الْحَلْقَةُ الثَّانِيَةُ
عِنْدَمَا سَمِعَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ صَوْتَ انْفِتَاحِ الْبَابِ، رَفَعَ رَأْسَهُ؛ فَإِذَا بِإِكْرَامٍ يَدْخُلُ الْمَكْتَبَ:
«إِكْرَامُ! مَا الَّذِي جَاءَ بِكَ؟»
«سَيِّدِي! هُنَاكَ شَيْخٌ كَبِيرٌ يُرِيدُ مُقَابَلَتَكَ...»
«أَدْخِلْهُ...» قَالَ جُنَيْدٌ مُبْتَسِمًا، ثُمَّ أَمْسَكَ مَلَفًّا مَوْضُوعًا عَلَى الْمَكْتَبِ وَشَرَعَ فِي تَصَفُّحِهِ.
بَعْدَ لَحَظَاتٍ، دَخَلَ رَجُلٌ مُسِنٌّ الْغُرْفَةَ. كَانَ شَعْرُ رَأْسِهِ مَزِيجًا مِنَ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ، وَعَلَى عَيْنَيْهِ نَظَّارَةٌ ذَاتُ عَدَسَاتٍ سَمِيكَةٍ، وَفِي يَدِهِ الْيُمْنَى عَصًا يَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا. أَلْقَى نَظْرَةً عَلَى الْمُفَتِّشِ جُنَيْدٍ، ثُمَّ جَلَسَ سَرِيعًا عَلَى الْكُرْسِيِّ. نَظَرَ جُنَيْدٌ بِدَهْشَةٍ إِلَى الشَّيْخِ أَوَّلًا، ثُمَّ إِلَى إِكْرَامٍ الْوَاقِفِ عِنْدَ الْبَابِ:
«سَيِّدِي! هَذَا الرَّجُلُ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ لَكَ شَيْئًا.»
«حَسَنًا... يُمْكِنُكَ الِانْصِرَافُ، سَأَتَحَدَّثُ مَعَهُ.» قَالَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ.
خَرَجَ إِكْرَامٌ مِنَ الْغُرْفَةِ، وَالْتَفَتَ جُنَيْدٌ نَحْوَ الشَّيْخِ. وَقَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ، بَادَرَهُ الشَّيْخُ قَائِلًا:
«أَنْتَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ...؟»
«نَعَمْ... أَنَا هُوَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ.» قَالَ مُبْتَسِمًا.
«لَقَدْ جِئْتُ لِأَقُولَ لَكَ أَمْرًا...»
«حَسَنًا...»
«نَعَمْ! فَهَلْ سَتَسْتَمِعُ إِلَيَّ؟»
«بِالتَّأْكِيدِ سَأَسْتَمِعُ... مَاذَا تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ لِي؟» وَجَّهَ جُنَيْدٌ كُلَّ انْتِبَاهِهِ إِلَيْهِ.
قَالَ الشَّيْخُ وَهُوَ يَمِيلُ نَحْوَهُ قَلِيلًا: «اسْمَعْ! أَنَا رَجُلٌ ظَالِمٌ.»
«مَاذَا تَعْنِي؟! لَمْ أَفْهَمْ قَصْدَكَ... هَلْ تُوَضِّحُ لِي؟» ابْتَسَمَ جُنَيْدٌ.
قَالَ الرَّجُلُ بِتَعَجُّبٍ: «عَجَبًا... لَقَدْ سَمِعْتَ كَلَامِي وَبَدَأْتَ تَبْتَسِمُ!»
«وَفِي رَأْيِكَ، مَاذَا كَانَ يَنْبَغِي عَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَ حِينَ أَسْمَعُ كَلَامَكَ؟»
«مِثْلَمَا يَفْعَلُ مَعِي أَهْلِي وَأَقَارِبِي؛ أَيِ الْكَرَاهِيَةَ... هُمْ يَكْرَهُونَنِي كَثِيرًا، وَعَلَيْكَ أَنْتَ أَيْضًا أَنْ تَكْرَهَنِي...» قَالَ الشَّيْخُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ.
ضَحِكَ جُنَيْدٌ وَقَالَ: «وَلِمَاذَا أَكْرَهُكَ؟ الْكَرَاهِيَةُ فِي أَصْلِهَا أَمْرٌ سَيِّئٌ.»
