كَانَتْ قَاعَةً كَبِيرَةً مُسْتَدِيرَةً. وَكَانَتْ تَظْهَرُ فِي جُدْرَانِهَا سِتَّةُ أَبْوَابٍ كُتِبَتْ عَلَيْهَا أَرْقَامٌ. كَانَ البَابُ رَقْمُ وَاحِدٍ غَرِيبَ الشَّكْلِ بَيْنَمَا كَانَتْ بَقِيَّةُ الأَبْوَابِ عَادِيَّةً. وَفِي وَسَطِ القَاعَةِ، عَلَى كُرْسِيٍّ دَوَّارٍ مُرْتَفِعٍ وَغَرِيبٍ، كَانَ يَجْلِسُ رَجُلٌ بَدِينٌ، أَبْيَضُ الوَجْهِ مُشْرَبٌ بِحُمْرَةٍ، وَقَدْ بَسَطَ سَاقَيْهِ... وَكَانَ يَقِفُ حَوْلَهُ فِي دَائِرَةٍ رِجَالٌ عَقَدُوا أَيْدِيَهُمْ فَوْقَ صُدُورِهِمْ. كَانَ الرَّجُلُ البَدِينُ يَلْتَفِتُ بِعُنُقٍ مُتَصَلِّبٍ يَنْظُرُ إِلَى الجَمِيعِ. وَفِي جَانِبٍ مِنَ الغُرْفَةِ، كَانَ المُفَتِّشُ جُنَيْد، وَإِكْرَام، وَمُحَمَّد حُسَيْن آزَاد، وَلِيَاقَت، وَأَسَد مُلْقَيْنَ وَقَدْ أُوثِقُوا بِالحِبَالِ. كَانُوا يَرْفَعُونَ أَعْنَاقَهُمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَى البَدِينِ. وَفَجْأَةً تَحَرَّكَتْ شَفَتَا البَدِينِ:
«أَنَا مَسْرُورٌ جِدّاً... لِأَنَّ العَمَلَ الَّذِي كَلَّفْتُكُمْ بِهِ... قَدْ أَدَّيْتُمُوهُ بِشَكْلٍ مُمْتَازٍ».
«أَرْوَاحُنَا فِدَاؤُكَ يَا زَعِيمُ»، هَتَفَ الجَمِيعُ مَعاً.
«أَعْلَمُ، أَنْتُمْ عَبِيدِي الأَوْفِيَاءُ...» ضَحِكَ بِصَوْتٍ عَالٍ.
«يَا زَعِيمُ! كَاكَا، وَبَاجَا، وَبَابَا... هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ لَمْ يَأْتُوا بِفَرْحَانَة حَتَّى الآنَ».
«سَيَأْتُونَ... لَا تَقْلَقُوا، أَمْرُهَا عَسِيرٌ بَعْضَ الشَّيْءِ... قَدْ يَسْتَغْرِقُ بَعْضَ الوَقْتِ». قَالَ الزَّعِيمُ وَهُوَ يُطْلِقُ قَهْقَهَةً عَالِيَةً.
«يَا زَعِيمُ! إِنْ أَذِنْتَ لِي، فَهَلْ أَجْرُؤُ عَلَى سُؤَالِكَ أَمْراً؟»
«يَا جَانِي! أَنْتَ لَسْتَ بِحَاجَةٍ إِلَى اسْتِئْذَانٍ، مَاذَا تُرِيدُ أَنْ تَسْأَلَ؟»
«شُكْراً! يَا زَعِيمُ، لِمَاذَا تُرِيدُ اخْتِطَافَ فَرْحَانَة وَحْدَهَا؟»
«فَرْحَانَة وَحْدَهَا...» قَهْقَهَ الزَّعِيمُ عَالِياً: «هَؤُلَاءِ لَمْ يَأْتُوا إِلَى هُنَا فِي نُزْهَةٍ، فَقَدِ اخْتَطَفْتُمُوهُمْ أَنْتُمْ أَيْضاً».
«أُوه... كَانَ قَصْدِي... مِنْ بَيْنِ أَوْلَادِ المُفَتِّشِ جُنَيْد، لِمَاذَا التَّرْكِيزُ عَلَى فَرْحَانَة فَقَطْ؟»
«المُفَتِّشُ جُنَيْد يُحِبُّ فَرْحَانَة حُبّاً جَمّاً، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى، فَرْحَانَة هِيَ نُقْطَةُ ضَعْفِهِ، وَعِرْقُهُ النَّابِضُ بِالأَلَمِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّنِي أَهْوَى اللَّعِبَ عَلَى أَعْصَابِ العَدُوِّ المُتَأَلِّمَةِ... ثُمَّ هُنَاكَ سَبَبٌ آخَرُ... وَإِيَّاكَ أَنْ تَسْأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ السَّبَبِ!» قَهْقَهَ الزَّعِيمُ بِصَوْتٍ مُدَوٍّ.
«أَمْرُكَ يَا زَعِيمُ... لَنْ أَسْأَلَ»، ابْتَسَمَ جَانِي.
«ظَنُّكَ خَاطِئٌ... أَنَا لَا أُحِبُّ فَرْحَانَة وَحْدَهَا... فَحَمُود وَفَارُوق عَزِيزَانِ عَلَيَّ كَذَلِكَ...» قَالَ المُفَتِّشُ جُنَيْد مُبْتَسِماً.
«أُوه، لَكِنَّنِي سَمِعْتُ... أَنَّ الآبَاءَ يُحِبُّونَ البَنَاتِ أَكْثَرَ مِنَ الأَبْنَاءِ».
«أُولَئِكَ آبَاءٌ آخَرُونَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ أَوْلَادِهِمْ.. أَمَّا أَنَا فَجَمِيعُ أَوْلَادِي لَدَيَّ سَوَاسِيَةٌ فِي المَعَزَّةِ».
«أُوه... أَتُرِيدُ مِنِّي... أَنْ أَسْتَدْعِيَ حَمُود وَفَارُوق إِلَى هُنَا أَيْضاً؟»
«فَهِمْتَ خَطَأً مَرَّةً أُخْرَى...؟» قَالَ بِغَضَبٍ.
عِنْدَ سَمَاعِ كَلَامِهِ سَكَتَ الزَّعِيمُ... ثُمَّ انْفَجَرَ ضَاحِكاً بِأَعْلَى صَوْتِهِ.
«مَاذَا حَدَثَ الآنَ...! لِمَاذَا تَضْحَكُ كَالمَجَانِينِ؟»
«المُفَتِّشُ جُنَيْد! تَأَدَّبْ فِي الكَلَامِ، هَذَا زَعِيمُنَا»، قَالَ جَانِي بِغَيْظٍ.
