الْحَلْقَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ (١٤)
دَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ
«مَـ... مَنْ هٰذَا الَّذِي يَتَّصِلُ... فِي هٰذَا الْوَقْتِ...؟» خَرَجَتِ الْكَلِمَاتُ مِنْ فَمِ فَارُوق.
«يَا لَكَ مِنْ رَجُلٍ مَجْنُونٍ! إِذَا كَانَ الْهَاتِفُ لِلسَّيِّدَةِ شِيرَازِي، فَإِنَّ هٰذِهِ الْمُكَالَمَةَ لَهَا أَيْضًا!» قَالَ حَمُّود وَهُوَ يَلْوِي شَفَتَيْهِ سَاخِرًا.
«حَسَنًا، وَلٰكِنْ مَا الدَّاعِي لِلَوِّ فَمِكَ هٰكَذَا؟» ابْتَسَمَ فَارُوق.
«هَا قَدْ بَدَأْتُمَا ثَانِيَةً... أَسْرِعِي وَأَعْطِي الْهَاتِفَ لِلسَّيِّدَةِ شِيرَازِي، وَاشْكُرِيهَا نِيَابَةً عَنِّي أَيْضًا»، قَالَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْد مُبْتَسِمًا. أَخَذَتْ فَرْحَانَةُ الْهَاتِفَ وَذَهَبَتْ، ثُمَّ عَادَتْ رَكْضًا، وَالْهَاتِفُ بِيَدِهَا وَعَلَى وَجْهِهَا عَلَامَاتُ حَمَاسٍ شَدِيدٍ.
«مَاذَا حَدَثَ...؟ لِمَاذَا أَعَدْتِ الْهَاتِفَ؟» دَهِشَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْد.
«يَا أَبَتِي! هٰذَا اتِّصَالٌ مِنْ "بَاغَلْ جِي" (الرَّجُلِ الْمَجْنُونِ)!»
«خَطَأٌ تَمَامًا... هٰذَا هَاتِفُ السَّيِّدَةِ شِيرَازِي!» سَارَعَ فَارُوق بِالْقَوْلِ.
«يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمَجْنُونُ... هٰذِهِ الْمُكَالَمَةُ هِيَ مِنْ "بَاغَلْ جِي"... هُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَحَدَّثَ مَعَ أَبِي!» تَابَعَتْ فَرْحَانَةُ كَلَامَهَا.
«يَا سَلَام! لَا بُدَّ أَنَّهُ سَيُدْلِي بِمَعْلُومَاتٍ مُفِيدَةٍ!»
«فَارُوق! أَلَا تَسْتَطِيعُ الصَّمْتَ...؟» نَظَرَ إِلَيْهِ الْمُفَتِّشُ جُنَيْد بِحِدَّةٍ.
«بَلَى أَسْتَطِيعُ بِالتَّأْكِيدِ... هَا أَنَا ذَا...» قَالَ فَارُوق سَرِيعًا وَأَطْبَقَ شَفَتَيْهِ بِإِحْكَامٍ.
«اَلسَّلَامُ عَلَيْكُمْ! يَا بَاغَلْ جِي...» قَالَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْد.
«وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ يَا حَضْرَةَ الْمُفَتِّشِ جُنَيْد! تَعَالَوْا إِلَى هُنَا فَوْرًا!» سُمِعَ صَوْتُ "بَاغَلْ جِي" الْمُتَحَمِّسُ مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ.
«لَـ... لٰكِنْ أَيْنَ... أَيْنَ أَنْتَ فِي هٰذَا الْوَقْتِ؟»
«أَنَا فِي "أَشَّا غَارْدِنْ" (حَدِيقَةِ أَشَّا)... أَسْرِعُوا بِالْمَجِيءِ!»
«مَاذَا قُلْتَ... فِي "أَشَّا غَارْدِنْ"...؟!» صَاحَ الْمُفَتِّشُ.
«نَعَمْ... مَـ... مَاذَا حَدَثَ يَا حَضْرَةَ الْمُفَتِّشِ؟»
«أَيْنَ فِي "أَشَّا غَارْدِنْ"؟»
«فِي الْقَصْرِ رَقْمِ 55 فِي "أَشَّا غَارْدِنْ"...» عِنْدَمَا قَالَ بَاغَلْ جِي ذٰلِكَ، قَفَزَ الْمُفَتِّشُ مِنْ مَكَانِهِ دَهْشَةً.
«نَحْنُ قَادِمُونَ...» وَضَغَطَ زِرَّ إِنْهَاءِ الْمُكَالَمَةِ.
«لَقَدْ دَعَانَا بَاغَلْ جِي إِلَى الْقَصْرِ 55 فِي "أَشَّا غَارْدِنْ"...»
«يَا لَلْعَجَبِ... هُنَاكَ تَسْكُنُ صَدِيقَتِي إِرَم أَخْتَر!» شَهِقَتْ فَرْحَانَةُ.
«أُوه... هٰذَا يَعْنِي أَنَّهُ يَتَوَجَّبُ عَلَيْنَا الذَّهَابُ إِلَى الْقَصْرِ 55 فِي "أَشَّا غَارْدِنْ" الْآنَ.»
«يَا أَبَتِي! هَلْ وَثِقْنَا بِـ"بَاغَلْ جِي" فِعْلًا؟» قَالَ حَمُّود بِنَبْرَةٍ غَارِقَةٍ فِي التَّفْكِيرِ.
«فِي ظِلِّ هٰذِهِ الظُّرُوفِ لَا بُدَّ لَنَا مِنْ ذٰلِكَ...» ابْتَسَمَ الْمُفَتِّشُ.
«غَامِي! ابْقَ أَنْتَ هُنَا... سَنَعُودُ حَالًا.»
«حَسَنًا...» ابْتَسَمَ غَامِي.
ذَهَبَ حَمُّود، وَفَارُوق، وَفَرْحَانَةُ، وَالْمُفَتِّشُ جُنَيْد إِلَى غُرَفِهِمْ لِفَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ. وَعِنْدَمَا عَادُوا كَانُوا عَلَى أُهْبَةِ الِاسْتِعْدَادِ لِلْخُرُوجِ.
«خَانْ رَحْمَان، يَا حَضْرَةَ الْبُرُوفِيسُور! اسْتَرِيحَا فِي الْمَنْزِلِ... وَتَنَاوَلَا طَعَامَكُمَا.»
«كَمَا تَشَاءُ»، قَالَا مَعًا؛ فَقَدْ كَانَا يَشْعُرَانِ بِالتَّعَبِ عَلَى أَيِّ حَالٍ.