«هَذَا هُوَ عَيْنُ مَا أَقُولُهُ لَهُمْ!» قَالَ الشَّيْخُ بِمُنْتَهَى الْجِدِّيَّةِ: «الْكَرَاهِيَةُ لَيْسَتْ شَيْئًا جَيِّدًا، بَلْ هِيَ سَيِّئَةٌ، وَسَيِّئَةٌ جِدًّا، وَالْأَفْعَالُ السَّيِّئَةُ تُغْضِبُ اللهَ.»
قَالَ جُنَيْدٌ مُبْتَسِمًا: «أَنْتَ تَقُولُ الْحَقَّ... الْأُمُورُ السَّيِّئَةُ تُغْضِبُ اللهَ، وَلَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُغْضِبَهُ.»
«كَلَامُكَ صَحِيحٌ... كَمْ أَنْتَ رَجُلٌ طَيِّبٌ يَا مُفَتِّشُ جُنَيْدُ! أَنَا سَعِيدٌ جِدًّا بِلِقَائِكَ.» وَفَجْأَةً بَدَأَ يَبْتَسِمُ.
حِينَ رَأَى جُنَيْدٌ تِلْكَ الِابْتِسَامَةَ، شَعَرَ بِإِحْسَاسٍ غَرِيبٍ... تَمَلْمَلَ فِي جِلْسَتِهِ ثُمَّ قَالَ:
«هَلْ جِئْتَ لِتُخْبِرَنِي فَقَطْ بِأَنَّكَ ظَالِمٌ، أَمْ أَنَّ هُنَاكَ أَمْرًا آخَرَ...؟»
سَكَتَ الشَّيْخُ فَجْأَةً عِنْدَ سَمَاعِ ذَلِكَ... ثُمَّ نَهَضَ عَنِ الْكُرْسِيِّ قَائِلًا:
«يَجِبُ أَنْ تَأْتِيَ مَعِي إِلَى مَكَانٍ مَا...»
«مَاذَا تَعْنِي...؟!» نَهَضَ جُنَيْدٌ وَاقِفًا أَيْضًا.
«أَعْنِي... أَنِّي جِئْتُ لِآخُذَكَ مَعِي. انْظُرْ هُنَا فِي عَيْنَيَّ... أَنْتَ قَادِمٌ مَعِي، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟» قَالَ الشَّيْخُ وَهُوَ يُحَدِّقُ فِي عَيْنَيْهِ مُبَاشَرَةً.
شَعَرَ جُنَيْدٌ بِمَا يُشْبِهُ الصَّدْمَةَ...
«أَنْتَ قَادِمٌ مَعِي، أَلَيْسَ كَذَلِكَ يَا مُفَتِّشُ جُنَيْدُ...» كَانَ يُحَدِّقُ فِي عَيْنَيْهِ بِلَا انْقِطَاعٍ.
انْتَبَهَ جُنَيْدٌ لِعَيْنَيْهِ، فَقَدْ كَانَ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ مِثْلِ هَذِهِ الْعُيُونِ الْمُنَوِّمَةِ؛ فَهِيَ نَادِرَةٌ جِدًّا فِي هَذَا الْعَالَمِ... حَاوَلَ أَنْ يَصْرِفَ بَصَرَهُ عَنْهُمَا، لَكِنَّ الشَّيْخَ لَمْ يُحَوِّلْ نَظَرَهُ عَنْهُ أَبَدًا. وَأَخِيرًا قَالَ جُنَيْدٌ:
«نَعَمْ... أَنَا قَادِمٌ مَعَكَ... إِلَى أَيْنَ سَنَذْهَبُ؟»
«إِلَى حَيْثُ آخُذُكَ، لَنْ تَطْرَحَ أَيَّ سُؤَالٍ، وَكَمَا آمُرُكَ سَتَقُولُ وَتَفْعَلُ... اتَّفَقْنَا؟»
«اتَّفَقْنَا...» قَالَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ.
«الْآنَ ادْعُ نَائِبَ الْمُفَتِّشِ إِكْرَامَ وَأَخْبِرْهُ بِأَنَّكَ ذَاهِبٌ مَعِي.»
فَعَلَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ ذَلِكَ تَمَامًا. نَظَرَ إِلَيْهِ إِكْرَامٌ بِدَهْشَةٍ؛ إِذْ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يُغَادِرَ الْمَكْتَبَ مَعَ أَحَدٍ قُرْبَ انْتِهَاءِ الدَّوَامِ... كَانَ هَذَا ضِدَّ مَبَادِئِهِ. لَكِنَّهُ اطْمَأَنَّ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ الشَّيْخَ قَدْ يَكُونُ فِي وَرْطَةٍ حَقِيقِيَّةٍ وَيَحْتَاجُ إِلَيْهِ بِشِدَّةٍ.
رَكِبَ جُنَيْدٌ جَيْبَهُ، وَجَلَسَ الشَّيْخُ بِجَانِبِهِ فِي الْمَقْعَدِ الْأَمَامِيِّ. انْطَلَقَتِ السَّيَّارَةُ بِانْدِفَاعَةٍ قَوِيَّةٍ وَسَارَتْ مُسْرِعَةً عَلَى الطَّرِيقِ...
«سَنَذْهَبُ إِلَى بَلْدَةِ غَازِي آبَاد... هَلْ تَعْرِفُ أَيْنَ تَقَعُ؟»
«نَعَمْ... هِيَ خَارِجَ حُدُودِ الْمَدِينَةِ... بَلْدَةٌ جَمِيلَةٌ جِدًّا.» قَالَ جُنَيْدٌ.
«هِمْمْ... أَنْتَ مُحِقٌّ... هَلْ فِي جَيْبِكَ هَاتِفٌ مَحْمُولٌ؟»
«نَعَمْ... مَعِي هَاتِفٌ...» كَانَ جُنَيْدٌ يَبْدُو خَاضِعًا لِسَيْطَرَتِهِ تَمَامًا.
«أَخْرِجِ الْهَاتِفَ وَأَعْطِنِي إِيَّاهُ... لَمْ تَعُدْ بِحَاجَةٍ إِلَيْهِ الْآنَ.» قَالَ الشَّيْخُ ضَاحِكًا.
أَخْرَجَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ الْهَاتِفَ وَسَلَّمَهُ لَهُ. وَضَعَ الشَّيْخُ الْهَاتِفَ فِي جَيْبِهِ وَشَرَعَ فِي الضَّحِكِ... كَانَتِ السَّيَّارَةُ تَنْهَبُ الطَّرِيقَ بِسُرْعَةٍ، بَيْنَمَا كَانَ الشَّيْخُ يَضْحَكُ كَالْمَجَانِينِ، وَجُنَيْدٌ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِهُدُوءٍ. وَحِينَ خَرَجَتِ السَّيَّارَةُ مِنْ نِطَاقِ الْمَدِينَةِ، صَاحَ الشَّيْخُ فَجْأَةً:
«يَا مُفَتِّشُ جُنَيْدُ... أَوْقِفِ السَّيَّارَةَ عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ!»
أَوْقَفَ جُنَيْدٌ السَّيَّارَةَ عِنْدَ حَافَّةِ الطَّرِيقِ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ، وَنَظَرَ إِلَى الشَّيْخِ كَأَنَّهُ يَسْأَلُهُ: مَاذَا نَفْعَلُ الْآنَ؟
أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ بِالنُّزُولِ... فَنَزَلَ فَوْرًا وَوَقَفَ أَمَامَهُ.
«يَقُولُ النَّاسُ عَنْكَ إِنَّكَ ذَكِيٌّ جِدًّا وَشُجَاعٌ جِدًّا، وَلَكِنِ انْظُرْ كَيْفَ سَيْطَرْتُ عَلَيْكَ بِكُلِّ سُهُولَةٍ!» وَأَخَذَ يَضْحَكُ مَرَّةً أُخْرَى.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، رَنَّ الْهَاتِفُ الْمَحْمُولُ فِي جَيْبِ الشَّيْخِ؛ كَانَ هَاتِفَ الْمُفَتِّشِ... أَخْرَجَهُ الشَّيْخُ، وَكَانَ اسْمُ «فَرْحَانَة» يَلْمَعُ عَلَى الشَّاشَةِ.
