«حَضْرَةَ الْبِرُوفِيسُورِ! أَصَبْتَ الْهَدَفَ بِبَرَاعَةٍ...» صَاحَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ.
«شُكْرًا لَكَ يَا جُنَيْدُ! إِنَّمَا صَنَعْتُ هذِهِ الْأَدَوَاتِ الصَّغِيرَةَ لِمِثْلِ هذِهِ الْمَوَاقِفِ خِصِّيصًا؛ أَدَوَاتٌ لِلتَّخْدِيرِ، وَأُخْرَى لِلْوِقَايَةِ مِنْ فِقْدَانِ الْوَعْيِ»، قَالَ الْبِرُوفِيسُورُ ذلِكَ ضَاحِكًا.
كَانَ جَمِيعُ مَنْ فِي الْقَاعَةِ قَدْ سَقَطُوا مَغْشِيًّا عَلَيْهِمْ... بِاسْتِثْنَاءِ الْمُفَتِّشِ جُنَيْدٍ، وَخَانْ رَحْمَانَ، وَالْبِرُوفِيسُورِ دَاوُدَ، وَإِكْرَامٍ وَمَرْؤُوسِيهِ.
تَقَدَّمَ خَانْ رَحْمَانَ وَفَكَّ وِثَاقَ الْمُفَتِّشِ جُنَيْدٍ. كَمَا تَحَرَّرَ إِكْرَامٌ، وَمُحَمَّد حُسَيْن آزَاد، وَمَرْؤُوسَاهُ الِاثْنَانِ.
«حَضْرَةَ الْبِرُوفِيسُورِ! كَمْ سَيَبْقَى هؤُلَاءِ فاقِدِينَ لِلْوَعْيِ؟»
«إِذَا لَمْ يُرَشَّ الْمَاءُ عَلَى وُجُوهِهِمْ، فَسَيَسْتَعِيدُونَ وَعْيَهُمْ بَعْدَ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ»، ابْتَسَمَ وَهُوَ يُجِيبُ.
«وَإِذَا رُشَّ الْمَاءُ عَلَى وُجُوهِهِمْ...؟»
«فَسَيَسْتَيْقِظُونَ فَوْرًا...» هكَذَا قَالَ.
«شُكْرًا لَكَ! عَلَيْنَا الْآنَ أَنْ نَتَعَامَلَ مَعَ الزَّعِيمِ الْبَدِينِ... قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى هُنَا... يَجِبُ أَنْ نَصِلَ إِلَيْهِ»، قَالَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ.
«حَسَنًا، هَيَّا بِنَا إِذَنْ.. لِنَلْحَقْ بِهِ»، قَالَ خَانْ رَحْمَانَ.
فَتَحُوا الْبَابَ رَقْمَ خَمْسَةٍ وَدَخَلُوا، فَأَصَابَتْهُمُ الدَّهْشَةُ... لَمْ تَكُنْ أَمَامَهُمْ غُرْفَةٌ، بَلْ زُقَاقٌ طَوِيلٌ. شَرَعُوا يَرْكُضُونَ فِيهِ. وَعِنْدَ نِهَايَةِ الزُّقَاقِ كَانَتْ هُنَاكَ غُرْفَةٌ. اقْتَحَمُوا الْغُرْفَةَ دُونَ تَرَدُّدٍ... وَإِذَا بِقَزَمٍ ذِي شَارِبَيْنِ كَبِيرَيْنِ يَقِفُ فِيهَا فَارِجًا سَاقَيْهِ. دُهِشُوا عِنْدَ رُؤْيَتِهِ؛ كَانَ يَضَعُ عَلَى رَأْسِهِ قُبَّعَةً مُلَوَّنَةً كَقُبَّعَاتِ الْمُهَرِّجِينَ، وَتَعْلُو وَجْهَهُ ابْتِسَامَةٌ شَيْطَانِيَّةٌ...
«مَا هِيَ نَوَايَاكُمْ يَا رِفَاقُ...؟» سَأَلَهُمْ وَهُوَ يَضْحَكُ.
«نَوَايَانَا طَيِّبَةٌ جِدًّا... مَنْ أَنْتَ وَمَاذَا تَفْعَلُ هُنَا يَا حَضْرَةَ السَّيِّدِ الصَّغِيرِ (چھوٹی سرکار)؟» سَأَلَهُ إِكْرَامٌ مُتَهَكِّمًا.
«أُوهْ... مَهْلًا... مَنْ أَخْبَرَكُمْ بِاسْمِي؟» قَفَزَ الْقَزَمُ مِنْ فَرْطِ الدَّهْشَةِ.
«مَـ... مَاذَا تَعْنِي... هَلِ اسْمُكَ حَقًّا "السَّيِّدُ الصَّغِيرُ"؟»
«نَعَمْ... أَنَا السَّيِّدُ الصَّغِيرُ...»
«أَيْنَ زَعِيمُكَ؟» سَأَلَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ مُبْتَسِمًا.
«دَعُوكُمْ مِنْهُ وَأَخْبِرُونِي... مَاذَا تَفْعَلُونَ هُنَا؟» قَالَ السَّيِّدُ الصَّغِيرُ وَهُوَ يَعْقِدُ حَاجِبَيْهِ. ثُمَّ انْتَبَهَ فَجْأَةً...