«غَامِي وَشَازِي... مَا هُوَ بَرْنَامَجُكُمَا... هَلْ سَتَأْتِيَانِ مَعَنَا؟»
«بِالتَّأْكِيدِ سَنَأْتِي يَا حَضْرَةَ الْمُفَتِّشِ»، قَالَا مَعًا.
«حَسَنًا...»
«جُنَيْد! أَبْقِ هَاتِفَ السَّيِّدَةِ شِيرَازِي مَعَكَ... سَيَنْفَعُكَ»، قَالَ خَانْ رَحْمَان.
«نَصِيحَةٌ جَيِّدَةٌ، يَا زَوْجَتِي! أَخْبِرِي صَدِيقَتَكِ أَنَّ هَاتِفَهَا مَعِي.»
«حَسَنًا، سَأُخْبِرُهَا. تَفَضَّلُوا أَنْتُمْ»، قَالَتْ مِنَ الْمَطْبَخِ.
«اخْرُجُوا جَمِيعًا وَارْكَبُوا السَّيَّارَاتِ، سَأَلْحَقُ بِكُمْ»، قَالَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْد.
«حَضْرَةَ الْمُفَتِّشِ! حِينَ تَفْرَغُ، سَنَخْرُجُ جَمِيعًا مَعًا»، قَالَ غَامِي، فَنَظَرَ إِلَيْهِ جُنَيْد مُنْدَهِشًا.
«اذْهَبْ أَنْتَ... لَدَيَّ أَمْرٌ أُرِيدُ أَنْ أُكَلِّمَ زَوْجَتِي بِهِ»، قَالَ لَهُ، فَخَرَجَ غَامِي مَعَ الْبَاقِينَ. فَجْأَةً خَطَرَتْ لَهُ فِكْرَةٌ. ابْتَسَمَ وَطَلَبَ رَقْمَ مَسْؤُولِ الْقُوَّةِ السِّرِّيَّةِ، وَأَعْطَاهُ بَعْضَ التَّوْجِيهَاتِ، ثُمَّ غَادَرَ الْمَنْزِلَ. كَانَتِ السَّيَّارَاتُ تَنْطَلِقُ بِسُرْعَةِ الْبَرْقِ، حَتَّى وَصَلُوا أَخِيرًا إِلَى الْبَوَّابَةِ الْخَارِجِيَّةِ لِـ"أَشَّا غَارْدِنْ".
أَرْسَلَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْد رِسَالَةً قَصِيرَةً (SMS) إِلَى "بَاغَلْ جِي" سَائِلًا: «هَلْ يُمْكِنُنِي أَنْ أَتَّصِلَ بِكَ؟»
فَجَاءَهُ الرَّدُّ فَوْرًا: «اتَّصِلْ».
اتَّصَلَ بِهِ، فَقَالَ بَاغَلْ جِي:
«حَضْرَةَ الْمُفَتِّشِ جُنَيْد! لَقَدْ وَصَلْتُمْ...»
«نَحْنُ عَلَى بُعْدِ مَسَافَةٍ قَصِيرَةٍ مِنْ "أَشَّا غَارْدِنْ"...»
«أَنَا فِي الْقَصْرِ رَقْمِ 55... أَمَامَ الْبَوَّابَةِ غُرْفَةٌ مُنْعَزِلَةٌ عَنْ بَقِيَّةِ الْمَبْنَى... فِي الزُّقَاقِ الَّذِي عَلَى شِمَالِهَا، يُوجَدُ مَخْزَنٌ صَغِيرٌ، أَنَا مَوْجُودٌ الْآنَ فِي ذٰلِكَ الْمَخْزَنِ الْمَلِيءِ بِالْغُبَارِ، تَعَالَ إِلَى هُنَا...»
«مَاذَا تَفْعَلُ هُنَاكَ يَا بَاغَلْ جِي؟» سَأَلَهُ.
«عِنْدَمَا تَأْتُونَ إِلَى هُنَا سَأُخْبِرُكُمْ بِالتَّفَاصِيلِ.»
«اخْرُجْ أَنْتَ إِلَى الْخَارِجِ...»
«يَا حَضْرَةَ الْمُفَتِّشِ! لَا تُضَيِّعِ الْوَقْتَ... تَعَالَ إِلَى هُنَا سَرِيعًا، كُنْتُ سَأَخْرُجُ بِنَفْسِي لٰكِنَّ الْحَارِسَ جَالِسٌ أَمَامَ الْبَوَّابَةِ تَمَامًا.»
«حَسَنًا... أَنَا قَادِمٌ»، قَالَ الْمُفَتِّشُ، وَتَقَدَّمَ مَعَ رِفَاقِهِ نَحْوَ بَوَّابَةِ "أَشَّا غَارْدِنْ"، بَعْدَ أَنْ تَرَكُوا السَّيَّارَاتِ فِي مَكَانِهَا.
«إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُونَ...؟» وَقَفَ الْحَارِسُ فَجْأَةً أَمَامَهُمْ شَامِخَ الصَّدْرِ.
«إِلَى الْقَصْرِ رَقْمِ 55.»
«حَسَنًا... لِيَكْتُبِ الْجَمِيعُ أَسْمَاءَهُمْ وَأَرْقَامَ بُطَاقَاتِ الْهُوِيَّةِ فِي هٰذَا السِّجِلِّ»، وَمَدَّ أَمَامَهُمْ سِجِلِّاً ضَخْمًا بِسُرْعَةٍ.
«وَالَّذِينَ لَا يَحْفَظُونَ رَقْمَ الْهُوِيَّةِ، مَاذَا يَفْعَلُونَ يَا عَمَّاهُ...؟» سَأَلَ فَارُوق مُبْتَسِمًا.
«لِيَكْتُبُوا أَرْقَامَ هَوَاتِفِهِمُ الْمَحْمُولَةِ...» قَالَ الْحَارِسُ وَهُوَ يَحْمِلِقُ فِي فَارُوق.
«شُكْرًا لَكَ...»
حِينَ دَخَلُوا "أَشَّا غَارْدِنْ" دَهِشُوا؛ فَقَدْ كَانَتْ بِلَا رَيْبٍ حَدِيقَةً غَنَّاءَ سَاحِرَةً، وَالْقُصُورُ وَالْفِلَلُ فِيهَا تَسْتَحِقُّ النَّظَرَ، وَكَانَتْ تَرْتِيبَاتُ الْإِضَاءَةِ رَائِعَةً جِدًّا جَعَلَتِ اللَّيْلَ كَالنَّهَارِ. مَشَوْا حَتَّى وَصَلُوا قَرِيبًا أَمَامَ الْقَصْرِ رَقْمِ 55.