«هُوَ زَعِيمُكُمْ أَنْتُمْ... لَيْسَ زَعِيمِي»، صَنَعَ وَجْهاً مُزْدَرِياً.
«لَا بَأْسَ يَا جَانِي... دَعْهُ يَقُولُ مَا يَشَاءُ...»
«أَيُّهَا الزَّعِيمُ البَدِينُ... أَنْتَ رَجُلٌ جَبَانٌ... مُنْذُ أَنْ وَقَعْتُ فِي قَبْضَتِكَ... وَأَنْتَ تُبْقِينِي مُقَيَّداً دُونَ انْقِطَاعٍ...» قَالَ المُفَتِّشُ جُنَيْد مُبْتَسِماً.
«إِبْقَاؤُكَ مُقَيَّداً هُوَ ضَرُورَةٌ لِي. سَأَجْلِبُ رِفَاقَكَ وَاحِداً تِلْوَ الآخَرِ وَأُقَيِّدُهُمْ هُنَا... عِنْدَمَا يَكُونُ أَمْثَالُكُمْ مُقَيَّدِينَ تَنْتَعِشُ تِجَارَةُ أَمْثَالِنَا».
«تُرِيدُ جَلْبَ رِفَاقِي إِلَى هُنَا، لَكِنَّ جَانِي هَذَا كَانَ يَتَحَدَّثُ عَنْ فَرْحَانَة فَقَطْ»، قَالَ المُفَتِّشُ جُنَيْد.
«فَرْحَانَة... حَمُود، فَارُوق وَ...» تَوَقَّفَ فِي وَسَطِ كَلَامِهِ.
«وَ... وَمَنْ أَيْضاً...؟» سَأَلَ إِكْرَام سَرِيعاً.
«خَانْ رَحْمَان... البُرُوفِيسُور دَاوُد...»
«أُوه... يَبْدُو أَنَّكَ فِي مِزَاجِ لُعْبَةٍ كَبِيرَةٍ؟» ضَحِكَ المُفَتِّشُ جُنَيْد.
«مِزَاجُ لُعْبَةٍ... يَا سَلَامُ! هَـ... هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اسْماً لِرِوَايَةٍ!» قَالَ إِكْرَام مُنْدَهِشاً فَابْتَسَمَ المُفَتِّشُ جُنَيْد.
«الأَمْرُ كَذَلِكَ بِالتَّأْكِيدِ... أَنَا فِي مِزَاجِ لُعْبَةٍ»، ضَحِكَ الزَّعِيمُ أَيْضاً.
«أُوه... عَلَى كُلِّ حَالٍ! لَقَدْ لَعِبَ الكَثِيرُونَ أَلْعَاباً كَثِيرَةً فِي هَذَا البَلَدِ، وَلَكِنْ مَاذَا كَانَتْ نِهَايَتُهُمْ؟ الكُلُّ يَعْلَمُ. كُلَّمَا حَاوَلَ أَحَدٌ النَّظَرَ بِعَيْنِ السُّوءِ إِلَى دِينِي وَوَطَنِي، سَحَقْتُهُ بِعَوْنِ اللهِ تَعَالَى. فَإِنْ كَانَ لَدَيْكَ أَيُّ قَصْدٍ كَهَذَا فَارْعَوِ، وَإِلَّا...» قَالَ المُفَتِّشُ جُنَيْد.
«أَتُهَدِّدُنِي؟»
«لَيْسَ تَهْدِيداً، بَلْ سَأَفْعَلُ ذَلِكَ يَا بَدِينُ...»
«لَنْ تَسْتَطِيعَ فِعْلَ شَيْءٍ أَيُّهَا المُفَتِّشُ جُنَيْد»، ابْتَسَمَ ثُمَّ أَرْدَفَ: «أَتَرَى هَؤُلَاءِ الرِّجَالَ؟ إِنَّهُمْ أَفْضَلُ المُقَاتِلِينَ. إِزْهَاقُ الأَرْوَاحِ لَدَيْهِمْ أَيْسَرُ مِنْ شُرْبِ المَاءِ...» ضَحِكَ الزَّعِيمُ.
«يَا إِلَهِي! لَا تَتَفَوَّهْ بِأُمُورٍ مُرْعِبَةٍ كَهَذِهِ»، دَوَّى صَوْتُ إِكْرَام الخَائِفُ فِي القَاعَةِ.
«وَكَمْ مِنَ الرُّعْبِ أَقُولُ إِذَنْ؟»
«حَبَّذَا لَوْ لَمْ تَقُلْ مِثْلَ هَذِهِ الأُمُورِ أَصْلاً»، قَالَ مُحَمَّد حُسَيْن آزَاد بِصَوْتٍ مُضْطَرِبٍ.
حَمْلَقَ فِيهِ الزَّعِيمُ:
«المُفَتِّشُ جُنَيْد... يَبْدُو أَنَّ أَعْوَانَكَ هَؤُلَاءِ جُبَنَاءُ جِدّاً».
«لَسْنَا جُبَنَاءَ... إِنْ كُنْتَ لَا تُصَدِّقُ فَاجْعَلْ أَحَدَ رِجَالِكَ يُنَازِلُنَا... وَإِنْ لَمْ نَجْعَلْهُ يَرْقُصُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ فَغَيِّرِ اسْمَنَا»، قَالَ إِكْرَام صَانِعاً وَجْهاً.
«دَعْكَ مِنْ هَذَا... أَنَسِيتَ كَيْفَ جَعَلَكُمْ رِجَالِي تَرْقُصُونَ؟!»
«هَذَا لَا يُسَمَّى رَقْصاً، بَلْ يُسَمَّى غَدْراً وَخِدَاعاً»، قَالَ إِكْرَام مُسْرِعاً.
«عَلَى كُلِّ حَالٍ، مَنْ هُوَ أَفْضَل بَابْرِي وَالَا مِنْ بَيْنِ هَؤُلَاءِ؟»
«هُوَ أَنَا...» قَالَ جَانِي ضَاحِكاً.
«وَلَكِنَّكَ جَانِي... الرَّجُلُ الخَاصُّ لِلزَّعِيمِ...»
«أَنَا هُوَ ذَاكَ العَجُوزُ بَابْرِي وَالَا؛ فَالتَّنَكُّرُ لَيْسَ أَمْراً عَادِيّاً عِنْدِي، بَلْ هُوَ فِي غَايَةِ السُّهُولَةِ».
«أُوه...» خَرَجَتْ مِنْ فَمِ إِكْرَام.
«وَبِالتَّأْكِيدِ لَمْ تَنْسَنَا نَحْنُ... أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟» قَالَ رَجُلَانِ وَهُمَا يَتَقَدَّمَانِ خُطْوَةً. نَظَرَ إِكْرَام؛ كَانَ أَحَدُهُمَا شَابَّ السَّيَّارَةِ وَالآخَرُ سَائِقَ التَّاكْسِي... ذَاكَ السَّائِقُ نَفْسُهُ الَّذِي أَعْطَاهُ الحَلْوَى.