«أُوهْ... هَذَا اتِّصَالٌ مِنِ ابْنَتِكَ فَرْحَانَةَ...»
ظَلَّ الْهَاتِفُ يَرِنُّ، لَكِنَّ الشَّيْخَ لَمْ يُجِبْ، حَتَّى تَوَقَّفَ الرَّنِينُ فِي النِّهَايَةِ.
«يَا مُفَتِّشُ جُنَيْدُ! لَوْ أَرَدْتُ لَقَضَيْتُ عَلَيْكَ بِكُلِّ سُهُولَةٍ... لَكِنِّي لَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ؛ بَلْ سَأَلْعَبُ مَعَكَ لُعْبَةً لَنْ تَنْسَاهَا أَبَدًا... هَيَّا، ارْكَبِ السَّيَّارَةَ.»
اسْتُؤْنِفَتِ الرِّحْلَةُ مِنْ جَدِيدٍ، حَتَّى تَوَقَّفَا أَمَامَ بَيْتٍ فِي بَلْدَةِ غَازِي آبَاد. نَادَى الشَّيْخُ بِصَوْتٍ عَالٍ، فَانْفَتَحَتْ بَوَّابَةُ الْبَيْتِ الْكَبِيرَةُ، وَقَادَ جُنَيْدٌ السَّيَّارَةَ إِلَى الدَّاخِلِ.
كَانَتْ هُنَاكَ صَالَةٌ كَبِيرَةٌ... وَفِي وَسَطِهَا تَمَامًا، كَانَ رَجُلَانِ يَجْلِسَانِ مُمَدِّدَيْنِ أَرْجُلَهُمَا حَوْلَ طَاوِلَةٍ ضَخْمَةٍ. ابْتَسَمَا حِينَ رَأَيَا الْمُفَتِّشَ جُنَيْدًا، ثُمَّ حَدَّقَ الرَّجُلُ ذُو الْأَنْفِ الْعَرِيضِ وَالْوَجْهِ شَدِيدِ السَّوَادِ فِي الشَّيْخِ وَقَالَ:
«جُونِي! أَلَمْ يُزْعِجْكَ هَذَا الشُّرْطِيُّ كَثِيرًا...؟»
قَالَ رَفِيقُهُ ذُو النُّدْبَةِ عَلَى خَدِّهِ الْأَيْمَنِ: «إِنْ كَانَ قَدْ أَزْعَجَكَ فَأَخْبِرْنَا... سَنُحَطِّمُ عِظَامَهُ الْآنَ! مَنْ يَظُنُّ نَفْسَهُ؟ مُفَتِّشًا؟!»
كَانَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ يَقِفُ مَعَ الشَّيْخِ قُرْبَ الْبَابِ، يُلْقِي نَظْرَةً فَاحِصَةً عَلَى الْغُرْفَةِ.
نَفَخَ الشَّيْخُ صَدْرَهُ فَخْرًا وَقَالَ: «عَمِّي كَامِي... يَا أَخَانَا مَامَا... أَنْتُمَا لَا تَعْرِفَانِ جُونِي حَقَّ الْمَعْرِفَةِ، لَكِنَّ جُونِي يَعْرِفُ الْجَمِيعَ جَيِّدًا... لَقَدْ صِدْتُ الْمُفَتِّشَ جُنَيْدًا كَالْفَأْرِ! انْتَزَعْتُهُ مِنْ بَيْنِ كُلِّ طَاقَمِهِ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِينِ... وَتَلَاعَبْتُ بِهِ طَوَالَ الطَّرِيقِ... تَذَكَّرَا دَائِمًا: أَنَا الَّذِي يَنْحَنِي أَمَامِي الْأَقْوِيَاءُ!»
ضَحِكَ الْعَمُّ كَامِي وَقَالَ: «أَحْسَنْتَ صُنْعًا... وَالْآنَ تَخَلَّصْ عَنْ هَيْئَةِ الشَّيْخُوخَةِ وَعُدْ إِلَى شَكْلِكَ الْحَقِيقِيِّ...»
قَالَ أَشَا مَامَا: «جُونِي! لَا أَعْرِفُ كُلَّ مَهَارَاتِكَ الْقِتَالِيَّةِ بَعْدُ، لَكِنَّكَ تُتْقِنُ فَنَّ التَّنَكُّرِ بِشَكْلٍ مُرْعِبٍ... لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْشِفَكَ!»
