارُوق سَرِيعاً؛ فَقَدْ كَانُوا يَرْغَبُونَ جَمِيعاً فِي الوُصُولِ إِلَى المُفَتِّشِ جُنَيْد فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ.
كَانَتْ سَيَّارَةً كَبِيرَةً تُشْبِهُ المِيكْرُوبَاص (فَان). رَكِبُوا فِيهَا جَمِيعاً فَأَوْصَدَ غَرِيب بَهْيَا الأَبْوَابَ. جَلَسَ أَمِير بَهْيَا فِي المَقْعَدِ الأَمَامِيِّ، وَانْطَلَقَتِ السَّيَّارَةُ بِقُوَّةٍ. وَمَا إِنْ خَرَجُوا مِنَ الزُّقَاقِ إِلَى الشَّارِعِ الرَّئِيسِيِّ... حَتَّى بَدَأَ دُخَانٌ أَسْوَدُ كَثِيفٌ يَمْلَأُ مَقْصُورَةَ السَّيَّارَةِ.
«مَـ... مَا هَذَا...؟» قَالَ حَمُود مَذْعُوراً.
«أَيُّهَا الحَمْقَى! أَتَظُنُّونَ أَنَّنَا سَنَأْخُذُكُمْ إِلَى وَكْرِنَا وَأَعْيُنُكُمْ مَفْتُوحَةٌ؟! كَيْفَ فَكَّرْتُمْ فِي ذَلِكَ أَصْلاً... اسْتَعِدُّوا الآنَ كَالأَطْفَالِ النُّجَبَاءِ لِتَفْقِدُوا الوَعْيَ!» قَالَ غَرِيب بَهْيَا ضَاحِكاً.
«أُوه... وَلَكِنْ أَلَنْ تَفْقِدُوا الوَعْيَ مَعَنَا؟ فَأَنْتُمْ فِي السَّيَّارَةِ أَيْضاً!»
«لَنْ نَفْقِدَ الوَعْيَ... انْظُرُوا إِلَى هَذَا»، قَالَ أَمِير بَهْيَا.
كَانَ فِي يَدَيْهِ قِنَاعَانِ وَاقِيَانِ مِنَ الغَازِ. وَأَمَامَ أَعْيُنِهِمْ لَبِسَ أَمِير وَغَرِيب بَهْيَا القِنَاعَيْنِ عَلَى وَجْهَيْهِمَا. كَثُفَ الدُّخَانُ فِي السَّيَّارَةِ حَتَّى تَعَذَّرَ عَلَيْهِمُ التَّنَفُّسُ، ثُمَّ أَخَذُوا يَتَهَاوَوْنَ صَرْعَى غَائِبِينَ عَنِ الوَعْيِ وَاحِداً تِلْوَ الآخَرِ...