«هَذَا يَعْنِي أَنَّنِي جِيءَ بِي إِلَى هُنَا بِتَخْطِيطٍ مُحْكَمٍ»، قَالَ المُفَتِّشُ جُنَيْد.
«نَعَمْ! وَمَتَى كُنْتَ تَقَعُ فِي أَيْدِينَا دُونَ تَخْطِيطٍ؟!» ابْتَسَمَ جَانِي.
«إِكْرَام... جَانِي هَذَا هُوَ العَجُوزُ نَفْسُهُ... الَّذِي أَدْخَلْتَهُ إِلَى غُرْفَتِي»، أَخْبَرَهُ المُفَتِّشُ جُنَيْد، فَذُهِلَ إِكْرَام.
«وَلَكِنْ يَا سَيِّدِي... هُوَ...»
«أَلَمْ تَسْمَعْ؟ إِنَّهُ خَبِيرٌ فِي التَّنَكُّرِ... وَيَعْرِفُ عِلْماً يُشْبِهُ التَّخَاطُرَ (التِّيلِيبَاثِي). ظَنَّ أَنَّهُ سَيْطَرَ عَلَيَّ، لَكِنَّنِي لَسْتُ سَاذَجاً... عَرَفْتُهُ فَوْرَ أَنْ نَظَرْتُ فِي عَيْنَيْهِ»، كَانَ المُفَتِّشُ جُنَيْد يَبْتَسِمُ.
«حِينَ عَرَفْتَهُ، لِمَاذَا خَرَجْتَ مَعَهُ مِنَ المَكْتَبِ؟» سَأَلَ إِكْرَام بِعَجَبٍ.
«لِكَيْ أَكْتَشِفَ حَقِيقَتَهُ، خَرَجْتُ مَعَهُ... وَكَانَ ذَلِكَ خَطَئِي...»
«اتَّصَلْتَ بِي لَكِنَّكَ لَمْ تَسْتَطِعِ الكَلَامَ... مَاذَا كَانَ ذَاكَ الخَبَرُ؟»
«عِنْدَمَا هَرَبْتُ مِنْ هُنَاكَ اتَّصَلْتُ بِكَ مِنْ هَاتِفِي... لَمْ أَجِدْ وَقْتاً لِلْكَلاَمِ... كَانَ هَؤُلَاءِ يُطَارِدُونَنِي... وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ أُغْلِقِ الهَاتِفَ... وَلَا شَكَّ أَنَّكَ سَمِعْتَ الحِوَارَاتِ وَجَلَبَةَ الرَّكْضِ، وَلِذَلِكَ وَصَلْتَ إِلَى هُنَاكَ»، مَضَى المُفَتِّشُ جُنَيْد قَائِلاً.
«دَقِيقَةً وَاحِدَةً أَيُّهَا المُفَتِّشُ جُنَيْد، لَقَدْ أَخَذْتُ هَاتِفَكَ مِنِّي... فَكَيْفَ اتَّصَلْتَ بِهِ مِنْ هَاتِفِكَ؟» سَأَلَ جَانِي مُتَعَجِّباً.
«عِنْدَمَا كُنْتَ وَاقِفاً مَعِي فِي غُرْفَةِ العَمِّ كَامِي وَأَشَّا مَامَا، انْتَزَعْتُ الهَاتِفَ بِمَهَارَةٍ مِنْ جَيْبِكَ الجَانِبِيِّ»، ابْتَسَمَ هُوَ.
«أُوه... كُنْتُ أَظُنُّ... أَنَّ هَاتِفَكَ سَقَطَ مِنِّي فِي مَكَانٍ مَّا».
«يَا لَلْهَوْلِ!... هَذَا يَعْنِي أَنَّ الهَاتِفَ لَا يَزَالُ فِي جَيْبِهِ!» قَالَ العَمُّ كَامِي مُنْدَهِشاً.
«كَلَّا... لَقَدْ أَخَذْتُهُ مِنْ جَيْبِهِ وَأَتْلَفْتُهُ... وَكَسَرْتُ الشَّرِيحَةَ أَيْضاً»، ضَحِكَ أَشَّا مَامَا.
«أُوه... أُوه...» خَرَجَتْ مِنْ فَمِ المُفَتِّشِ جُنَيْد وَرِفَاقِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً.
«إِنِ انْتَهَى كَلَامُكُمْ فَلْنَتَحَدَّثْ فِي الأَمْرِ الجَادِّ... لَكِنِ انْتَظِرُوا، دَعُونِي أَتَفَقَّدْ أَمْرَ خَانْ رَحْمَان وَالبُرُوفِيسُور دَاوُد»، قَالَ الزَّعِيمُ وَأَخَذَ يُحَادِثُ رِجَالَهُ عَبْرَ الهَاتِفِ:
«نَعَمْ... حَسَناً... تَجْلِبُونَ خَانْ رَحْمَان؟ رَائِعٌ... أَسْرِعُوا وَلَكِنْ تَعَالَوْا بِحَذَرٍ تَامٍّ... حَسَناً...» قَطَعَ الاِتِّصَالَ ثُمَّ اتَّصَلَ ثَانِيَةً:
«نَعَمْ يَا هَذَا... أَيْنَ البُرُوفِيسُور دَاوُد؟... مُمْتَازٌ... صِلُوا سَرِيعاً...» قَالَ وَأَغْلَقَ الهَاتِفَ وَوَضَعَهُ فِي جَيْبِهِ:
«مُبَارَكٌ... خَانْ رَحْمَان وَالبُرُوفِيسُور دَاوُد سَيُجْلَبَانِ إِلَى هُنَا أَيْضاً».
«أُوه... أُوه...» خَرَجَتْ مِنْ فَمِ المُفَتِّشِ جُنَيْد.
«وَ... وَتِلْكَ فَرْحَانَة...»
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، انْفَتَحَ البَابُ رَقْمُ وَاحِدٍ وَدَخَلَ رَجُلٌ... وَانْغَلَقَ البَابُ خَلْفَهُ آلِيّاً. وَفَوْرَ دُخُولِهِ أَدَّى التَّحِيَّةَ العَسْكَرِيَّةَ لِلزَّعِيمِ بِقُوَّةٍ وَقَالَ:
«يَا زَعِيمُ! كَاكَا، وَبَابَا، وَبَاجَا قَدْ وَصَلُوا... أَلِي أَنْ أُدْخِلَهُمْ؟»
«هَلْ مَعَهُمْ فَتَاةٌ؟» سَأَلَ الزَّعِيمُ سَرِيعاً.
«كَلَّا يَا زَعِيمُ... لَا تُوجَدُ مَعَهُمْ أَيُّ فَتَاةٍ».