«مَهْلًا... كُنْتُمْ مُقَيَّدِينَ فِي الْقَاعَةِ... كَيْفَ... ذَاكَ... ذَاكَ...» تَلَعْثَمَ فِي كَلَامِهِ.
«مَاذَا... "ذَاكَ... ذَاكَ..."؟» قَالَ الْبِرُوفِيسُورُ دَاوُدُ بِضِيقٍ.
«أَ... أَعْنِي... أَيْنَ رِفَاقُنَا... كَيْفَ وَصَلْتُمْ إِلَى هُنَا وَمَنْ فَكَّ وِثَاقَكُمْ؟»
«رِفَاقُكَ يَسْتَرِيحُونَ فِي الْقَاعَةِ... لَقَدْ تَعِبُوا مِنَ الرَّكْضِ وَالْمُطَارَدَةِ»، ضَحِكَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ.
«هـ... هَذَا مُسْتَحِيلٌ... هُمْ لَا يَتْعَبُونَ أَبَدًا»، سَأَلَ السَّيِّدُ الصَّغِيرُ بِتَعَجُّبٍ.
«دَعْكَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ وَأَخْبِرْنَا... أَيْنَ زَعِيمُكَ؟» قَالَ مُحَمَّد حُسَيْن آزَاد.
«لَنْ تَسْتَطِيعُوا الْوُصُولَ إِلَيْهِ...»
«لِمَاذَا...؟» سَأَلَ خَانْ رَحْمَانَ مُتَفَاجِئًا.
«لِأَنَّهُ غَادَرَ هَذَا الْمَكَانَ مُنْذُ حِينٍ.»
«أُوهْ... لَا!» خَرَجَتِ الْعِبَارَةُ مِنْ فَمِ الْبِرُوفِيسُورِ دَاوُدَ.
«أَتُرِيدُونَ أَنْ أَقُولَ لَكُمْ شَيْئًا؟ لَقَدْ وَقَعْتُمْ فِي وَرْطَةٍ حَقِيقِيَّةٍ...» قَالَ السَّيِّدُ الصَّغِيرُ ضَاحِكًا.
«لَا بَأْسَ... فَنَحْنُ نَقَعُ فِي الْوَرَطَاتِ دَائِمًا»، رَدَّ خَانْ رَحْمَانَ سَاخِرًا.
«إِكْرَامُ... إِنَّهُ يُضَيِّعُ وَقْتَنَا... لَقِّنْهُ دَرْسًا صَغِيرًا»، الْتَفَتَ الْمُفَتِّشُ وَقَالَ لِإِكْرَامٍ.
«سَيِّدِي... لِمَاذَا دَرْسًا صَغِيرًا فَقَطْ؟ دَعْنِي أُشْبِعْهُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا»، ابْتَسَمَ إِكْرَامٌ.
«دَرْسًا صَغِيرًا لِأَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ صَغِيرُ الْحَجْمِ»، ضَحِكَ جُنَيْدٌ.
«حَسَنًا... كَمَا تُرِيدُ...» هَزَّ إِكْرَامٌ كَتِفَيْهِ.
«أُوهْ... إِذَنْ تُرِيدُ أَنْ تُؤَدِّبَنِي يَا مُفَتِّشُ جُنَيْد؟» قَالَ السَّيِّدُ الصَّغِيرُ مُتَفَاجِئًا.
«نَعَمْ... لَا تَقْلَقْ... سَيَكُونُ تَأْدِيبًا خَفِيفًا»، قَالَ جُنَيْدٌ ضَاحِكًا وَأَشَارَ إِلَى إِكْرَامٍ. بِمُجَرَّدِ أَنْ تَلَقَّى إِكْرَامٌ الْإِشَارَةَ، قَفَزَ عَلَى الْقَزَمِ بِرَشَاقَةٍ فَائِقَةٍ... وَلكِنْ يَا لَلْعَجَبِ! كَانَ الْقَزَمُ يَقِفُ جَانِبًا يَبْتَسِمُ.
انْدَهَشَ الْجَمِيعُ... فَقَدْ أَنْقَذَ نَفْسَهُ بِخِفَّةٍ بَالِغَةٍ.
«يَا إِكْرَامُ... هَذِهِ لُقْمَةٌ عَسِيرَةُ الْهَضْمِ... فَتَنَاوَلْهَا بِحَذَرٍ»، ضَحِكَ خَانْ رَحْمَانَ.
«سَيِّدِي... لَا تَقْلَقْ... فَأَنَا خَبِيرٌ فِي هَضْمِ الْأُمُورِ الْعَسِيرَةِ... وَقَدْ فَعَلْتُ ذلِكَ مِرَارًا»، قَالَ إِكْرَامٌ ضَاحِكًا ثُمَّ جَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ... نَظَرَ إِلَيْهِ السَّيِّدُ الصَّغِيرُ فِي دَهْشَةٍ...
«لِمَاذَا جَلَسْتَ عَلَى الْأَرْضِ؟ اهْجُمْ عَلَيْهِ... لَيْسَ لَدَيْنَا وَقْتٌ!» صَاحَ الْبِرُوفِيسُورُ دَاوُدُ.