ضَحِكَ الشَّيْخُ وَقَالَ: «شُكْرًا جَزِيلًا... بِمَا أَنَّكُمَا تَقُولَانِ ذَلِكَ، سَأَذْهَبُ لِإِزَالَةِ الْمَسَاحِيقِ... مَعَ أَنَّنِي بَذَلْتُ فِيهَا جُهْدًا كَبِيرًا.»
قَالَ الْعَمُّ كَامِي وَهُوَ يَمْسَحُ وَجْهَهُ: «اذْهَبْ وَعُدْ سَرِيعًا... حِينَ تَعُودُ سَنَتَنَاوَلُ الْمُفَتِّشَ جُنَيْدًا مَعًا، وَسَنُلَقِّنُهُ دَرْسًا قَاسِيًا نَحْنُ الثَّلَاثَةُ.»
قَالَ جُونِي: «حَسَنًا... لَنْ أَتَأَخَّرَ، لَحْظَةٌ وَأَعُودُ!» وَخَرَجَ مِنَ الْبَابِ.
بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ، ابْتَسَمَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ وَقَالَ:
«عَمِّي كَامِي... كَمْ مِنَ الْوَقْتِ يَحْتَاجُ جُونِي لِإِزَالَةِ تَنَكُّرِهِ؟»
انْدَهَشَ كَامِي وَقَالَ: «مَاذَا تَقْصِدُ...؟»
«أَسْأَلُكُمَا: بَعْدَ كَمْ مِنَ الْوَقْتِ سَيَعُودُ...؟»
نَظَرَ كِلَاهُمَا إِلَى الْآخَرِ فِي حَيْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ كَامِي: «سَيَسْتَغْرِقُ عِدَّةَ دَقَائِقَ، وَلَكِنْ لِمَاذَا تَسْأَلُ؟»
ضَحِكَ أَشَا مَامَا وَقَالَ: «إِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مُفَكِّرًا فِي الْهُرُوبِ مِنْ هُنَا... إِنْ كَانَ هَذَا فِي بَالِكَ فَاطْرُدْهُ فَوْرًا!»
ابْتَسَمَ جُنَيْدٌ: «وَلِمَاذَا أَطْرُدُهُ؟»
قَالَ كَامِي مُسْرِعًا: «لِأَنَّكَ سَتَأْكُلُ الصَّفَعَاتِ وَتَتَجَرَّعُ الْهَزِيمَةَ.»
«لَا بَأْسَ... لَقَدْ ذُقْتُ مِثْلَ ذَلِكَ كَثِيرًا مِنْ قَبْلُ، وَلَا مَانِعَ أَنْ أَذُوقَهُ مَرَّةً أُخْرَى.»
«إِذَنْ أَنْتَ تُرِيدُ الْفِرَارَ حَقًّا...؟»
«كَلَّا... لَا أُرِيدُ الْهُرُوبَ؛ فَلَدَيَّ خُطَّةٌ أُخْرَى...» ابْتَسَمَ جُنَيْدٌ.
رَدَّدَ كَامِي: «خُطَّةٌ أُخْرَى...؟!»
«نَعَمْ، وَهِيَ أَنْ أَلْقَنَكُمَا عَلْقَةً سَاخِنَةً... فَهَيَّا اسْتَعِدَّا؛ فَأَنَا بَارِعٌ جِدًّا فِي التَّأْدِيبِ!»
نَظَرَ كِلَاهُمَا إِلَى الْآخَرِ بِدَهْشَةٍ بَالِغَةٍ، ثُمَّ انْفَجَرَا ضَاحِكَيْنِ...
حَدَّقَ فِيهِ أَشَا مَامَا بِنَظْرَةٍ قَاسِيَةٍ وَقَالَ: «يَا مُفَتِّشُ جُنَيْدُ! لَقَدْ حَلُمْتَ حُلْمًا جَمِيلًا، وَلَكِنْ...»