«يَا سَلَامُ!... مُقَاتِلُوهُ الثَّلَاثَةُ فَشِلُوا فِي اخْتِطَافِ فَرْحَانَة، رَائِعٌ جِدّاً...» انْفَرَجَتْ أَسَارِيرُ إِكْرَام فَرَحاً.
«أُوه... كَيْفَ يُعْقَلُ هَذَا... كَيْفَ فَشِلَ الثَّلَاثَةُ؟!» صَرَخَ الزَّعِيمُ مُحْتَدّاً: «أَحْضِرْهُمْ إِلَيَّ حَالاً...!»
«أَمْرُكَ يَا زَعِيمُ...» اسْتَدَارَ الرَّجُلُ وَبَلَغَ البَابَ. الْتَفَتَ وَأَدَّى التَّحِيَّةَ لِلزَّعِيمِ مَرَّةً أُخْرَى، وَخِلَالَ ذَلِكَ انْفَتَحَ البَابُ تِلْقَائِيّاً. خَرَجَ مِنَ القَاعَةِ. وَفِي بُرْهَةٍ وَجِيزَةٍ كَانَ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ يَقِفُونَ أَمَامَ الزَّعِيمِ مُنَكِّسِي الرُّؤُوسِ. كَانَ وَجْهُ الزَّعِيمِ يَحْمَرُّ غَضَباً، ثُمَّ فَرَقَ صَوْتُهُ كالفَحِيحِ فِي أَرْجَاءِ القَاعَةِ:
«كَاكَا، بَاجَا، بَابَا! لَمْ تَسْتَطِيعُوا اخْتِطَافَ فَتَاةٍ وَاحِدَةٍ... لَقَدْ زَادَ الأَمْرُ عَنْ حَدِّهِ!»
«نَحْنُ خَجِلُونَ يَا زَعِيمُ... لَوْ لَمْ نَفِرَّ مِنْ هُنَاكَ لَوَقَعْنَا فِي مَأْزِقٍ عَظِيمٍ». رَوَى كَاكَا، وَبَاجَا، وَبَابَا قِصَّةَ بَيْتِ المُفَتِّشِ جُنَيْد بِالتَّفْصِيلِ...
«أُوه... إِذَنْ كَانَ هُنَاكَ شَخْصَانِ آخَرَانِ سِوَى أَوْلَادِ المُفَتِّشِ جُنَيْد... وَأَنْتُمْ فَشِلْتُمْ بِسَبَبِهِمَا؟»
«لَمْ يَكُونَا هُنَاكَ فَقَطْ يَا زَعِيمُ... بَلْ هُمَا هُنَاكَ حَتَّى الآنَ»، قَالَ كَاكَا.
«يَا زَعِيمُ! كُنَّا ثَلَاثَةً وَكَانُوا خَمْسَةً... حَاوَلْنَا كَثِيراً وَلَكِنْ...» قَالَ بَاجَا.
«أُوه... أُوه... مَاذَا أَفْعَلُ الآنَ... هَلْ أَتْرُكُهُمْ جَمِيعاً هَكَذَا؟ كَلَّا، يَجِبُ أَنْ يَكُونُوا هُنَا أَيْضاً... بَلْ حَتَّى ذَيْنِكَ اللَّذَيْنِ صَارَا دِرْعاً لِفَرْحَانَة... لَا يُمْكِنُنِي المُخَاطَرَةُ».
«تَقْصِدُ أَنَّهُ لَيْسَتْ فَرْحَانَة وَحْدَهَا... بَلْ سَيَأْتِي حَمُود، وَفَارُوق، وَشَازِي، وَغَامِي إِلَى هُنَا أَيْضاً...؟» قَالَ كَاكَا مُنْدَهِشاً.
«نَعَمْ... لَنْ أَدَعَ أَحَداً طَلِيقاً بَعْدَ الآنَ»، قَالَ الزَّعِيمُ.
«إِنْ أَذِنْتَ لِي فَسَآتِي بِهِمْ إِلَى هُنَا»، عَرَضَ جَانِي.
«لَيْسَ الآنَ... لِيَصِلْ خَانْ رَحْمَان وَالبُرُوفِيسُور دَاوُد أَوَّلاً... وَبَعْدَهَا سَأُرْسِلُ مَنْ يَأْتِي بِهِمْ»، أَجَابَ الزَّعِيمُ.
وَأَخَذُوا يَنْتَظِرُونَ خَانْ رَحْمَان وَالبُرُوفِيسُور دَاوُد. كَانَ المُفَتِّشُ جُنَيْد يَشْعُرُ بِقَلَقٍ شَدِيدٍ، فَقَدْ كَانَ يَعْلَمُ... أَنَّ خَانْ رَحْمَان وَالبُرُوفِيسُور دَاوُد يُعَانِيَانِ هَذِهِ الأَيَّامَ بَعْضَ المَتَاعِبِ الصِّحِّيَّةِ.
«سَيِّدِي... حِينَ تَعَذَّرَ عَلَيَّ التَّوَاصُلُ مَعَ أَيِّ أَحَدٍ، أَخْبَرْتُ خَانْ رَحْمَان عَنْكَ... فَقَلِقَ عِنْدَ سَمَاعِ التَّفَاصِيلِ وَقَالَ: "أَنَا قَادِمٌ"... وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ جَلَبَنَا هَؤُلَاءِ إِلَى هُنَا»، هَمَسَ إِكْرَام بِصَوْتٍ خَافِتٍ.
«أُوه... رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْنَا.. الأَحْوَالُ لَيْسَتْ جَيِّدَةً. أَشْعُرُ بِالعَجْزِ فِي هَذَا الوَقْتِ»، قَالَ المُفَتِّشُ جُنَيْد.
«أَيُّ عَجْزٍ يَا سَيِّدِي؟ اللهُ تَعَالَى مَعَنَا. هُوَ يَنْصُرُنَا دَائِماً، وَسَيَنْصُرُنَا اليَوْمَ أَيْضاً... إِنْ شَاءَ اللهُ...»
«إِنْ شَاءَ اللهُ...»
«سَيِّدِي! لِمَاذَا يَجْمَعُ الزَّعِيمُ الكُلَّ هُنَا؟ مَاذَا يَدُورُ فِي ذِهْنِهِ؟ مَاذَا يَنْوِي أَنْ يَفْعَلَ... هَلْ خَمَّنْتَ شَيْئاً...؟» سَأَلَ إِكْرَام.
«لَيْسَ لَدَيَّ أَيُّ تَخْمِينٍ...»
«أُوه...»
وَبَعْدَ نَحْوِ نِصْفِ سَاعَةٍ، انْفَتَحَ بَابُ القَاعَةِ وَدَخَلَ شَابَّانِ قَصِيرَا القَامَةِ... كَانَ أَحَدُهُمَا يَحْمِلُ خَانْ رَحْمَان عَلَى كَتِفَيْهِ... تَقَدَّمَا وَوَقَفَا أَمَامَ الزَّعِيمِ.