«نَعَمْ! مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَابِلُوا؟» كَانَ الْحَارِسُ جَالِسًا أَمَامَ الْبَوَّابَةِ.
«اِسْمِي فَرْحَانَةُ... أُرِيدُ مُقَابَلَةَ إِرَم أَخْتَر... قُلْ لَهَا إِنَّ فَرْحَانَةَ قَدْ جَاءَتْ لِلِقَائِهَا»، تَقَدَّمَتْ فَرْحَانَةُ سَرِيعًا وَقَالَتْ. ابْتَسَمَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْد.
«حَسَنًا... وَلٰكِنْ مَنْ هٰؤُلَاءِ...؟»
«هٰؤُلَاءِ رِفَاقِي... فِي الْحَقِيقَةِ الْأَمْرُ هُوَ أَنَّـ...» كَانَتْ فَرْحَانَةُ تَتَكَلَّمُ حِينَ قَاطَعَهَا فَارُوق قَائِلًا:
«كُنَّا نَمُرُّ مِنْ هُنَا... فَأَصَرَّتْ أُخْتُنَا عَلَى مُقَابَلَةِ صَدِيقَتِهَا... نَصَحْنَاهَا كَثِيرًا: "يَا فَتَاةُ، صَدِيقَتُكِ سَتَخَافُ إِذَا رَأَتْنَا جَمِيعًا... لِذٰلِكَ قَابِلِيهَا فِي وَقْتٍ آخَرَ"... وَلٰكِنْ يَا عَمَّاهُ... عَانَدَتْ وَجَرَّتِ الْجَمِيعَ إِلَى هُنَا... هٰذَا لَيْسَ تَصَرُّفًا لَائِقًا، أَلَيْسَ كَذٰلِكَ؟» مَضَى فَارُوق يَهْذِي بِكَلَامِهِ. حَمْلَقَ الْحَارِسُ فِيهِ... ثُمَّ بَدَأَ يَبْتَسِمُ:
«لَا بَأْسَ... أُخْتِي الصَّغِيرَةُ عَنِيدَةٌ جِدًّا أَيْضًا... سَأُبَلِّغُ السَّيِّدَةَ الصَّغِيرَةَ... انْتَظِرُوا هُنَا... إِذَا قَالَتْ نَعَمْ سَأُدْخِلُكُمُ الْجَمِيعَ... وَإِنْ لَمْ تَأْذَنْ فَعَلَيْكُمُ الْعَوْدَةُ»، قَالَ الْحَارِسُ.
«حَسَنًا، بَلِّغْهَا وَنَحْنُ سَنَنْتَظِرُ هُنَا»، قَالَتْ فَرْحَانَةُ بِسُرْعَةٍ. فَتَحَ الْحَارِسُ الْبَابَ الصَّغِيرَ وَدَخَلَ، فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ.
«مَا رَأْيُكِ يَا فَرْحَانَةُ... هَلْ سَتَدْعُونَا؟» سَأَلَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْد.
«خَمْسُونَ فِي الْمِئَةِ... قَدْ تَدْعُو وَقَدْ تَرْفُضُ... أُوهْ... مَهْلًا!» انْتَبَهَتْ فَجْأَةً، «يَا أَبَتِي! إِنْ كَانَتْ رَغْبَةُ اخْتِطَافِي صَادِرَةً عَنْهَا، فَعِنْدَئِذٍ... سَتَرْتَبِكُ حَتْمًا!»
«حَسَنًا... فَهِمْتُ... ابْقَوْا أَنْتُمْ هُنَا... سَأَدْخُلُ أَنَا وَإِكْرَام خُلْسَةً»، قَالَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْد.
«حَسَنًا... إِنْ أَتَى الْإِذْنُ فَخَيْرٌ، وَإِلَّا... فَأَنْتُمْ فِي الدَّاخِلِ، تَصَرَّفُوا»، قَالَتْ فَرْحَانَةُ.
دَخَلَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْد مَعَ إِكْرَام بِسُرْعَةٍ وَمَشَيَا إِلَى الْأَمَامِ مُبَاشَرَةً. كَانَتْ فِي الدَّاخِلِ أَنْوَارٌ خَافِتَةٌ. رَأَيَا أَمَامَهُمَا غُرْفَةً مُنْعَزِلَةً تَمَامًا عَنِ الْمَبْنَى الرَّئِيسِيِّ. عَلَى يَمِينِ الْبَوَّابَةِ قَلِيلًا كَانَ هُنَاكَ مِرْآبُ سَيَّارَاتٍ، وَبِجَانِبِهِ بَابٌ كَبِيرٌ جَمِيلٌ يُؤَدِّي حَتْمًا إِلَى دَاخِلِ الْقَصْرِ، وَكَانَ ذٰلِكَ الْبَابُ مَفْتُوحًا قَلِيلًا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ. لَقَدْ عَايَنَا كُلَّ شَيْءٍ فِي لَحَظَاتٍ مَعْدُودَةٍ. ثُمَّ مَشَيَا فِي الزُّقَاقِ الْوَاقِعِ عَلَى يَسَارِ الْغُرْفَةِ... وَسُرْعَانَ مَا وَقَفَا أَمَامَ الْمَخْزَنِ.
«بَاغَلْ جِي! اخْرُجْ... لَقَدْ وَصَلْنَا...» قَالَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْد بِصَوْتٍ خَافِتٍ.
خَرَجَ بَاغَلْ جِي.
«مَاذَا تَفْعَلُ هُنَا يَا بَاغَلْ جِي؟»
«حَضْرَةَ الْمُفَتِّشِ جُنَيْد! صَاحِبُ هٰذَا الْقَصْرِ، بَرْوِيز أَخْتَر، كَانَ يَلْتَقِي بِأُولٰئِكَ الْأَشْخَاصِ الْمَشْبُوهِينَ. الْيَوْمَ انْتَهَزْتُ الْفُرْصَةَ وَرَكِبْتُ فِي صُنْدُوقِ سَيَّارَتِهِ وَجِئْتُ إِلَى هُنَا. أَنَا أُحِبُّ وَطَنِي كَثِيرًا، وَآبَائِي وَأَجْدَادِي سَقَوْا تُرَابَهُ بِدِمَائِهِمْ، وَلَا أُطِيقُ أَعْدَاءَهُ!» قَالَ ذٰلِكَ.