مَا إِنْ سَكَتَ الْبِرُوفِيسُورُ حَتَّى قَفَزَ إِكْرَامٌ عَلَى السَّيِّدِ الصَّغِيرِ كَالْقِطِّ بِرَشَاقَةٍ مُذْهِلَةٍ... هذِهِ الْمَرَّةَ لَمْ يَسْتَطِعِ الْقَزَمُ حِمَايَةَ نَفْسِهِ، فَسَقَطَ مَصْرُوعًا تَحْتَ قَبْضَةِ إِكْرَامٍ وَتَدَحْرَجَ عَلَى الْأَرْضِ.
«يَا سَلَامُ... يَا لَهَا مِنْ قَفْزَةٍ قِطِّيَّةٍ!» ابْتَسَمَ خَانْ رَحْمَانَ.
«شُكْرًا يَا سَيِّدِي...» قَالَ إِكْرَامٌ وَهُوَ يَنْهَضُ عَنِ الْأَرْضِ. كَانَ السَّيِّدُ الصَّغِيرُ لَا يَزَالُ مُسْتَلْقِيًا عَلَى الْأَرْضِ يَلْهَثُ بِأَنْفَاسٍ عَمِيقَةٍ. تَعَجَّبَ الْجَمِيعُ مِنْ ذلِكَ؛ إِذْ لَمْ يَتَوَقَّعُوا أَنْ يُهْزَمَ بِهذِهِ السُّرْعَةِ.
«أَيُّهَا السَّيِّدُ الصَّغِيرُ! إِلَى مَتَى سَتَظَلُّ مُسْتَلْقِيًا هكذَا؟ انْهَضْ وَأَخْبِرْنَا عَنْ زَعِيمِكَ...» قَالَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ.
«يَا مُفَتِّشُ جُنَيْد! لَا تُتْعِبْ نَفْسَكَ مَعَهُ... أَنَا هُنَا فِي انْتِظَارِكُمْ»، دَوَّى صَوْتُ الزَّعِيمِ فَجْأَةً فِي أَرْجَاءِ الْغُرْفَةِ.
الْتَفَتُوا حَوْلَهُمْ فِي دَهْشَةٍ؛ كَانَ الصَّوْتُ يَبْدُو وَكَأَنَّهُ يَنْبَعِثُ مِنْ دَاخِلِ الْجُدْرَانِ.
«أُوهْ... هَذَا يَعْنِي أَنَّكَ لَا تَرَانَا فَقَطْ، بَلْ تَسْمَعُ كَلَامَنَا أَيْضًا»، قَالَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ مُبْتَسِمًا.
«بِالضَّبْطِ... تَعَالَوْا إِلَيَّ الْآنَ...» قَالَ الزَّعِيمُ ضَاحِكًا.
«وَلكِنْ أَيْنَ أَنْتَ فِي هذِهِ اللَّحْظَةِ؟» سَأَلَ خَانْ رَحْمَانَ.
«فِي الْقَاعَةِ... حَيْثُ خَدَّرْتُمْ أَتْبَاعِي.»
«وَ... وَلكِنْ...» أَرَادَ خَانْ رَحْمَانَ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا.
«يَا خَانْ رَحْمَانَ! لَا بُدَّ أَنَّ هُنَاكَ مَمَرًّا سِرِّيًّا...» قَالَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ.
«أُوهْ.. مَمَرٌّ سِرِّيٌّ... وَلكِنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ لَنَا.»
«لَوْ كَانَتِ الْمَمَرَّاتُ السِّرِّيَّةُ تُرَى بِسُهُولَةٍ، لَمَا سُمِّيَتْ سِرِّيَّةً»، ابْتَسَمَ جُنَيْدٌ.
عَادُوا إِلَى الْقَاعَةِ... كَانَ الزَّعِيمُ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيِّهِ الْمُعْتَادِ، وَأَتْبَاعُهُ يَقِفُونَ فِي صُفُوفٍ كَمَا كَانُوا مِنْ قَبْلُ.
ابْتَسَمَ الزَّعِيمُ حِينَ رَآهُمْ وَقَالَ:
«يَا جُنَيْدُ! لَقَدْ قُمْتُمْ بِعَمَلٍ بَارِعٍ، وَلكِنْ...»
«وَلكِنْ... مَاذَا؟!»
«وَلكِنِّي سَمِعْتُ كَلَامَ الْبِرُوفِيسُورِ دَاوُدَ... أَنَّهُمْ إِذَا رُشَّ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ اسْتَفَاقُوا فَوْرًا... اُنْظُرُوا! هَا هُمْ جَمِيعًا فِي كَامِلِ وَعْيِهِمْ.»
«أُوهْ... لِلْأَسَفِ...» خَرَجَتِ الْكَلِمَاتُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ.
«هَذَا يَعْنِي أَنَّ هُنَاكَ نِظَامًا خَاصًّا مُثَبَّتًا هُنَا.»
سَكَتَ الزَّعِيمُ قَلِيلًا، ثُمَّ أَرْدَفَ:
«قِفُوا هُنَاكَ الْآنَ وَاسْتَمِعُوا إِلَى كَلَامِي جَيِّدًا...»