«شَاشَا... مَاشَا... لَقَدْ قُمْتُمَا بِعَمَلٍ بَارِعٍ جِدّاً. مُكَافَأَتُكُمَا مَضْمُونَةٌ... ضَعَاهُ أَمَامِي الآنَ»، قَالَ الزَّعِيمُ فَرِحاً.
«مَاذَا حَلَّ بِهِ...؟» سَأَلَ المُفَتِّشُ جُنَيْد بِقَلَقٍ.
«لَا دَاعِيَ لِلْقَلَقِ... هُوَ غَائِبٌ عَنِ الوَعْيِ فَقَطْ... وَسَيَسْتَفِيقُ بَعْدَ قَلِيلٍ»، قَالَ الزَّعِيمُ مُبْتَسِماً.
«أُوه... الحَمْدُ للهِ...» قَالَ إِكْرَام.
«هُوَ فَاقِدٌ لِلْوَعْيِ وَأَنْتَ تَحْمَدُ اللهَ بَدَلَ أَنْ تَحْزَنَ؟!» ضَحِكَ الزَّعِيمُ.
«يَجِبُ عَلَيْنَا حَمْدُ اللهِ فِي كُلِّ حَالٍ... فَهُوَ يُحِبُّ عِبَادَهُ الشَّاكِرِينَ جِدّاً... لِذَا حَمِدْتُ اللهَ... وَحَمِدْتُهُ أَيْضاً لِأَنَّ خَانْ رَحْمَان مُجَرَّدُ فَاقِدٍ لِلْوَعْيِ»، تَابَعَ إِكْرَام مُسْتَرْسِلاً.
«أُوه... إِذَنْ هَكَذَا الأَمْرُ»، تَمْتَمَ الزَّعِيمُ، ثُمَّ خَاطَبَ شَاشَا وَمَاشَا:
«شَاشَا، مَاشَا... أَلَمْ تُوَاجِهَا صُعُوبَةً فِي إِحْضَارِهِ إِلَى هُنَا...؟»
«يَا زَعِيمُ! كَانَ خَارِجاً لِلذَّهَابِ إِلَى بَيْتِ المُفَتِّشِ جُنَيْد حِينَ اعْتَرَضْنَا طَرِيقَهُ... أَبْدَى بَعْضَ المُقَاوَمَةِ لَكِنَّنَا تَغَلَّبْنَا عَلَيْهِ وَأَحْضَرْنَاهُ»، أَوْضَحَ شَاشَا.
«أَلَمْ يَرَكُمَا أَحَدٌ وَأَنْتُمَا قَادِمَانِ؟»
«يَا زَعِيمُ! نَحْنُ لَا نَتْرُكُ وَرَاءَنَا أَيَّ أَثَرٍ»، أَكَّدَ مَاشَا.
«أَحْسَنْتُمَا... أَنَا رَاضٍ عَنْكُمَا كَثِيراً...»
«شُكْراً يَا زَعِيمُ...! إِذَا سُرِرْتَ أَنْتَ سُرِرْنَا نَحْنُ...» قَالَ شَاشَا. ثُمَّ انْضَمَّا إِلَى بَقِيَّةِ الرِّجَالِ الوَاقِفِينَ فِي القَاعَةِ... وَالآنَ بَدَأَ انْتِظَارُ البُرُوفِيسُور دَاوُد... وَفِي النِّهَايَةِ، دَخَلَ شَابٌّ طَوِيلُ القَامَةِ يَحْمِلُهُ. وَضَعَهُ أَمَامَ الزَّعِيمِ وَوَقَفَ عاقِداً يَدَيْهِ:
«يَا زَعِيمُ... هَا هُوَ البُرُوفِيسُور دَاوُد عِنْدَ قَدَمَيْكَ... فَتَقَبَّلْهُ».
«تَقَبَّلْهُ... مَا مَعْنَى هَذَا الكَلَامِ؟ أَقَدِمْتَ بِالبُرُوفِيسُور دَاوُد أَمْ بِهَدِيَّةٍ لِيَتَقَبَّلَهَا الزَّعِيمُ؟» عَلَّقَ المُفَتِّشُ جُنَيْد مُبْتَسِماً.
«البُرُوفِيسُور دَاوُد لَيْسَ أَقَلَّ مِنْ هَدِيَّةٍ بِالنِّسْبَةِ لِي»، ابْتَسَمَ الزَّعِيمُ.
«مَا دُمْتَ تَقُولُ ذَلِكَ فَأَنَا أُصَدِّقُكَ...»
كَانَ البُرُوفِيسُور دَاوُد وَخَانْ رَحْمَان مُلْقَيَيْنِ بِلَا حَرَاكٍ عَلَى أَرْضِيَّةِ القَاعَةِ. ثُمَّ فَتَحَ خَانْ رَحْمَان عَيْنَيْهِ وَأَخَذَ يَنْظُرُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً بِحَيْرَةٍ... وَعِنْدَمَا وَقَعَتْ عَيْنَاهُ عَلَى البُرُوفِيسُور دَاوُد بِقُرْبِهِ، انْتَفَضَ جَالِساً... وَخَرَجَتْ مِنْ فَمِهِ صَيْحَةُ تَعَجُّبٍ:
«أُوه... مَا هَذَا... يَا حَضْرَةَ البُرُوفِيسُور! لِمَاذَا أَنْتَ مُسْتَلْقٍ هُنَا وَأَيُّ مَكَانٍ هَذَا؟»
ثُمَّ حِينَ وَقَعَ نَظَرُهُ عَلَى الزَّعِيمِ وَأَعْوَانِهِ... قَفَزَ وَاقِفاً:
«مَـ... مَنْ أَنْتُمْ وَأَيْنَ أَنَا.. وَمَاذَا يَفْعَلُ البُرُوفِيسُور دَاوُد هُنَا؟» تَوَالَتْ أَسْئِلَتُهُ. وَأَخَذَ الحَاضِرُونَ يَبْتَسِمُونَ.
«خَانْ رَحْمَان... أَنْتَ أَيْضاً وَقَعْتَ فِي أَيْدِيهِمْ... يَا صَاحِبِي! هَذَا لَيْسَ أَمْراً طَيِّباً». عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ المُفَتِّشِ جُنَيْد انْدَهَشَ انْدِهَاشاً شَدِيداً وَأَخَذَ يُقَلِّبُ بَصَرَهُ.. وَمَا إِنِ اسْتَقَرَّتْ عَيْنَاهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَمَلَّكَهُ الذُّهُولُ وَصَاحَ:
«يَا لَلْهَوْلِ... أَنْتَ هُنَا أَيْضاً...؟!»