«تُحِبُّ الْوَطَنَ وَعِوَضًا عَنِ الْعَمَلِ تَحْتَرِفُ التَّسَوُّلَ؟» ابْتَسَمَ إِكْرَام.
«أُوه... هٰذَا أَيْضًا عَمَلٌ... اَلتَّسَوُّلُ فَنٌّ لَا يُتْقِنُهُ كُلُّ أَحَدٍ!» ابْتَسَمَ هُوَ الْآخَرُ. كَانَ ضَوْءٌ خَفِيفٌ يَنْتَشِرُ فِي الزُّقَاقِ خَارِجَ الْمَخْزَنِ.
«عَلَى كُلِّ حَالٍ! أَكْمِلْ...» لَوَوْا أَفْوَاهَهُمْ.
«لَقَدِ اسْتَرَقْتُ السَّمْعَ إِلَى حَدِيثِهِ... كَانَ يُكَلِّمُ رَجُلًا يُدْعَى خُرَّم... وَفَهِمْتُ مِنْ كَلَامِهِمَا أَنَّ خُرَّم وُكِّلَ إِلَيْهِ قِيَادَةُ عَمَلِيَّةٍ مَا.»
«عَمَلِيَّةٌ...؟!» انْتَبَهَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْد.
«نَعَمْ! وَهٰذِهِ الْعَمَلِيَّةُ سَتَكُونُ فِي السَّاعَةِ الْعَاشِرَةِ مِنْ صَبَاحِ الْغَدِ... حَضْرَةَ الْمُفَتِّشِ! كَانَ بَرْوِيز يَتَحَدَّثُ فِي الْهَاتِفِ وَهُوَ يَضْحَكُ!»
«بَاغَلْ جِي! إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَبِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَسَتَنَالُ جَزَاءَكَ...» قَالَ إِكْرَام.
«إِنْ كُنْتُمْ لَا تُصَدِّقُونَنِي فَأَنَا آسِفٌ... سَأَنْسَحِبُ.»
«كَلَّا يَا رَجُلُ! لَيْسَ الْأَمْرُ كَذٰلِكَ... هَلْ سَمِعْتَ شَيْئًا آخَرَ؟ قُلْ...» قَالَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْد.
«كَانَ بَرْوِيز يُحَدِّثُ خُرَّم عَنِ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ خُطَّةٍ أَوْ لُعْبَةٍ... وَأَنَّهُ قَدْ فَشِلَ... وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لَنَا الْآنَ أَنْ نَحْذَرَ كَثِيرًا.»
«أُوه... أُوه... أَنْتَ تَقُولُ الْحَقِيقَةَ يَا بَاغَلْ جِي... أَحْسَنْتَ!» ابْتَسَمَ الْمُفَتِّشُ، «اَلْجُزْءُ الْأَوَّلُ قَدْ فَشِلَ فِعْلًا. أَيْنَ بَرْوِيز أَخْتَر الْآنَ؟»
«لَيْسَ فِي الْقَصْرِ، لَقَدْ خَرَجَ إِلَى مَكَانٍ مَا... كُنْتُ أُرِيدُ الْمَجِيءَ إِلَى مَنْزِلِكُمْ لِأَشْرَحَ الْأَمْرَ، لٰكِنِّي تَوَقَّفْتُ خَوْفًا مِنَ الْحَارِسِ وَاتَّصَلْتُ بِكُمْ... هَلْ أَحْسَنْتُ صُنْعًا يَا حَضْرَةَ الْمُفَتِّشِ؟»
«بَارَكَ اللهُ فِيكَ! إِنْ كَانَ هٰؤُلَاءِ هُمُ الْمُتَآمِرِينَ حَقًّا، فَسَأَجْعَلُ الْحُكُومَةَ تُكَافِئُكَ... إِنْ شَاءَ اللهُ.»
«أُوه... شُكْرًا لَكَ يَا حَضْرَةَ الْمُفَتِّشِ!» فَرِحَ بَاغَلْ جِي.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، تَرَدَّدَ صَوْتُ فَرْحَانَةَ فِي مَسَامِعِهِمْ:
«أَنْتِ طَيِّبَةٌ جِدًّا يَا إِرَم... كُنْتُ أُسِيءُ الظَّنَّ بِكِ دُونَ وَجْهِ حَقٍّ... أَرْجُوكِ سَامِحِينِي...»
«بَلْ أَنَا مَنْ يَجِبُ أَنْ يَطْلُبَ السَّمَاحَ مِنْكِ... فَقَدْ عَبَّرْتُ لِوَالِدِي عَنْ رَغْبَةٍ خَاطِئَةٍ، فَأَصْبَحَ مُضْطَرًّا»، جَاءَ صَوْتُ إِرَم.
«لَقَدْ سَامَحْتُكِ بِالْفِعْلِ... وَأَرْجُوكِ! لَا تَسْأَلِي وَالِدَكِ عَنِّي أَبَدًا... وَإِلَّا فَإِنَّهُ سَيَشْعُرُ بِالْخَجَلِ.»
«لَا تَقْلَقِي... لَنْ أَسْأَلَهُ عَنْ هٰذَا الْأَمْرِ أَبَدًا»، جَاءَ صَوْتُ إِرَم أَخْتَر الضَّاحِكُ.
«حَسَنًا... سَأَمْضِي الْآنَ، اعْتَنِي بِنَفْسِكِ...» كَانَتْ فَرْحَانَةُ تَقُولُ.
«وَأَنْتِ كَذٰلِكَ... فِي أَمَانِ اللهِ...»
بَعْدَ ذٰلِكَ سَادَ الصَّمْتُ؛ يَبْدُو أَنَّ فَرْحَانَةَ قَدْ خَرَجَتْ مِنَ الْقَصْرِ.
«أُوه... لَقَدْ كَانَتْ رَغْبَةُ اخْتِطَافِ فَرْحَانَةَ صَادِرَةً مِنْ إِرَم أَخْتَر نَفْسِهَا، وَالْآنَ تَدَارَكَتْ فَرْحَانَةُ الْأَمْرَ»، قَالَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْد.
«هٰذَا يَعْنِي يَا سَيِّدِي أَنَّ بَرْوِيز أَخْتَر مُتَوَرِّطٌ فِي هٰذِهِ الْمُؤَامَرَةِ... وَرُبَّمَا هُوَ شَرِيكُ "الزَّعِيمِ الْبَدِينِ" (مُوٹَا بَاسْ) أَيْضًا»، قَالَ إِكْرَام.
«يَبْدُو الْأَمْرُ كَذٰلِكَ...» ابْتَسَمَ.