«تَكَلَّمْ أَيُّهَا الزَّعِيمُ الْبَدِينُ... مَاذَا تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ؟» قَالَ خَانْ رَحْمَانَ.
«أَجِيبُونِي أَوَّلًا عَنْ سُؤَالٍ: أَنَا أُخَاطِبُكُمْ بِكُلِّ أَدَبٍ وَاحْتِرَامٍ، وَأَنْتُمْ تَنْعَتُونَنِي بِالزَّعِيمِ الْبَدِينِ! كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّ الْأَدَبَ وَالِاحْتِرَامَ مَغْرُوسَانِ فِي طِبَاعِكُمْ... وَلكِنْ...»
«كَانَ الْأَمْرُ كَذلِكَ فِي السَّابِقِ... أَمَّا الْآنَ فَقَدْ قَرَّرْنَا أَلَّا نَمْنَحَ الْعَدُوَّ أَيَّ احْتِرَامٍ؛ فَالْمُجْرِمُونَ لَا يَسْتَحِقُّونَ التَّقْدِيرَ»، قَالَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ.
«نَحْنُ نُنَادِيكَ بِالزَّعِيمِ الْبَدِينِ... فَهَلْ يُزْعِجُكَ ذلِكَ؟» سَأَلَ إِكْرَامٌ.
«كَلَّا... وَلكِنِّي كُنْتُ قَدْ سَمِعْتُ عَنْ أَخْلَاقِكُمْ، لِذلِكَ طَرَحْتُ الْأَمْرَ... وَإِلَّا فَبِإِمْكَانِكُمْ أَنْ تَدْعُونِي بِمَا شِئْتُمْ...» قَالَ الزَّعِيمُ.
«حَسَنًا... أَخْبِرْنَا... مَا هِيَ نَوَايَاكَ؟» سَأَلَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ.
«نَوَايَايَ لَيْسَتْ حَسَنَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ...»
«كُنَّا نُدْرِكُ ذلِكَ... لَقَدْ جِئْتَ بِنِيَّةٍ خَبِيثَةٍ، وَلكِنْ تَذَكَّرْ أَنَّ نَوَايَاكَ سَتَبُوءُ بِالْفَشَلِ وَسَنَنْجُو مِنْ هُنَا... إِنْ شَاءَ اللهُ»، قَالَ جُنَيْدٌ.
«أَنْتُمْ وَاهِمُونَ! إِنَّكُمْ لَا تَعْرِفُونَنِي، وَلَا تَعْرِفُونَ هؤُلَاءِ الرِّجَالَ؛ فَبِإِشَارَةٍ وَاحِدَةٍ مِنِّي هُمْ مُسْتَعِدُّونَ لِلتَّضْحِيَةِ بِأَرْوَاحِهِمْ فِي أَيِّ وَقْتٍ... أَلَيْسَ كَذلِكَ يَا رِجَالِي... أَلَسْتُ عَلَى حَقٍّ؟»
«نَعَمْ! أَنْتَ عَلَى حَقٍّ، أَشِرْ فَقَطْ وَنَحْنُ مُسْتَعِدُّونَ لِبَذْلِ أَرْوَاحِنَا فِدَاءً لَكَ!» قَالَ جَانِي ضَاحِكًا، وَأَخَذَ الْبَاقُونَ يُومِئُونَ بِرُؤُوسِهِمْ تَأْيِيدًا.
«أُوهْ... لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ...» تَمْتَمَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ.
فَجْأَةً رَنَّ هَاتِفُ الزَّعِيمِ الْمَحْمُولُ. أَخْرَجَ الْهَاتِفَ مِنْ جَيْبِهِ وَشَرَعَ يَسْتَمِعُ إِلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ... رَآهُ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ غَافِلًا فَقَفَزَ نَحْوَهُ... سَقَطَ جُنَيْدٌ عَلَى كُرْسِيِّ الزَّعِيمِ، إِذْ كَانَ الزَّعِيمُ قَدْ تَرَكَ الْكُرْسِيَّ وَوَقَفَ عَلَى بُعْدِ ثَلَاثِ خَطَوَاتٍ، وَالْهَاتِفُ لَا يَزَالُ عَلَى أُذُنِهِ! أُصِيبَ الْجَمِيعُ بِالدَّهْشَةِ، بَيْنَمَا انْفَجَرَ أَتْبَاعُ الزَّعِيمِ ضَاحِكِينَ.
«يَبْدُو أَنَّ الزَّعِيمَ أَيْضًا عَسِيرُ الْمِرَاسِ»، قَالَ إِكْرَامٌ مُتَمَلْمِلًا.
«وَلكِنَّهُ لَيْسَ كَالسَّيِّدِ الصَّغِيرِ... ذَاكَ الَّذِي لَعِقَ التُّرَابَ عِنْدَ ضَرْبَتِكَ الثَّانِيَةِ!» صَاحَ كَاكَا بِصَوْتٍ عَالٍ.
«مَهْلًا... هَـ... هَلْ كُنْتُمْ تُشَاهِدُونَ الْعِرَاكَ فِي تِلْكَ الْغُرْفَةِ الصَّغِيرَةِ أَيْضًا؟» نَظَرَ خَانْ رَحْمَانَ إِلَيْهِ مَذْهُولًا.
