بِسْعُونِيَّةُ الطِّفولة – سَفْرٌ إِلَى المَاضِي
تَخَيَّلْ أنَّك تَسْتَيْقِظُ صَبَاحًا على صُوْتِ طُيورٍ تُغَنِّي بِلَطْفٍ، وعلى دَفْءِ شَمْسٍ ذَهَبِيَّةٍ تَتَلَسَّلُ من نَوافِذٍ خَشَبِيَّةٍ، وعلى أَصْوَاتِ أَطْفَالٍ تَلْعَبُ فِي الشَّوَارِعِ تُقَرِّبُهَا مَسَافَةً. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ هَاتِفٌ ذَكِيٌّ، ولا أَلْعَابُ فِيديو، ولا وَسَائِلُ التَّواصُلِ الاجْتِمَاعِي. بَلْ كانَ العَالَمُ مُمْتَلئًا بِسَعَادَاتٍ بَسِيطَةٍ، وَضَحِكَاتٍ بَرِيئَةٍ، وَمُغَامَرَاتٍ لا نِهَايَةَ لَهَا. كانتْ طُفُولَةُ القرنِ العِشْرِينَ تجربةً جَمِيلَةً، يُمْكِنُ فيها أنْ يَجِدَ الوَلَدُ الفَرْحَ في أَصْغَرِ الأشياءِ.
كَانَتِ الشَّوَارِعُ ضَيِّقَةً، مُغْبَلَةً بِالْغُبارِ، وَتَرْتَدُّ صَوْتُ أَطْفَالٍ مُتَحَمِّسَةٍ. كَانَ الصِّغَارُ يَرْكُضُونَ وَهُم يَحْمِلُونَ طَائِرَاتٍ مَلَوَّنَةٍ تُطِيرُ فِي الهَوَاءِ، وَالبَنَاتُ يَلْعَبْنَ بِدُمَايِمٍ صُنِعَتْ يَدَوِيًّا وَبِأَلْعَابِ القَفْزِ بِالحَبْلِ. كَانَتْ رَائِحَةُ الخُبْزِ الطَّازَجِ مِنَ المَنازِلِ القَرِيبَةِ تَتَخلَلُ رِيحَ الزَّهْرِ المُفْتَتِحِ. يَسْتَمِرُّ الأَطْفَالُ فِي لُعْبَةِ «خِفْنَة» وَ«قَفْزَةٍ سَرِيعَةٍ» وَ«مَسْكِرَةٍ» حَتَّى يَصْبَحَ السَّمَاءُ ذَهَبِيَّةً وتُضِيءُ أَضْوَاءِ الشَّوَارِعِ.
حَيَاةُ المَدْرَسَةِ كَانَتْ مُمَاثِلَةً. فِي الفَصَلِ كَانَتْ المَكْتَبَاتُ خَشَبِيَّةً، وَالأَلْوَاحُ الكَبِيرَةُ، وَرَائِحَةُ الطِّينِ تَمْلأُ الجَوَّ. يَحْمِلُ الأَطْفَالُ حَقَائِبَ مَدْرَسِيَّةً مَصْنُوعَةً مِنَ الجِلْدِ، وَيَكْتُبُونَ بِقَلَمٍ سِرْبٍ. يَقِفُ المُعَلِّمُونَ فِي أَمَامِ الفَصْلِ بِفَخْرٍ وَيُشْرِحُونَ الدَّرُوسَ، وَيَسْتَمِعُ الطُّلابُ بِصَمْتٍ. بَعْدَ العَوْدَةِ إِلَى البَيْتِ يُنْهِى الأَطْفَالُ وَاجِبَهُمْ، وَبَعْدَ مَسَاعَدَةِ الوَالِدَيْنِ يَجْرُونَ لِلِقَاءِ أَصْدِقَائِهِمْ فِي الشَّارِعِ.
لَحْظَةٌ لا تُنْسَى مِنَ الطُّفُولَةِ:
كانَتْ مَسَاءً حَارًّا فِي صَيفِ عامِ 1925. كانَ صَبيٌّ يُدْعى «توماس» يَحْمِلُ طَائِرَةً حَمْرَاءَ لامِعَةً وَهُوَ يَقِفُ خَارِجَ بَيْتِهِ الصَّغِيرِ المصْنُوعِ مِنَ الخَشَبِ. عِنْدَمَا انْدَفَعَ إِلَى المَجَالِ السَّاحِرِ، لَمَسَ نَسيمٌ خَفِيفٌ خَدَّيهِ. كَانَ السَّمَاءُ مُلَوَّنَةً بِالْبُرْتُقَالِيِّ وَالورْدِيِّ وَالبَنَفْسَجِيِّ، وَالشَّمْسُ تَغْرُبُ بَطْئًا خَلْفَ الجِبَالِ البَعِيدَةِ. كَانَ أَصْدِقاؤُهُ هُنَاكَ مُتَحَمِّسِينَ يَضْحَكُونَ وَيَصْفِرُونَ. أَطْلَقَ توماس طائِرَتَهُ بِحَذَرٍ، وَرَآهَا تَرْتَفِعُ فِي السَّمَاءِ عَالِيًا. فَجأةً، رَفَعَتْهُ نَسيمَةٌ شَدِيدَةٌ فَوْقَ السَّقَفِ. انْفَتَحَتْ عَيْنَاهُ بِفَرَحٍ، وَامْتَلَأَ وَجْهُهُ بِابْتِسَامَةٍ كَبِيرَةٍ. نَادَى بِفَخْرٍ: «انْظُرُوا! طائِرَتِي تَطِيرُ أَعْلَى مِنْكُمْ جَمِيعًا!» ضَحِكَ أَصْدِقاؤُهُ بِصَوْتٍ عَالٍ، وَتَرَدَّدَ صَدَى صَوْتِهِمْ فِي المَجَالِ. فِي ذَلِكَ الحَظَةِ، لَمْ يَكُنْ لِأَيِّ شَيْءٍ أَهَمِيَّةٌ. لا لُعْبَةٌ غَالِيَةٌ، لا جِهَازٌ إِلِكْتُرُونِيّ، ولا مَشَاكِلٌ تُقَلِّقُهُ.
رَغْمَ أَنَّ الحَيَاةَ فِي القَرْنِ العِشْرِينَ لَمْ تَكُنْ سَهْلَةً دَائِمًا، خُصُوصًا لِلأُسَرِ الفَقِيرَةِ، إِلَّا أَنَّ لَهَا طَابِعًا خَاصًّا وَجَمِيلًا. كَانَتْ دِفْءُ اللِّقَاءاتِ العَائِلِيَّةِ، وَحَمَاسُ الأَلْعَابِ فِي الخَارِجِ، وَحَلْوَةُ صَدَاقَاتِ الطُّفُولَةِ تُجْعَلُ الأَيَّامَ العَادِيَةَ استثنائيَّةً.
ربما كان أبسط ما في طفولة القرن العشرين هو بساطتها. تُذكّرنا أن السعادة لا تحتاج دائمًا إلى أشياء غالية أو تكنولوجيا حديثة. أحيانًا تُصنع الذكريات التي تدوم طوال العمر بطيارة ورقية ملونة، وغروب شمس جميل، وقليل من الأصدقاء.
(مناهل فيصل، 12 سنة، الصف الثامن)
ولد سيد نواز أحمد فيصل. كراتشي