«سَيِّدِي! مَاذَا نَفْعَلُ الْآنَ؟»
«مَاذَا نَفْعَلُ...؟ لِنَخْرُجْ مِنْ هُنَا...»
«حَسَنًا... هَيَّا بِنَا...»
«بَاغَلْ جِي! لَقَدِ انْتَهَتْ مُهِمَّتُكَ مَعَنَا...»
«حَسَنًا يَا سَيِّدِي...» ابْتَسَمَ.
حِينَ وَصَلُوا إِلَى الْبَوَّابَةِ، طَرَفَ الْحَارِسُ بِعَيْنَيْهِ فِي دَهْشَةٍ.
«إِلَامَ تَنْظُرُ يَا أَخَانَا الْحَارِسَ؟ نَحْنُ رِفَاقُ فَرْحَانَةَ»، قَالَ إِكْرَام وَعَلَى وَجْهِهِ ابْتِسَامَةٌ.
«وَلٰكِنَّ رِفَاقَهَا لَمْ يَدْخُلُوا أَصْلًا... اَلسَّيِّدَةُ إِرَم اسْتَدْعَتْ فَرْحَانَةَ فَقَطْ!»
«يَا رَجُلُ! دَعْكَ مِنْ هٰذَا... مَاذَا يَضِيرُ إِنْ رَأَيْنَا الْقَصْرَ مِنَ الدَّاخِلِ؟ فَنَحْنُ فِي النِّهَايَةِ رِفَاقُ صَدِيقَةِ السَّيِّدَةِ إِرَم.»
«أُوه! عَلَى كُلِّ حَالٍ يُمْكِنُكُمُ الذَّهَابُ.» تَنَحَّى عَنِ الْبَابِ، فَخَرَجُوا سَرِيعًا.
«هَا هُمْ أُولَاءِ... أُولَئِكَ هُمْ رِفَاقُنَا»، قَالَ إِكْرَام.
«نَعَمْ... حُثُّوا الْخُطَى قَلِيلًا...»
خَرَجَ الْجَمِيعُ مِنْ بَوَّابَةِ "أَشَّا غَارْدِنْ" الرَّئِيسِيَّةِ إِلَى الشَّارِعِ الْعَامِّ. وَعَلَى بُعْدِ مَسَافَةٍ قَصِيرَةٍ كَانَتْ سَيَّارَاتُهُمْ وَاقِفَةً كَمَا هِيَ. رَكِبُوا فِيهَا فِي صَمْتٍ.
وَكَانَ بَاغَلْ جِي قَدِ انْصَرَفَ فِي جِهَةٍ أُخْرَى.
«نَعَمْ يَا بَنِيَّتِي... مَاذَا جَرَى؟»
«يَا أَبَتِي! لَقَدْ طَلَبَتْ إِرَم مِنْ وَالِدِهَا اخْتِطَافِي فِعْلًا، وَلٰكِنْ لَا عِلَاقَةَ لِذٰلِكَ بِقَضِيَّةِ "الزَّعِيمِ"... حِينَ أَخْبَرْتُهَا أَنَّ وَالِدَكِ هُوَ مَنِ اخْتَطَفَنِي دَهِشَتْ وَشَعَرَتْ بِالْخَجَلِ... فَسَامَحْتُهَا وَقُلْتُ لَهَا: لَا تَفْتَحِي مَعَ وَالِدِكِ سِيرَتِي أَبَدًا؛ لِئَلَّا يَخْجَلَ مِنْ فِعْلَتِهِ... وَقُلْتُ أَيْضًا: لَا تَذْكُرِي لَهُ مَجِيئِي إِلَى هُنَا؛ فَإِنَّ ذٰلِكَ سَيُؤْلِمُهُ أَكْثَرَ...» رَوَتْ فَرْحَانَةُ ذٰلِكَ كُلَّهُ.
«أَحْسَنْتِ... عَمَلٌ رَائِعٌ»، قَالَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْد.
«وَإِنْ أَخْبَرَ الْحَارِسُ بَرْوِيز أَخْتَر...؟» سَأَلَ حَمُّود.
«سَتَمْنَعُهُ هِيَ أَيْضًا»، ابْتَسَمَتْ.
«يَا لَلرَّوْعَةِ... لَقَدْ صَنَعْتِ مُعْجِزَةً!» غَرَّدَ فَارُوق... ثُمَّ انْتَبَهَ فَجْأَةً:
«مَهْلًا! أَيْنَ ذَهَبَ غَامِي وَشَازِي؟»
نَظَرُوا هُنَا وَهُنَاكَ فَرَأَوْهُمَا وَاقِفَيْنِ فِي الظَّلَامِ بَعِيدًا عَنِ السَّيَّارَاتِ.
«يَا لَلرَّوْعَةِ... لَقَدْ صَنَعْتِ مُعْجِزَةً!» كَرَّرَ فَارُوق وَقَفَزَ قَفْزَةً كَبِيرَةً:
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ دَقَّ هَاتِفُ الْمُفَتِّشِ جُنَيْد. كَانَتِ الْمُكَالَمَةُ مِنَ "الرَّقْمِ وَاحِدٍ" فِي الْقُوَّةِ السِّرِّيَّةِ، وَكَانَ يَقُولُ:
«سَيِّدِي! لَقَدْ عَثَرْنَا عَلَى بَرْوِيز أَخْتَر، وَيَبْدُو عَلَيْهِ الْقَلَقُ.»
«هَلْ هُوَ وَحِيدٌ...؟»
«نَعَمْ يَا سَيِّدِي... إِنَّهُ وَحِيدٌ تَمَامًا...»
«إِذَنْ فَاخْطَفُوا هَاتِفَهُ الْمَحْمُولَ مِنْهُ بِطَرِيقَةٍ مَا... أَوْ بِمَعْنًى آخَرَ، اسْتَحْوِذُوا عَلَيْهِ...» قَالَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْد.
«حَسَنًا...»
«وَقَدْ كَلَّفْتُكُمْ بِمَهَامَّ أُخْرَى أَيْضًا...»
«سَيِّدِي! أَعْيُنُنَا فِي كُلِّ مَكَانٍ... حَتَّى أَنْتُمْ لَسْتُمْ غَائِبِينَ عَنْ أَنْظَارِنَا»، ضَحِكَ الْمَسْؤُولُ.
«أُوهْ... رَائِعٌ جِدًّا... أَحْسَنْتُمْ»، قَالَ الْمُفَتِّشُ وَأَنْهَى الْمُكَالَمَةَ.