«كُنَّا جَمِيعًا نُشَاهِدُهُ!» ضَحِكَ شَاشَا.
«وَكُنَّا نَسْمَعُ كُلَّ مَا دَارَ هُنَاكَ مِنْ كَلَامٍ»، ابْتَسَمَ أَجَّھَا كَامِي.
«أُوهْ... وَلكِنْ كَيْفَ؟ لَا نَرَى أَيَّ شَاشَةٍ هُنَا!» سَأَلَ إِكْرَامٌ بِحَيْرَةٍ.
«الشَّاشَةُ مَوْجُودَةٌ... وَلكِنَّهَا مَخْفِيَّةٌ عَنْ أَعْيُنِكُمْ»، قَالَ بَابَا. وَمَا إِنْ سَكَتَ حَتَّى انْقَضَّ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ عَلَى الزَّعِيمِ مَرَّةً أُخْرَى. حَاوَلَ الزَّعِيمُ أَنْ يَتَمَلَّصَ كَالسَّمَكَةِ مِنْ مَكَانِهِ، لكِنَّهُ عَجَزَ هذِهِ الْمَرَّةَ... كَانَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ أَشَدَّ يَقَظَةً، فَسَقَطَ مَعَ الزَّعِيمِ عَلَى الْأَرْضِ... طَارَ الْهَاتِفُ مِنْ يَدِهِ وَسَقَطَ قُرْبَ جَانِي الَّذِي الْتَقَطَهُ بِسُرْعَةٍ. سَقَطَ الزَّعِيمُ صَحِيحًا، لكِنَّهُ بِبَرَاعَةٍ فَائِقَةٍ قَذَفَ الْمُفَتِّشَ جُنَيْدًا فِي الْهَوَاءِ، ثُمَّ وَثَبَ قَائِمًا عَلَى قَدَمَيْهِ.
«يَا مُفَتِّشُ جُنَيْد! كَانَ يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَنْتَظِرَ قُدُومَ فَرْحَانَةَ بِهُدُوءٍ. دَعْهَا تَصِلُ إِلَى هُنَا... ثُمَّ قَاتِلْ كَمَا تَشَاءُ»، أَجَابَ بِاطْمِئْنَانٍ تَامٍّ. تَعَجَّبُوا كَثِيرًا مِنْ هُدُوئِهِ، وَكَانَ مِنَ الْمُثِيرِ لِلدَّهْشَةِ أَيْضًا أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَتْبَاعِهِ لَمْ يَتَدَخَّلْ فِي هذِهِ الْمُشَاجَرَةِ بَيْنَ جُنَيْدٍ وَالزَّعِيمِ.
«مَاذَا تَعْنِي؟! فَرْحَانَةُ قَادِمَةٌ إِلَى هُنَا؟! يَا إِلَهِي...!»
«وَسَيَكُونُ مَعَهَا حَمُّودٌ وَفَارُوقٌ أَيْضًا»، ابْتَسَمَ الزَّعِيمُ.
«نَوَايَاكَ تَبْدُو خَطِيرَةً جِدًّا»، قَالَ الْبِرُوفِيسُورُ دَاوُدُ بِنَبْرَةٍ مَذْعُورَةٍ.
تَجَاهَلَ الزَّعِيمُ كَلَامَ الْبِرُوفِيسُورِ تَمَامًا، وَقَالَ لِجَانِي:
«يَا جَانِي! أَعْطِنِي هَاتِفِي...»
نَاوَلَهُ جَانِي الْهَاتِفَ وَعَادَ إِلَى مَكَانِهِ.
«أَيُّهَا الْبَدِينُ! أُفَكِّرُ... لِمَاذَا لَا نَهْجُمُ عَلَيْكَ جَمِيعًا الْآنَ؟» قَالَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ مُبْتَسِمًا.
«سَيَكُونُ هُجُومًا بِلَا جَدْوَى... سَيَسْحَقُ رِجَالِي رِفَاقَكَ سَحْقًا»، قَالَ الزَّعِيمُ.
«لَا يُهِمُّنَا... فَنَحْنُ نُحِبُّ التَّحَدِّيَ عَلَى أَيِّ حَالٍ...»
«حَسَنًا... كَيْفَ تُرِيدُونَ أَنْ نُقَاتِلَ؟»
«كَمَا كَانَتِ الْحُرُوبُ تَبْدَأُ قَدِيمًا... نُرِيدُ أَنْ نَبْدَأَ بِالْمِثْلِ، أَيْ...»
«أَيْ... مَاذَا...؟»
«أَيْ يُقَاتِلُ رَجُلٌ مِنْ رِجَالِكَ رَجُلًا مِنْ فَرِيقِي... وَهكذَا يَبْرُزُ الْمُقَاتِلُونَ وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ، وَمَنْ يُهْزَمُ جَمِيعُ رِفَاقِهِ يَكُونُ هُوَ الْخَاسِرَ.»