ضَحِكَ جُنَيْدٌ: «وَلَكِنْ مَاذَا... يَا مَامَا؟»
نَظَرَ إِلَيْهِ بِشَرَاسَةٍ وَقَالَ: «اسْمِي لَيْسَ مَامَا، بَلْ أَشَا مَامَا... تَذَكَّرْ ذَلِكَ جَيِّدًا!»
«حَسَنًا، سَأَتَذَكَّرُ. أَخْبِرْنِي، مَاذَا بَعْدَ كَلِمَةِ "لَكِنْ"؟»
«حُلْمُكَ بِتَأْدِيبِنَا لَنْ تُحَقِّقَهُ أَبَدًا... سَجِّلْ هَذَا عِنْدَكَ!»
«لَسْتُ بِحَاجَةٍ لِتَسْجِيلِهِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يُحَقِّقُ لِي دَائِمًا أَحْلَامِي الطَّيِّبَةَ. وَحُلْمُ تَأْدِيبِكُمَا سَيَتَحَقَّقُ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ جُونِي... هَيَّا اسْتَعِدَّا... سَأَبْدَأُ الْهُجُومَ... دَافِعَا عَنْ أَنْفُسِكُمَا إِنِ اسْتَطَعْتُمَا!» قَالَ جُنَيْدٌ ضَاحِكًا.
وَقَفَ الِاثْنَانِ عَلَى أَقْدَامِهِمَا...
قَالَ كَامِي بِغَضَبٍ: «اهْجُمْ... نَحْنُ مُسْتَعِدَّانِ!»
قَالَ جُنَيْدٌ: «إِلَيْكُمَا هَذِهِ!»، وَفِي لَحْظَةٍ اسْتَدَارَ وَانْدَفَعَ خَارِجًا مِنَ الْبَابِ الْمَفْتُوحِ بِأَقْصَى سُرْعَتِهِ...
سَمِعَ صَوْتَ الْعَمِّ كَامِي يَصْرُخُ: «وَيْحَكَ! لَقَدْ هَرَبَ... أَمْسِكُوا بِهِ!»
لَمْ يَتَوَقَّفْ جُنَيْدٌ؛ بَلْ وَاصَلَ الرَّكْضَ فِي الْمَمَرِّ الطَّوِيلِ خَارِجَ الْغُرْفَةِ، مُتَّجِهًا نَحْوَ الْبَوَّابَةِ الْخَارِجِيَّةِ. وَمَا إِنْ قَطَعَ الْمَمَرَّ وَوَصَلَ إِلَى مِسَاحَةٍ مَفْتُوحَةٍ، حَتَّى ظَهَرَ جُونِي فَجْأَةً فِي وَجْهِهِ. لَمَحَ فِي عَيْنَيْ جُونِي كُلَّ دَهْشَةِ الْعَالَمِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُبَالِ؛ بَلْ رَاغَهُ بِحَرَكَةٍ سَرِيعَةٍ وَمَرَّ مِنْ جَانِبِهِ.
كَانَ الْآنَ فِي الْفِنَاءِ الْوَاسِعِ حَيْثُ تَقِفُ سَيَّارَتُهُ عَلَى أَحَدِ الْجَوَانِبِ. انْدَفَعَ سَرِيعًا نَحْوَهَا، لَكِنَّهُ اضْطُرَّ لِلتَّوَقُّفِ فَجْأَةً... فَقَدْ وَقَفَ جُونِي أَمَامَهُ مَرَّةً أُخْرَى!
«يَا مُفَتِّشُ جُنَيْدُ... لَنْ تَنْجُوَ مِنْ هُنَا، فَكَفَّ عَنْ هَذَا الرَّكْضِ!»
«وَلِمَاذَا أَكُفُّ؟ هَذَا الرَّكْضُ مُفِيدٌ جِدًّا يَا عَجُوزَنَا جُونِي!» حَاوَلَ جُنَيْدٌ أَنْ يُرَاوِغَهُ ثَانِيَةً لَكِنَّهُ لَمْ يَنْجَحْ؛ فَقَدْ سَدَّ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ.
قَالَ جُونِي: «حَسَنًا، قُلْ لِي شَيْئًا وَاحِدًا... لَقَدْ أَخْضَعْتُكَ لِسَيْطَرَتِي بِعَيْنَيَّ... فَكَيْفَ تَحَرَّرْتَ؟ لَمْ يَحْدُثْ لِي هَذَا مِنْ قَبْلُ أَبَدًا!»