«لَا بُدَّ أَنَّ خَبَرَ الْقَبْضِ عَلَى "الزَّعِيمِ الْبَدِينِ" قَدْ وَصَلَهُ... لِذٰلِكَ هُوَ قَلِقٌ... أَخْشَى أَنْ يُعْطِيَ إِشَارَةَ بَدْءِ الْعَمَلِيَّةِ قَبْلَ أَوَانِهَا»، قَالَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْد.
«لِمَنْ سَيُعْطِي الْإِشَارَةَ يَا أَبَتِي...؟» سَأَلَ حَمُّود.
«إِنَّهُ لَيْسَ وَحْدَهُ... هُنَاكَ آخَرُونَ غَيْرُ الزَّعِيمِ فِي هٰذِهِ اللُّعْبَةِ»، وَنَقَلَ إِلَيْهِمْ مَا أَخْبَرَهُ بِهِ بَاغَلْ جِي.
«أُوه... إِذَنْ فَقَدْ أَحْسَنْتَ صُنْعًا حِينَ أَمَرْتَ "الرَّقْمَ وَاحِدًا" بِانْتِزَاعِ هَاتِفِهِ... فَبِذٰلِكَ لَنْ يَتَمَكَّنَ مِنَ الِاتِّصَالِ بِأَحَدٍ فِي حَالَةِ هَلَعِهِ.»
«وَالْفَائِدَةُ الْكُبْرَى هِيَ أَنَّنَا سَنَصِلُ إِلَى خُرَّم... وَمَا إِنْ نَصِلُ إِلَيْهِ حَتَّى تَكُونَ نِهَايَةُ هٰذِهِ اللُّعْبَةِ بِرُمَّتِهَا!» قَالَ حَمُّود.
«أُوه... مَـ... مَاذَا قُلْتَ؟ "مَوْتُ اللُّعْبَةِ"... يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هٰذَا عُنْوَانًا لِرِوَايَةٍ!» قَالَ فَارُوق مُرْتَبِكًا.
«تَبًّا لَكَ... فِي كُلِّ حَالٍ تَتَذَكَّرُ عَنَاوِينَ الرِّوَايَاتِ!» لَطَمَ حَمُّود فَخِذَهُ فِي غَيْظٍ.
«آخْ! مِتُّ!» صَرَخَ فَارُوق.
«مَا مَعْنَى مِتُّ؟!» دَهِشَتْ فَرْحَانَةُ.
«مِتُّ... أَيْ أَنَّنِي قَدْ مُتُّ!» قَالَ فَارُوق.
«كَيْفَ مِتَّ وَأَنْتَ جَالِسٌ سَلِيمًا مُعَافًى؟!» اسْتَشَاطَتْ فَرْحَانَةُ غَضَبًا.
«حَمُّود لَمْ يَضْرِبْ فَخِذَهُ، بَلْ ضَرَبَ فَخِذِي أَنَا! وَأُقْسِمُ أَنَّهُ ضَرَبَهَا بِقُوَّةٍ شَدِيدَةٍ!» كَانَتْ طَرِيقَةُ فَارُوق مُضْحِكَةً إِلَى حَدِّ أَنَّ الْجَمِيعَ انْفَجَرُوا ضَاحِكِينَ.
«عَافَانَا اللهُ مِنْكَ...»
«يَا أَبَتِي! هَلْ سَنَبْقَى وَاقِفِينَ هُنَا؟ مَاذَا سَيَقُولُ النَّاسُ إِذَا رَأَوْنَا... هَلْ فَكَّرْتَ فِي ذٰلِكَ؟» قَالَ فَارُوق.
«وَمَتَى كُنْتُ أَهْتَمُّ لِلنَّاسِ؟ اجْلِسْ وَاهْدَأْ...» ابْتَسَمَ الْمُفَتِّشُ.
بَعْدَ فَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ، رَنَّ الْهَاتِفُ ثَانِيَةً:
«نَعَمْ! أَيُّهَا الرَّقْمُ وَاحِدٌ، مَا هُوَ التَّقْرِيرُ؟ مَاذَا تَقُولُ؟ اَلْهَاتِفُ الْآنَ فِي جَيْبِ عُنْصُرِكَ وَبَرْوِيز أَخْتَر لَا يَعْلَمُ شَيْئًا؟! يَا سَلَام... هٰكَذَا يَكُونُ الْعَمَلُ! أَوْصِلِ الْهَاتِفَ إِلَيَّ...» قَالَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْد. ثُمَّ نَظَرَ إِلَى غَامِي وَشَازِي، اللَّذَيْنِ بَدَيَا مُنْهَمِكَيْنِ فِي الْحَدِيثِ. نَادَاهُمَا لِيَقْتَرِبَا:
«حَضْرَةَ الْمُفَتِّشِ! مَاذَا حَدَثَ... مَاذَا أَخْبَرَكُمْ بَاغَلْ جِي؟» سَأَلَ غَامِي.
«صَاحِبُ الْقَصْرِ 55، بَرْوِيز أَخْتَر، شَرِيكٌ لِلزَّعِيمِ الْبَدِينِ. وَبِأَمْرٍ مِنْهُ كَانَ الْبَدِينُ يُلَاحِقُ فَرْحَانَةَ»، قَالَ الْمُفَتِّشُ نَاظِرًا فِي عَيْنَيْ غَامِي.
«أُوه... هٰذَا يَعْنِي أَنَّ زِمَامَ الْأُمُورِ كَانَ بِيَدِ بَرْوِيز أَخْتَر...»
«هٰكَذَا يَبْدُو فِي الظَّاهِرِ.»
«وَأَيْنَ ذَهَبَ بَاغَلْ جِي ذَاكَ؟» نَظَرَ شَازِي نَحْوَ السَّيَّارَاتِ فِي دَهْشَةٍ.
«لَقَدْ صَرَفْنَاهُ.»
«إِذَنْ، أَنْتُمْ سَتَصِلُونَ إِلَى اللُّعْبَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِالْقَبْضِ عَلَى بَرْوِيز أَخْتَر وَخُرَّم»، قَالَ غَامِي بِنَبْرَةٍ شَارِدَةٍ.
«اَللُّعْبَةُ الْأَصْلِيَّةُ... هَلْ هٰذَا يَعْنِي أَنَّ هُنَاكَ لُعْبَةً مُزَيَّفَةً أَيْضًا؟!» سَأَلَ فَارُوق مُتَعَجِّبًا.