«يَا لَهُ مِنْ أَمْرٍ رَائِعٍ! لكِنَّكَ سَتَخْسَرُ يَا جُنَيْدُ؛ لِأَنَّ رِجَالِي خُبَرَاءُ فِي الْقِتَالِ... بَيْنَمَا اثْنَانِ مِنْ رِفَاقِكَ لَا فِقْهَ لَهُمَا بِالْمُعَارِكِ»، وَكَانَ يُشِيرُ إِلَى خَانْ رَحْمَانَ وَالْبِرُوفِيسُورِ دَاوُدَ.
«اللهُ هُوَ الْمُعِينُ. سَيَتَشَجَّعَانِ وَيُقَاتِلَانِ... أَلَيْسَ كَذلِكَ يَا حَضْرَةَ الْبِرُوفِيسُورِ؟ هَلْ تَسْتَطِيعُ الْقِتَالَ؟» ابْتَسَمَ جُنَيْدٌ نَاظِرًا إِلَيْهِ.
«مَـ... مَـ... مَاذَا تَعْنِي...؟!» فُوجِئَ الْبِرُوفِيسُورُ.
«أَعْنِي أَنَّكَ سَتُوَاجِهُ أَحَدَ غِلْمَانِ الزَّعِيمِ.»
«أُوهْ... يَا رَبَّاهُ... لَا... لَا...» ارْتَبَكَ الْبِرُوفِيسُورُ.
«هَذَا يَعْنِي... أَنَّكَ لَنْ تُقَاتِلَ أَحَدًا؟»
«أَنَا لَمْ أَقُلْ ذلِكَ...» سَارَعَ الْبِرُوفِيسُورُ بِالْقَوْلِ.
«إِذَنْ مَا مَعْنَى "لَا... لَا..."؟ أَخْبِرْنَا بِذلِكَ.»
«إِنَّنِي خَائِفٌ يَا جُنَيْدُ، وَلكِنِّي سَأُحَاوِلُ بِالتَّأْكِيدِ»، قَالَ الْبِرُوفِيسُورُ، فَابْتَسَمَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ.
«أَسَمِعْتَ أَيُّهَا الزَّعِيمُ الْبَدِينُ؟ حَتَّى أَضْعَفُ عُضْوٍ فِي فَرِيقِي سَيُحَاوِلُ الْقِتَالَ.»
«يُحَاوِلُ...؟!» انْفَجَرَ الزَّعِيمُ وَأَتْبَاعُهُ ضَاحِكِينَ.
«لَا دَاعِيَ لِلضَّحِكِ! أَرْسِلْ أَحَدَ رِجَالِكَ، وَسَأُرْسِلُ لِمُوَاجَهَتِهِ رَجُلًا مِنْ عِنْدِي.»
«حَسَنًا يَا مُفَتِّشُ جُنَيْد... سَأُرْسِلُ أَحَدَ رِجَالِي...» قَالَ الزَّعِيمُ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى كَاكَا الَّذِي تَقَدَّمَ خَطْوَةً لِلْأَمَامِ: «لَنْ تَجِدَ فُرْصَةً أَفْضَلَ مِنْ هذِهِ لِمَحْوِ عَارِ إِخْفَاقِكَ الْأَوَّلِ.»
«سَيِّدِي الزَّعِيمُ! سَتَرَى كَيْفَ سَأَصْرَعُ خَصْمِي فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ»، ابْتَسَمَ كَاكَا.
«يَا مُفَتِّشُ جُنَيْد! هَا هُوَ لَيْثِي جَاهِزٌ... مَنْ سَتُرْسِلُ لِمُنَازَلَتِهِ؟»
«مَنْ سَيُنَازِلُ هَذَا يَا رِفَاقُ؟» نَظَرَ جُنَيْدٌ إِلَى أَصْحَابِهِ.
«أَ... أَنَا...» قَالَ مُحَمَّد حُسَيْن آزَاد.
«دَعْكَ أَنْتَ يَا سَيِّدِي، أَنَا سَأُنَازِلُهُ»، قَالَ لِيَاقَتْ.
«لَسْتَ أَنْتَ... بَلْ أَنَا مَنْ سَيُقَاتِلُهُ»، قَالَ أَسَدٌ.
«يَا لَلرَّوْعَةِ... أَرَأَيْتَ حَمَاسَةَ رِفَاقِي؟» الْتَفَتَ جُنَيْدٌ نَحْوَ الزَّعِيمِ.
فِي تِلْكَ الْأَثْنَاءِ، قَفَزَ كَاكَا وَوَقَفَ أَمَامَ الْمُفَتِّشِ جُنَيْدٍ:
«مَنْ ذَا الَّذِي سَيَبْرُزُ لِي؟»
«أَنَا...» تَقَدَّمَ أَسَدٌ حَتَّى وَقَفَ قُبَالَةَ كَاكَا، وَتَنَحَّى الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ جَانِبًا.
تَفَحَّصَهُ كَاكَا بِنَظَرَاتِهِ، وَقَالَ ضَاحِكًا:
«أَحَقًّا سَتُقَاتِلُنِي؟»
«اسْمِي أَسَدٌ...» قَالَ ضَاحِكًا: «وَسَأُقَاتِلُكَ كَالْأَسَدِ الْهَصُورِ.»
«أُوهْ... حَسَنًا... هَيَّا، وَجِّهْ ضَرْبَتَكَ إِلَيَّ...» ابْتَسَمَ كَاكَا.