سَخِرَ جُنَيْدٌ وَقَالَ: «أَخْضَعْتَنِي؟ هَذَا ظَنُّكَ أَنْتَ لَا ظَنِّي أَنَا... مَاذَا تَعْتَقِدُ؟ هَلْ أَنَا مَجْنُونٌ؟ لَقَدْ عَلِمْتُ مُنْذُ الْبِدَايَةِ أَنَّكَ لَسْتَ شَيْخًا، وَقُوَّةُ عَيْنَيْكَ لَمْ تَكُنْ خَافِيَةً عَلَيَّ. يَا جُونِي! أَنْتَ لَا تَعْرِفُنِي، وَلَوْ كُنْتَ تَعْرِفُنِي لَمَا اقْتَحَمْتَ مَكْتَبِي بِهَذِهِ الْجُرْأَةِ... جِئْتُ مَعَكَ فَقَطْ لِأَكْشِفَ حَقِيقَتَكُمْ وَمَكَانَكُمْ!»
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لَحِقَ بِهِمَا رَفِيقَاهُ كَامِي وَأَشَا مَامَا وَهُمَا يَلْهَثَانِ.
قَالَ أَشَا مَامَا: «إِنَّهُ... إِنَّهُ سَرِيعٌ جِدًّا فِي الرَّكْضِ!»
قَالَ جُونِي مُقَطِّبًا: «وَلَكِنْ كَيْفَ هَرَبَ مِنْكُمَا؟ أَيْنَ كُنْتُمَا؟»
قَالَ كَامِي: «لَمْ نَذْهَبْ إِلَى أَيِّ مَكَانٍ! كَانَ يَتَبَجَّحُ بِأَنَّهُ سَيُؤَدِّبُنَا وَيَتَحَدَّانَا، ثُمَّ فَجْأَةً رَكَضَ خَارِجًا مِنَ الْبَابِ الْمَفْتُوحِ!»
قَالَ جُونِي وَهُوَ يَتَلَعْثَمُ: «أُوهْ... كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْمُفَتِّشَ جُنَيْدًا قَدْ وَقَعَ فِي قَبْضَتِي وَصَارَ خَادِمًا لِي... وَلَكِنْ...» ثُمَّ سَكَتَ.
سَأَلَهُ أَشَا مَامَا سَرِيعًا: «وَلَكِنْ مَاذَا...؟»
«لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَحْتَ سَيْطَرَتِي أَصْلًا! عَلَى كُلِّ حَالٍ... بِمَا أَنَّهُ وَصَلَ إِلَى هُنَا، فَلَنْ يَخْرُجَ حَيًّا... هَذَا وَعْدِي لَكُمَا!» قَالَ جُونِي نَافِخًا صَدْرَهُ.
ابْتَسَمَ جُنَيْدٌ: «لَا تَقْطَعْ وَعْدًا يَا جُونِي؛ فَلَنْ تَجْنِيَ سِوَى الْخَيْبَةِ...»
«سَنَرَى مَنْ سَيَذُوقُ الْخَيْبَةَ!» قَالَ جُونِي وَاسْتَعَدَّ لِلْقِتَالِ. تَلَاشَى اسْتِخْفَافُهُ السَّابِقُ، وَتَأَهَّبَ كَامِي وَأَشَا مَامَا مَعَهُ.
ابْتَسَمَ جُنَيْدٌ حِينَ رَآهُمْ وَقَالَ: «حَتَّى لَوِ اجْتَمَعْتُمْ ثَلَاثَتُكُمْ، فَلَنْ تَسْتَطِيعُوا مَنْعِي مِنَ الْمُغَادَرَةِ... هَذَا تَحَدِّيَّ لَكُمْ.»
صَاحَ جُونِي: «يَا كَامِي وَيَا أَشَا مَامَا... انْقَضَّا عَلَيْهِ وَأَوْبِخَاهُ ضَرْبًا!»
عَبَسَ كَامِي وَقَالَ: «نَحْنُ الِاثْنَانِ؟! لِمَاذَا لَا تَقُومُ أَنْتَ بِهَذَا الْعَمَلِ الرَّائِعِ؟ فَقَدْ سَمِعْنَا أَنَّكَ مُقَاتِلٌ لَا يُشَقُّ لَهُ غُبَارٌ!»