«لَسْتُ أَنَا فَقَطْ، بَلْ إِكْرَام وَمُحَمَّد حُسَيْن آزَاد هُنَا أَيْضاً».
«أُوه... أُوه...» خَرَجَتْ مِنْ فَمِهِ.
«إِكْرَام... أَنْتَ... أَلَمْ تَكُنْ فِي طَرِيقِكَ إِلَى بَيْتِ جُنَيْد؟!»
«وَأَنْتَ أَيْضاً كُنْتَ ذَاهِباً إِلَى بَيْتِهِ...» ابْتَسَمَ إِكْرَام.
«كُنْتُ فِي طَرِيقِي إِلَى هُنَاكَ... فَاعْتَرَضَنِي شَابَّانِ... حَاوَلْتُ جَاهِداً التَّمَلُّصَ مِنْهُمَا لَكِنَّ حِيلَتِي لَمْ تُجْدِ نَفْعاً»، قَالَ خَانْ رَحْمَان مُتَفَحِّصاً القَاعَةَ بِدِقَّةٍ.
«لَمْ تُجْدِ نَفْعاً (دَالْ نَہ گَلْ سَكِي)... هَذَا هُوَ عَيْبُ هَذَا المَثَلِ...» ابْتَسَمَ إِكْرَام.
«أَيُّ عَيْبٍ...؟» سَأَلَ خَانْ رَحْمَان بِشُرُودٍ.
«أَنَّهَا لَا تَنْضَجُ أَبَداً... فَيَضْطَرُّ المَرْءُ لِأَكْلِهَا نِيئَةً».
«أُوه...!! أَتَعْنِي أَنَّكَ تَأْكُلُ العَدَسَ نِيئاً؟» قَالَ كَاكَا بِدَهْشَةٍ، إِذْ كَانَ يُحِبُّ أَكْلَ الحُبُوبِ عَلَى مَا يَبْدُو.
«فَهِمْتَ خَطَأً... حُبُوبِي تَنْضَجُ دَائِماً، لَكِنَّ حُبُوبَ المَثَلِ هِيَ الَّتِي لَا تَنْضَجُ قَطُّ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ يَا سَيِّد خَانْ رَحْمَان... أَلَسْتُ عَلَى حَقٍّ؟»
«بَلَى... أَنْتَ عَلَى حَقٍّ...» ابْتَسَمَ خَانْ رَحْمَان.
«وَأَنَا أَشْهَدُ كَذَلِكَ... إِكْرَام يَقُولُ الحَقَّ دَائِماً»، كَانَ البُرُوفِيسُور دَاوُد يَنْهَضُ مُبْتَسِماً.
«أُوه... عُدْتَ إِلَى وَعْيِكَ أَنْتَ أَيْضاً»، قَالَ الزَّعِيمُ.
«نَعَمْ، وَلَكِنْ مَنْ أَنْتَ وَلِمَاذَا صَدِيقِي مُلْقًى مُقَيَّداً...؟» سَأَلَ البُرُوفِيسُور دَاوُد.
«هَذَا هُوَ الزَّعِيمُ البَدِينُ يَا حَضْرَةَ البُرُوفِيسُور... وَبِفَضْلِ كَرَمِهِ اجْتَمَعْنَا جَمِيعاً هُنَا»، قَالَ المُفَتِّشُ جُنَيْد ضَاحِكاً.
«المُفَتِّشُ جُنَيْد! لِمَاذَا تُنَادِينِي بِالزَّعِيمِ البَدِينِ... أَلَا تَقْدِرُ أَنْ تَقُولَ "الزَّعِيمُ" فَقَطْ؟» قَالَ الزَّعِيمُ مُقَطِّباً وَجْهَهُ.
«لِمَاذَا... أَيُزْعِجُكَ ذَلِكَ؟» ابْتَسَمَ المُفَتِّشُ جُنَيْد.
«نَعَمْ... يُزْعِجُنِي حَقّاً...» أَجَابَ.
«حَاوِلْ... أَلَّا يَنْزَعِجَ خَاطِرُكَ».
«أُحَاوِلُ... مَاذَا تَعْنِي؟» حَمْلَقَ فِيهِ.
«أَعْنِي: حَاوِلْ أَلَّا تَنْزَعِجَ.. لِأَنَّكَ بَدِينٌ فِعْلاً»، ضَحِكَ المُفَتِّشُ.
فَبَقِيَ الزَّعِيمُ عَابِساً.
«أَيُّهَا الزَّعِيمُ البَدِينُ... أَطْلِقْ سَرَاحَ المُفَتِّشِ جُنَيْد وَرِفَاقِهِ»، قَالَ البُرُوفِيسُور دَاوُد.
«لِمَاذَااا...؟» مَطَّ الزَّعِيمُ لَفْظَةَ "لِمَاذَا".
«لِأَنَّنِي أَنَا مَنْ يَقُولُ لَكَ ذَلِكَ»، ابْتَسَمَ.
«قَوْلُكَ لَنْ يُغَيِّرَ شَيْئاً... كَلِمَتِي هِيَ النَّافِذَةُ هُنَا أَيُّهَا البُرُوفِيسُور».
«يَا حَضْرَةَ البُرُوفِيسُور! الزَّعِيمُ البَدِينُ عَلَى حَقٍّ... كَلِمَتُهُ هِيَ الَّتِي تَمْشِي هُنَا، لَا كَلِمَتُكَ!» صَاحَ المُفَتِّشُ جُنَيْد بِقُوَّةٍ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ البُرُوفِيسُور دَاوُد سَرِيعاً وَرَآهُ يَبْتَسِمُ بِمَغْزًى.
«أُوه... حَسَناً، حَسَناً... فَهِمْتُ»، تَنَبَّهَ البُرُوفِيسُور.
«مَاذَا فَهِمْتَ...؟» تَعَجَّبَ الزَّعِيمُ.
«فَهِمْتُ أَنَّ حُكْمَكَ هُوَ النَّافِذُ هُنَا... لَا حُكْمِي»، ابْتَسَمَ.
«الحَمْدُ للهِ... فَهِمْتَ سَرِيعاً»، ضَحِكَ الزَّعِيمُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى كَاكَا وَبَاجَا وَبَابَا:
«المُفَتِّشُ جُنَيْد مُلْقًى مُقَيَّداً، فَلِمَاذَا هَذَانِ طَلِيقَانِ؟ قَيِّدُوهُمَا أَيْضاً... سَأَذْهَبُ إِلَى دَوْرَةِ المِيَاهِ... وَإِيَّاكُمْ أَنْ تَدَعُوهُمْ يَفْعَلُونَ أَيَّ خُدْعَةٍ!» قَامَ الزَّعِيمُ عَنْ كُرْسِيِّهِ... وَفَتَحَ البَابَ رَقْمَ خَمْسَةٍ وَدَخَلَ فِيهِ.