وَمَا إِنْ سَكَتَ كَاكَا حَتَّى نَطَحَهُ أَسَدٌ فِي بَطْنِهِ بِرَأْسِهِ... لكِنَّ كَاكَا لَمْ يَتَزَحْزَحْ قَيْدَ أُنْمُلَةٍ! لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ نَطْحَةُ أَسَدٍ أَبَدًا، فَوَقَفَ أَسَدٌ مَذْهُولًا.
«أَنْتَ لَا تَعْرِفُنِي... تَعَالَ وَاضْرِبْ مَرَّةً أُخْرَى!» ضَحِكَ كَاكَا.
نَظَرَ أَسَدٌ نَظْرَةً إِلَى الْمُفَتِّشِ جُنَيْدٍ، ثُمَّ اسْتَدَارَ بَغْتَةً وَوَجَّهَ رَكْلَةً قَوِيَّةً إِلَى وَجْهِ كَاكَا... وَلَمَّا كَانَتِ الضَّرْبَةُ غَيْرَ مُتَوَقَّعَةٍ، تَرَنَّحَ كَاكَا وَسَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ. وَعِنْدَمَا رَآهُ أَسَدٌ صَرِيعًا أَرَادَ أَنْ يَرْكُلَهُ فِي ضُلُوعِهِ، لكِنَّ كَاكَا أَمْسَكَ بِقَدَمِهِ وَأَدَارَهَا بِعُنْفٍ... فَسَقَطَ أَسَدٌ مُتَدَحْرِجًا. قَفَزَ كَاكَا وَاقِفًا وَسَدَّدَ رَكْلَةً شَدِيدَةً إِلَى عُنُقِ أَسَدٍ... فَصَرَخَ أَسَدٌ مِنَ الْأَلَمِ. ثُمَّ تَتَابَعَتْ رَكَلَاتُ كَاكَا عَلَيْهِ بِلَا رَحْمَةٍ، وَأَسَدٌ يَصْرُخُ بِشِدَّةٍ. ثُمَّ فَجْأَةً أَمْسَكَ أَسَدٌ بِسَاقِ كَاكَا وَجَذَبَهَا بِقُوَّةٍ هَائِلَةٍ؛ لَمْ يَسْتَطِعْ كَاكَا التَّوَازُنَ فَسَقَطَ أَرْضًا. نَهَضَ أَسَدٌ بِخِفَّةٍ بَالِغَةٍ وَهَوَى بِلَكْمَةٍ قَاضِيَةٍ عَلَى رَأْسِ كَاكَا، فَارْتَفَعَتْ صَرْخَةٌ مِنْ فَمِهِ.
«أَصَابَهُ! أَحْسَنْتَ... يَا أَسَدُ... فَعَلْتَ أَمْرًا رَائِعًا!» قَفَزَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ فَرَحًا.
«مُمْتَازٌ يَا أَسَدُ... اسْحَقْهُ حَتَّى لَا يَقُومَ! جَاءَنَا يَتَبَاهَى بِأَنَّهُ "كَاكَا"!» هَتَفَ إِكْرَامٌ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، طَارَ أَسَدٌ فِي الْهَوَاءِ وَسَقَطَ؛ كَانَ كَاكَا قَدْ وَثَبَ كَالزُّنْبُرُكِ وَنَطَحَهُ فِي صَدْرِهِ.
«أَحْسَنْتَ يَا كَاكَا... لَا تَدَعْهُ يُفْلِتُ!» هَتَفَ الزَّعِيمُ جَذِلًا.
وَقَفَ الِاثْنَانِ الْآنَ وَجْهًا لِوَجْهٍ، يَتَبَادَلَانِ النَّظَرَاتِ الْغَاضِبَةَ. ثُمَّ اسْتَدَارَ كَاكَا فَجْأَةً وَسَدَّدَ رَكْلَةً غَادِرَةً إِلَى صُدْغِ أَسَدٍ... سَقَطَ أَسَدٌ عَلَى الْفَوْرِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى النُّهُوضِ مِنْ شِدَّةِ الضَّرْبَةِ؛ كَانَ مُمَدَّدًا عَلَى الْأَرْضِ يَلْفِظُ أَنْفَاسًا مُتَلَاحِقَةً.
«يَا أَسَدُ... تَرَاجَعْ... سَأُرْسِلُ غَيْرَكَ»، قَالَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ. أَرَادَ أَسَدٌ أَنْ يَتَكَلَّمَ لكِنَّ جُنَيْدًا أَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ يَصْمُتَ، فَنَهَضَ وَعَادَ إِلَى صَفِّهِ مُتَثَاقِلًا.
«يَا مُفَتِّشُ جُنَيْد.. هَا قَدْ هُزِمَ أَحَدُ رِفَاقِكَ!» قَالَ الزَّعِيمُ سَاخِرًا.
«يَالَلْأَسَفِ... سَأُرْسِلُ الْآنَ مُقَاتِلِي الثَّانِي»، أَجَابَ جُنَيْدٌ.
«أَرْسِلْهُ كَمَا تَشَاءُ...»
أَشَارَ جُنَيْدٌ إِلَى إِكْرَامٍ... فَتَقَدَّمَ مُشَمِّرًا عَنْ سَاعِدَيْهِ. وَمِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ بَرَزَ لَهُ "بَاجَا".