حَدَّقَ فِيهِ جُونِي غَاضِبًا، ثُمَّ الْتَفَتَ: «وَأَنْتَ يَا أَشَا مَامَا... مَا رَأْيُكَ؟»
ابْتَسَمَ: «رَأْيِي مِنْ رَأْيِ كَامِي... أَنْتَ تَضْرِبُهُ وَنَحْنُ نَتَفَرَّجُ.»
قَالَ جُونِي بِغَيْظٍ: «هَذَا لَيْسَ عَدْلًا! سَتَدْفَعَانِ ثَمَنَ هَذَا الْمَوْقِفِ، فَاسْتَعِدَّا!»
قَالَا مَعًا: «نَحْنُ مُسْتَعِدَّانِ!»
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، سَقَطَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ فَجْأَةً عَلَى الْأَرْضِ؛ إِذْ قَفَزَ عَلَيْهِ كَامِي وَأَشَا مَامَا مَعًا فِي آنٍ وَاحِدٍ! نَهَضَ جُنَيْدٌ بِرَشَاقَةٍ وَسُرْعَةٍ، لَكِنَّهُ سَقَطَ ثَانِيَةً حِينَ انْقَضَّ عَلَيْهِ جُونِي بِكُلِّ ثِقَلِهِ...
تَعَالَى صَوْتٌ سَاخِرٌ: «يَا مُفَتِّشُ جُنَيْدُ! مَاذَا تَفْعَلُ؟ لَقَدْ سَمِعْنَا عَنْ شَجَاعَتِكَ حِكَايَاتٍ لَا حَصْرَ لَهَا، وَهَا أَنْتَ تَسْقُطُ عَلَى الْأَرْضِ مَرَّةً تِلْوَ الْأُخْرَى...!»
وَثَبَ جُنَيْدٌ وَاقِفًا عَلَى قَدَمَيْهِ فَوْرًا، فَرَأَى رَجُلًا طَوِيلَ الْقَامَةِ يَقِفُ فِي الزَّاوِيَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ الْمَمَرِّ.
«مَنْ أَنْتَ...؟» سَأَلَهُ جُنَيْدٌ.
كَانَ يَظُنُّ أَنَّ الْمَوْجُودِينَ فِي هَذَا الْبَيْتِ هُمْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ فَقَطْ، لَكِنَّ وُجُودَ هَذَا الطَّوِيلِ دَلَّ عَلَى خَطَأِ ظَنِّهِ.
ضَحِكَ الرَّجُلُ: «أَنَا أَعِيشُ فِي هَذَا الْبَيْتِ...»
«بِمَعْنَى أَنَّهُ بَيْتُكَ...»
«اعْتَبِرْهُ كَذَلِكَ...»
«أَعْتَبِرُهُ كَذَلِكَ... أَيْ إِنَّهُ لَيْسَ مِلْكَكَ، بَلْ هُوَ مُسْتَأْجَرٌ...»
هَزَّ كَتِفَيْهِ بِلَا مُبَالَاةٍ: «افْهَمْهَا كَمَا تَشَاءُ...»
«مَنْ أَنْتُمْ، وَلِمَاذَا جَلَبْتُمُونِي إِلَى هُنَا؟»
ضَحِكَ الطَّوِيلُ: «نَحْنُ لَسْنَا أُنَاسًا طَيِّبِينَ...»
«أَعْلَمُ ذَلِكَ. أَخْبِرْنِي: لِمَاذَا جِئْتُمْ بِي إِلَى هُنَا؟»
قَالَ الرَّجُلُ الطَّوِيلُ: «أَخْبِرُوهُ يَا رِفَاقُ...»
وَمَا إِنْ سَكَتَ الرَّجُلُ الطَّوِيلُ، حَتَّى ارْتَطَمَ شَيْءٌ ثَقِيلٌ جِدًّا بِرَأْسِ الْمُفَتِّشِ جُنَيْدٍ فَجْأَةً، فَسَقَطَ هَاوِيًا عَلَى الْأَرْضِ وَغَابَ عَنِ الْوَعْيِ...