«فِي هٰذَا الْعَالَمِ تَقِلُّ الْأَلْعَابُ الْحَقِيقِيَّةُ وَتَكْثُرُ الْأَلْعَابُ الْمُزَيَّفَةُ. أَعْتَقِدُ أَنَّهُ لُعِبَتْ مَعَنَا لُعْبَتَانِ؛ عَرَفْنَا إِحْدَاهُمَا، وَسَنَعْرِفُ الْأُخْرَى قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللهُ.»
«إِنْ شَاءَ اللهُ... كَذٰلِكَ سَيَكُونُ»، قَالَ الْجَمِيعُ مَعًا.
«هٰذَا يَعْنِي... أَنَّنَا نَسْتَطِيعُ الِانْصِرَافَ الْآنَ»، قَالَ شَازِي مُبْتَسِمًا.
«بِالتَّأْكِيدِ تَمْلِكَانِ ذٰلِكَ... أَنَا لَمْ أَمْنَعْكُمَا قَطُّ، كُنْتُمَا مَعَنَا بِمِلْءِ إِرَادَتِكُمَا»، ابْتَسَمَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْد أَيْضًا.
«حَسَنًا يَا حَضْرَةَ الْمُفَتِّشِ جُنَيْد! نَحْنُ نَمْضِي... إِنْ كَانَ فِي الْعُمْرِ بَقِيَّةٌ فَسَنَلْتَقِي ثَانِيَةً.»
«إِنْ شَاءَ اللهُ... قَرِيبًا»، قَالَ لَهُمَا، ثُمَّ انْصَرَفَا.
«أُوه... لَقَدْ ذَهَبَ غَامِي وَشَازِي!» خَرَجَتْ مِنْ فَمِ فَارُوق.
«غَامِي كَانَ شَخْصًا مُمْتِعًا جِدًّا... كَانَ يُشْبِهُ فَارُوق تَمَامًا! اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَظْفَرُ بِعَدُوِّهِ "فَقِيرْ بَرِنْدَه" (الطَّائِرِ الْفَقِيرِ) سَرِيعًا لِيَطْبُخَهُ حَسَاءً وَيَشْرَبَهُ؛ فَقَدْ جَرَّعَهُ آلاَمًا كَثِيرَةً!» مَضَى حَمُّود يَقُولُ.
«نَعَمْ! كَانَ رَجُلًا طَيِّبًا... سَاعَدَنَا كَثِيرًا»، قَالَتْ فَرْحَانَةُ. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ وَصَلَ إِلَيْهِمْ عُنْصُرُ الْقُوَّةِ السِّرِّيَّةِ:
«تَفَضَّلْ يَا سَيِّدِي...»
«حَسَنًا... يُمْكِنُكَ الِانْصِرَافُ»، قَالَ الْمُفَتِّشُ، فَرَجَعَ مِنْ حَيْثُ أَتَى.
بَعْدَ مُغَادَرَتِهِ، اتَّصَلَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْد بِمَسْؤُولِ الْقُوَّةِ السِّرِّيَّةِ وَقَالَ لَهُ:
«رَاقِبُوا الْأَمْرَ جَيِّدًا...» وَأَنْهَى الْمُكَالَمَةَ.
«لَمْ يَعُدْ لَنَا عَمَلٌ هُنَا... هَيَّا بِنَا إِلَى الْمَنْزِلِ.»
وَصَلُوا إِلَى الْمَنْزِلِ... وَكَانُوا قَدْ فَحَصُوا الْهَاتِفَ فِي الطَّرِيقِ؛ كَانَ رَقْمُ خُرَّم مَحْفُوظًا فِيهِ. سَلَّمَ جُنَيْد الْهَاتِفَ إِلَى إِكْرَام وَقَالَ:
«اعْرِفْ عُنْوَانَهُ مِنْ شَرِكَةِ الِاتِّصَالَاتِ، وَسَتَكُونُ فِيهِ أَرْقَامٌ أُخْرَى كَثِيرَةٌ... أُرِيدُ تَفَاصِيلَ كُلِّ الْأَرْقَامِ.»
«سَتَحْصُلُ عَلَيْهَا يَا سَيِّدِي»، قَالَ إِكْرَام مُبْتَسِمًا.
«وَلٰكِنْ يَا أَبَتِي... مَاذَا لَوْ أَلْغَى بَرْوِيز الشَّرِيحَةَ... أَوْ قَفَلَ الْهَاتِفَ عَنْ بُعْدٍ...؟» سَأَلَ حَمُّود.
«لِيَفْعَلْ مَا يَشَاءُ... لَا يَهُمُّنِي. اذْهَبْ يَا إِكْرَام وَأَحْضِرْ كُلَّ التَّفَاصِيلِ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ»، قَالَ الْمُفَتِّشُ.
مَضَى إِكْرَام... وَبَعْدَ نَحْوِ نِصْفِ سَاعَةٍ عَادَ مُمْتَلِئًا بِالْحَمَاسِ:
«سَيِّدِي! مَنْزِلُ خُرَّم لَيْسَ بَعِيدًا مِنْ هُنَا.»
«خَانْ رَحْمَان، يَا حَضْرَةَ الْبُرُوفِيسُور! هَلْ سَتَأْتِيَانِ مَعَنَا أَمْ تُرِيدَانِ الِاسْتِرَاحَةَ؟»
«سَآتِي أَنَا مَعَكَ يَا جُنَيْد»، قَالَ خَانْ رَحْمَان.
«وَأَنَا سَأَبْقَى هُنَا... صِحَّتِي لَيْسَتْ عَلَى مَا يُرَامُ»، قَالَ الْبُرُوفِيسُور دَاوُود، وَهُوَ مُسْتَلْقٍ فِي غُرْفَةِ الضُّيُوفِ.
«حَسَنًا...»
كَانَ مَنْزِلًا جَمِيلًا فِي زُقَاقٍ عَرِيضٍ وَنَظِيفٍ... وَعِنْدَ طَرْقِ الْبَابِ فَتَحَهُ فَتًى يَافِعٌ... حِينَ رَأَى هٰذَا الْعَدَدَ مِنَ النَّاسِ أَمَامَهُ تَمَلَّكَتْهُ الدَّهْشَةُ فِي الْبِدَايَةِ، ثُمَّ بَادَرَ قَائِلًا:
«مَـ... مَنْ أَنْتُمْ؟ وَمَنْ تُرِيدُونَ مُقَابَلَتَهُ؟»
«نُرِيدُ مُقَابَلَةَ خُرَّم... هَلْ هُوَ فِي الْمَنْزِلِ؟»
«نَعَمْ، هُوَ فِي الْمَنْزِلِ... سَأَفْتَحُ بَابَ غُرْفَةِ الِاسْتِقْبَالِ»، قَالَ الْفَتَى. وَبَعْدَ لَحَظَاتٍ كَانُوا جَالِسِينَ فِيهَا.