«لَا تُقَيِّدُونَا...» قَالَ خَانْ رَحْمَان مُضْطَرِباً.
«وَلِمَ لَا نُقَيِّدُكُمْ؟ نَحْنُ نَمْتَثِلُ لِأَوَامِرِ الزَّعِيمِ»، قَالَ كَاكَا وَتَنَاوَلَ حَبْلاً كَانَ قُرْبَ كُرْسِيِّ الزَّعِيمِ.
«انْظُرُوا! صِحَّتِي لَيْسَتْ عَلَى مَا يُرَامُ».
«لَا بَأْسَ... هِيَ جَيِّدَةٌ بِمَا يَكْفِي»، ضَحِكَ كَاكَا.
«لَـ... لَكِنَّ الزَّعِيمَ البَدِينَ قَدِ انْصَرَفَ»، تَلَعْثَمَ البُرُوفِيسُور دَاوُد.
«لِمَاذَا تَنْعَتُ زَعِيمَنَا بِالبَدِينِ؟» قَالَ بَاجَا بِغَضَبٍ.
«لِأَنَّهُ بَدِينٌ فِعْلاً... أَلَا أَقُولُ لِلْبَدِينِ يَا بَدِينُ... أَيُّ مَنْطِقٍ هَذَا؟!»
«لَا شَأْنَ لِي بِالمَنْطِقِ... فَقَطْ لَا تَقُلْ لَهُ بَدِيناً، بَلْ نَادِهِ "الزَّعِيمَ"»، صَنَعَ بَابَا وَجْهاً.
«حَسَناً... لَنْ أَنْعَتَهُ بِالبَدِينِ، وَلَكِنْ...» ابْتَسَمَ.
«مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ "وَلَكِنْ" هَذِهِ يَا حَضْرَةَ البُرُوفِيسُور؟» ابْتَسَمَ إِكْرَام.
«وَمَا شَأْنُ "وَلَكِنْ"؟... يُمْكِنُهَا أَنْ تَسْقُطَ مِنْ أَيِّ مَكَانٍ وَفِي أَيِّ حِينٍ، أَلَا تَعْلَمُ حَتَّى هَذَا يَا إِكْرَام؟» التَفَتَ إِلَيْهِ البُرُوفِيسُور دَاوُد.
«أَيُّهَا البُرُوفِيسُور! اسْتَسْلِمْ بِأَدَبٍ لِنُقَيِّدَكَ... وَإِلَّا قَيَّدْنَاكَ عُنْوَةً»، قَالَ كَاكَا وَاقِفاً أَمَامَهُمْ بِالحِبَالِ وَخَلْفَهُ بَاجَا وَبَابَا.
«لَـ... لَكِنَّ صِحَّتِي لَيْسَتْ بِخَيْرٍ»، قَالَ خَائِفاً.
«يَا حَضْرَةَ البُرُوفِيسُور! أَنَا جَائِعٌ جِدّاً. هَلْ مَعَكَ شَيْءٌ لِلْأَكْلِ؟» دَوَّى صَوْتُ المُفَتِّشِ جُنَيْد فَجْأَةً فِي القَاعَةِ.
«أُوه... وَأَنَا أَيْضاً يَقْتُلُنِي الجُوعُ...!» صَاحَ إِكْرَام عَالِياً.
«يَا لَهَا مِنْ وَرْطَةٍ، أَوَوَقَعَ عَلَيْكُمُ الجُوعُ الآنَ؟!» تَذَمَّرَ كَاكَا.
«الجُوعُ لَمْ يُصِبِ البُرُوفِيسُور دَاوُد وَخَانْ رَحْمَان، بَلْ أَصَابَ المُفَتِّشَ جُنَيْد وَإِكْرَام. بَعْدَ تَقْيِيدِ هَذَيْنِ، سَنُعَالِجُ جُوعَ المُفَتِّشِ»، ضَحِكَ بَابَا.
«صَدَقْتَ...» قَالَ بَاجَا.
«لَكِنَّكُمْ نَسِيتُمْ أَمْراً...» ابْتَسَمَ البُرُوفِيسُور دَاوُد.
«مَاذَا نَسِينَا؟» صَنَعَ كَاكَا وَجْهاً.
«أَنَّ جُنَيْداً طَلَبَ الطَّعَامَ مِنِّي أَنَا، لَا مِنْكُمْ».
«أَمَعَكَ شَيْءٌ يُؤْكَلُ؟» قَالَ مُتَعَجِّباً.
«فَتَّشْتُهُ... فِي جُيُوبِهِ بَعْضُ الحَبَّاتِ وَالحَلْوَى، لَدَيْهِ هِوَايَاتُ صِبْيَانٍ»، قَالَ الرَّجُلُ الَّذِي أَحْضَرَ البُرُوفِيسُور دَاوُد مُبْتَسِماً.
كَانَ الجَمِيعُ قَدْ جَلَسُوا عَلَى الأَرْضِ مَا عَدَا كَاكَا، وَبَاجَا، وَبَابَا.
«أُوه... حَسَناً... اقْذِفْ إِلَيْهِمَا الحَبَّاتِ وَالحَلْوَى لِيَأْكُلَاهَا»، قَالَ كَاكَا مُبْتَسِماً.
«لَكِنَّهُمَا مُقَيَّدَانِ».
«وَمَاذَا فِي ذَلِكَ؟ الحَلْوَى تُؤْكَلُ بِالفَمِ لَا بِاليَدَيْنِ أَوِ الرِّجْلَيْنِ».
«أَنْتَ عَلَى حَقٍّ، لَكِنَّ المَرْءَ يُمْسِكُهَا بِيَدِهِ أَوَّلاً»، ضَحِكَ البُرُوفِيسُور.
«مَعْذِرَةً! لَنْ نَفُكَّ قُيُودَهُمَا. ارْمِ الحَلْوَى نَحْوَهُمَا وَسَيَتَلَقَّفَانِهَا بِفَمَيْهِمَا، هَذَا أَمْرٌ يَقْدِرَانِ عَلَيْهِ حَتْماً»، قَالَ بَاجَا.
«يَا حَضْرَةَ البُرُوفِيسُور! هُمْ عَلَى صَوَابٍ... ارْمِ حَبَّةً طَيِّبَةً نَحْوِي... وَسَأَلْتَقِطُهَا بِفَمِي إِنْ شَاءَ اللهُ»، قَالَ المُفَتِّشُ جُنَيْد.
«وَأَنْتَ يَا إِكْرَام... أَتَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ؟»
«يَا حَضْرَةَ البُرُوفِيسُور! سَأُحَاوِلُ أَنَا أَيْضاً... سَمِّ اللهَ وَارْمِ الحَلْوَى نَحْوِي»، ابْتَسَمَ إِكْرَام.