«تَفَضَّلُوا بِالْجُلُوسِ... سَأُنَادِي الْأَخَ خُرَّم... لَقَدْ عَادَ إِلَى الْمَنْزِلِ مُنْذُ قَلِيلٍ»، قَالَ الْفَتَى وَدَخَلَ إِلَى الدَّاخِلِ. وَبَعْدَ قَلِيلٍ دَخَلَ شَابٌّ إِلَى الْغُرْفَةِ:
«نَعَمْ تَفَضَّلُوا! أَنَا خُرَّم... يَا لَلْهَوْلِ... أَنْتُمْ...؟!» مَا إِنْ وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى الْمُفَتِّشِ جُنَيْد حَتَّى قَفَزَ قَفْزَةً شَدِيدَةً، وَسَرَى الرُّعْبُ فِي عَيْنَيْهِ. حَاوَلَ الِاسْتِدَارَةَ لِلْفِرَارِ، لٰكِنَّ فَارُوق مَدَّ سَاقَهُ أَمَامَهُ... فَتَعَثَّرَ وَسَقَطَ أَرْضًا...
«هٰذِهِ هِيَ السَّاقُ الْحُكُومِيَّةُ!» ابْتَسَمَ فَارُوق.
«خُرَّم! مُحَاوَلَةُ الْفِرَارِ لَا طَائِلَ مِنْهَا...» ابْتَسَمَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْد.
«لِمَاذَا جِئْتَ إِلَى هُنَا يَا حَضْرَةَ الْمُفَتِّشِ جُنَيْد؟» سَأَلَ خُرَّم، وَقَدْ كَانَ لَوْنُ وَجْهِهِ يَتَبَدَّلُ ذُعْرًا بَيْنَ حِينٍ وَآخَرَ.
«خُذِ الْجَوَابَ مِنْ مَلَامِحِ وَجْهِكَ يَكُونُ خَيْرًا لَكَ»، ابْتَسَمَ خَانْ رَحْمَان.
«مِنْ وَجْهِي...؟!» تَحَسَّسَ وَجْهَهُ سَرِيعًا... ثُمَّ تَنَهَّدَ بِحَسْرَةٍ.
أَشَارَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْد إِلَى إِكْرَام، فَأَخْرَجَ هَاتِفَ بَرْوِيز أَخْتَر مِنْ جَيْبِهِ وَطَلَبَ رَقْمَ خُرَّم. فَوْرًا، رَنَّ الْهَاتِفُ الْمَوْجُودُ فِي جَيْبِ خُرَّم الْجَانِبِيِّ. أَخْرَجَ الْهَاتِفَ مُسْرِعًا وَارْتَعَدَ فَرَقًا.
«خُرَّم! لَقَدْ وَقَعْتَ فِي الْفَخِّ... أَوْ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى: لَقَدْ هُزِمْتَ.»
«مِنْ أَيْنَ حَصَلْتُمْ عَلَى هَاتِفِ الزَّعِيمِ؟» قَالَ فِي ذُهُولٍ.
«أَحْسَنْتَ... هٰكَذَا يَكُونُ الِاعْتِرَافُ!» قَالَ الْبُرُوفِيسُور دَاوُود.
«هٰذَا مِنْ إِعْجَازِ قُوَّتِنَا السِّرِّيَّةِ... وَزَعِيمُكَ أَيْضًا سَيَكُونُ قَبْعَ فِي قَبْضَتِهِمْ فِي هٰذِهِ اللَّحْظَةِ»، قَالَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْد.
«أُوه...!! هٰذَا يَعْنِي أَنَّ اللُّعْبَةَ قَدِ انْتَهَتْ!» ارْتَخَى جَسَدُهُ وَانْهَارَ.
«فَهِمْتَ جَيِّدًا... وَالْآنَ أَعْطِنِي هَاتِفَكَ...»
سَلَّمَهُمْ خُرَّم هَاتِفَهُ. ثُمَّ حَدَثَ أَمْرٌ عَجِيبٌ جَعَلَ قُلُوبَهُمْ تَهْوِي... انْحَنَى خُرَّم بِسُرْعَةٍ وَأَمْسَكَ بِقَدَمَيِ الْمُفَتِّشِ جُنَيْد:
«سَيِّدِي! ظَلَلْتُ لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ أَحْمِلُ شَهَادَاتِي بَيْنَ يَدَيَّ، أَتَخَبَّطُ مِنْ مَكَانٍ لِآخَرَ بَحْثًا عَنْ وَظِيفَةٍ، لٰكِنِّي لَمْ أَجِدْ عَمَلًا... حِينَ تَجَاوَزَ الْيَأْسُ حُدُودَهُ، انْكَسَرْتُ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ. ضَاعَتْ شَجَاعَتِي وَعَزِيمَتِي... وَصِرْتُ سَالِكًا لِطُرُقِ الضَّلَالِ... وَبَدَأَ أَمْثَالُ الزَّعِيمِ يَسْتَغِلُّونَ كَفَاءَاتِي لِصَالِحِهِمْ!» كَانَتْ عُيُونُ خُرَّم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ، فَذُهِلَ الْجَمِيعُ.
«أُوه... أُوه... حَسَنًا، أَخْبِرْنَا... مَا هِيَ اللُّعْبَةُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْتَزِمُونَ لَعِبَهَا؟» سَأَلَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْد مُبْتَسِمًا.
«دَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ!» صَاحَ أَحَدُهُمْ مِنْ خَلْفِهِمْ بِصَوْتٍ قَوِيٍّ.
اِلْتَفَتَ الْجَمِيعُ بِرُؤُوسِهِمْ، فَصُعِقُوا صَعْقًا كَبِيرًا! كَادَتْ أَنْفَاسُهُمْ تَنْقَطِعُ فِي حَنَاجِرِهِمْ، وَكَانَتْ أَسْوَأُ حَالٍ هِيَ حَالُ حَمُّود، وَفَارُوق، وَفَرْحَانَةَ، وَخَانْ رَحْمَان.
(يُتْبَعُ)
(غَدًا سَتُقَدَّمُ الْحَلْقَةُ الْأَخِيرَةُ مِنْ "اللُّعْبَةِ النَّاقِصَةِ"، إِنْ شَاءَ اللهُ)