«حَسَناً... سَأَرْمِي حَبَّةً لِلْمُفَتِّشِ جُنَيْد وَأُخْرَى إِلَيْكَ»، قَالَ البُرُوفِيسُور دَاوُد وَأَخْرَجَ حَبَّاتٍ وَقِطَعَ حَلْوَى كَثِيرَةً مِنْ جَيْبِهِ وَأَمْسَكَهَا فِي يَدِهِ.
«يَا حَضْرَةَ البُرُوفِيسُور! أَتَقْذِفُ إِلَيْهِمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؟» سَأَلَ خَانْ رَحْمَان مُبْتَسِماً.
«سَأُحَاوِلُ...»
«لَوْ تَعَاوَنَّا لَكَانَ أَفْضَلَ».
«حَسَناً... خُذْ هَذِهِ الحَبَّةَ وَارْمِهَا إِلَى المُفَتِّشِ جُنَيْد وَأَنَا أَرْمِي الأُخْرَى إِلَى إِكْرَام».
«حَسَناً»، قَالَ خَانْ رَحْمَان وَأَخَذَ الحَبَّةَ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى كَاكَا وَبَاجَا وَبَابَا:
«إِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَأْكُلُوا شَيْئاً فَتَفَضَّلُوا...»
«لَسْنَا جَائِعِينَ، أَطْعِمُوهُمَا هُمَا فَقَطْ وَأَسْرِعُوا، وَدَعُونَا نُقَيِّدْكُمْ قَبْلَ عَوْدَةِ الزَّعِيمِ...»
«حَسَناً... وَأَنْتُمْ إِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ حَلْوَى فَأَخْبِرُونَا»، قَالَ خَانْ رَحْمَان مُخَاطِباً بَقِيَّةَ الرِّجَالِ الجَالِسِينَ فِي القَاعَةِ.
«أَطْعِمُوا المُفَتِّشَ جُنَيْد وَإِكْرَام أَوَّلاً... وَبَعْدَهَا نَرَى»، قَالَ شَاشَا.
«نَرَى...! أَتُفَكِّرُونَ مَلِيّاً قَبْلَ تَنَاوُلِ الحَلْوَى؟»
«نَعَمْ! فالحَبَّةُ الَّتِي تُؤْكَلُ دُونَ تَفْكِيرٍ تَكُونُ حَبَّةً مُرَّةً»، كَانَ هُوَ سَائِقَ التَّاكْسِي وَعَلَى وَجْهِهِ ابْتِسَامَةٌ.
«حَسَناً... كَمَا تَشَاؤُونَ»، قَالَ خَانْ رَحْمَان وَرَمَى الحَبَّةَ نَحْوَ المُفَتِّشِ جُنَيْد، فَالْتَقَطَهَا بِفَمِهِ بِمَهَارَةٍ فَائِقَةٍ.
«يَا سَلَامُ... مَا شَاءَ اللهُ!» خَرَجَتْ مِنْ فَمِ شَاشَا عَفْواً.
«إِكْرَام! خُذْ هَذِهِ الحَلْوَى...» قَالَ البُرُوفِيسُور دَاوُد وَقَذَفَهَا نَحْوَهُ، فَالْتَقَطَهَا إِكْرَام بِفَمِهِ بِبَرَاعَةٍ بَالِغَةٍ.
«يَا لَلْعَجَبِ... بَدِيعٌ جِدّاً!» هَتَفَ الجَمِيعُ مَعاً.
«مَا الخُطَّةُ الآنَ، مَنْ يُرِيدُ حَبَّةً أَوْ حَلْوَى؟» سَأَلَ خَانْ رَحْمَان.
رَفَعَ شَاشَا، وَمَاشَا، وَالعَمُّ كَامِي، وَأَحَدُ الشُّبَّانِ أَيْدِيَهُمْ.
«يَا لَلْفَرَحِ... هُنَاكَ كَثِيرُونَ يُحِبُّونَ الحَلْوَى!» ضَحِكَ خَانْ رَحْمَان.
«خُذْ هَذِهِ... وَارْمِهَا نَحْوَهُمْ»، سَلَّمَهُ البُرُوفِيسُور دَاوُد الحَبَّاتِ.
«يَا حَضْرَةَ البُرُوفِيسُور! هَلْ يُمْكِنُنِي أَنْ آكُلَ وَاحِدَةً مِنْهَا أَنَا أَيْضاً؟»
«كَلَّا، أَنْتَ كُلْ هَذِهِ، تِلْكَ حِصَّتُهُمْ»، نَاوَلَهُ حَبَّةً أُخْرَى.
«مَا دَامَ الجَمِيعُ يَأْكُلُونَ فَأَعْطُونَا نَحْنُ أَيْضاً»، سَمِعَ كَاكَا صَوْتَ مُحَمَّد حُسَيْن آزَاد فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ.
«أُوه... يَا كَاكَا! إِنْ لَمْ يَكُنْ لَدَيْكَ مَانِعٌ فَخُذْ هَذِهِ الحَبَّاتِ لِرِفَاقِنَا... سَتَنَالُ أَجْراً»، قَالَ البُرُوفِيسُور دَاوُد.
«هَاتِهَا! سَأُعْطِيهَا لَهُمْ».
«شُـ... شُكْراً يَا حَضْرَةَ البُرُوفِيسُور».
«أَنْتُمْ طَيِّبُونَ جِدّاً، وَمِنِّي أَيْضاً جَزِيلُ الشُّكْرِ...» قَالَ خَانْ رَحْمَان وَالْتَفَتَ نَحْوَ الجَالِسِينَ:
«خُذُوا يَا إِخْوَةُ هَذِهِ الحَلْوَى...»
قَذَفَ نَحْوَهُمْ خَمْسَ أَوْ سِتَّ حَبَّاتٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً بِقُوَّةٍ. وَكَيْفَ لَهُمْ أَنْ يَتَلَقَّفُوا كُلَّ تِلْكَ الحَبَّاتِ المَرْمِيَّةِ مَعاً؟! سَقَطَتْ كُلُّهَا عَلَى الأَرْضِ، وَمَا إِنِ ارْتَطَمَتْ بِالبَلَاطِ حَتَّى انْدَلَعَتْ انْفِجَارَاتٌ خَفِيفَةٌ، وَانْبَعَثَ دُخَانٌ بُرْتُقَالِيٌّ كَثِيفٌ سَرِيعاً نَحْوَ أُنُوفِهِمْ وَأَفْوَاهِهِمْ... فَلَمْ يَتَمَالَكُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَخَذُوا يَتَهَاوَوْنَ فَاقِدِي الوَعْيِ وَاحِداً تِلْوَ الآخَرِ.
(يُتْبَعُ)