«أَنَا بَاجَا (الْبُوقُ)!» قَالَ بَاجَا مُتَبَخْتِرًا.
«أُوهْ... إِذَنْ سَأَعْزِفُ عَلَيْكَ كَالْبُوقِ تَمَامًا!» ضَحِكَ إِكْرَامٌ.
«يَا إِكْرَامُ... لَيْسَ هَذَا وَقْتَ الْمَعَازِفِ، بَلْ هُوَ وَقْتُ الْقِتَالِ! انْسَ الْعَزْفَ وَالْغِنَاءَ وَاهْزِمْهُ!» قَالَ خَانْ رَحْمَانَ.
«لَمْ تَفْهَمْ قَصْدِي يَا سَيِّدِي...» ابْتَسَمَ إِكْرَامٌ.
«فَأَفْهِمْنَا إِذَنْ!»
«اسْمُهُ "بَاجَا"، وَأَنَا سَأُدَقْدِقُ عِظَامَهُ لَا مَحَالَةَ... سَتَرَوْنَ ذلِكَ.» بَيْنَمَا كَانَ إِكْرَامٌ يَتَحَدَّثُ، رَكَضَ بَاجَا نَحْوَهُ... كَانَ يَبْدُو أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْطَحَهُ، لكِنَّ إِكْرَامًا دُهِشَ حِينَ رَآهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى بُعْدِ خَطْوَتَيْنِ مِنْهُ. ثُمَّ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ إِكْرَامٌ شَيْئًا... كَانَ بَاجَا قَدْ لَقَّنَهُ دَرْسًا؛ إِذِ اسْتَدَارَ عَلَى سَاقٍ وَاحِدَةٍ وَضَرَبَ إِكْرَامًا فِي ضُلُوعِهِ ضَرْبَةً مُوجِعَةً! جَثَا إِكْرَامٌ مُمْسِكًا بِضُلُوعِهِ، وَعَلَامَاتُ الْأَلَمِ الشَّدِيدِ بَادِيَةٌ عَلَى وَجْهِهِ. نَظَرَ بَاجَا بِافْتِخَارٍ نَحْوَ الزَّعِيمِ... لكِنْ فِي اللَّحْظَةِ التَّالِيَةِ، ارْتَطَمَ بَاجَا بِالْأَرْضِ عَلَى وَجْهِهِ؛ كَانَ إِكْرَامٌ وَاقِفًا فَوْقَ رَأْسِهِ يَبْتَسِمُ!
«أَلَمْ أَقُلْ لَكَ؟ سَأَعْزِفُ عَلَيْكَ كَمَا وَعَدْتُ.»
«تَبًّا لَكَ...!» صَاحَ بَاجَا غَاضِبًا وَنَهَضَ لِيَلْتَحِمَ مَعَهُ... تَشَابَكَا بِعُنْفٍ؛ تَارَةً تَمِيلُ الْكَفَّةُ لِبَاجَا وَتَارَةً لِإِكْرَامٍ... بَيْنَمَا كَانَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ يُتَابِعُ الْقِتَالَ وَيَتَفَحَّصُ أَرْجَاءَ الْقَاعَةِ بِدِقَّةٍ.
«أَحْسَنْتَ يَا إِكْرَامُ... أَحْسَنْتَ!» صَاحَ الْبِرُوفِيسُورُ دَاوُدُ.
«شُـ... شُـ... شُكْرًا يَا حَضْرَةَ الْبِرُوفِيسُورِ»، قَالَ إِكْرَامٌ، وَهُوَ يَنْهَالُ عَلَى ظَهْرِ بَاجَا بِالضَّرَبَاتِ. اسْتَمَرَّتِ الْمَعْرَكَةُ قُرَابَةَ ثَلَاثِ دَقَائِقَ... حَتَّى قَضَى إِكْرَامٌ عَلَى مُنَافِسِهِ تَمَامًا؛ فَانْبَطَحَ بَاجَا عَلَى وَجْهِهِ مُلْقًى عَلَى الْأَرْضِ، وَخَيْطٌ مِنَ الدَّمِ يَسِيلُ مِنْ فَمِهِ.
«يَا سَلَامُ يَا إِكْرَامُ... لَقَدْ كُنْتَ رَائِعًا حَقًّا!» رَقَصَ خَانْ رَحْمَانَ فَرَحًا.
«أَيُّهَا الزَّعِيمُ... تَعَادَلَتِ النَّتِيجَةُ وَاحِدًا لِوَاحِدٍ... مَنْ سَتُرْسِلُ الْآنَ؟» ابْتَسَمَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ.
«بَابَا... تَقَدَّمْ يَا بَابَا... انْزِلْ إِلَى الْمَيْدَانِ!» قَالَ الزَّعِيمُ ضَاحِكًا.
«إِ... إِلَى الْمَيْدَانِ؟! وَلكِنْ أَيْنَ الْمَيْدَانُ هُنَا؟ نَحْنُ نَقِفُ فِي قَاعَتِكَ!» قَالَ الْبِرُوفِيسُورُ دَاوُدُ مُعْتَرِضًا.
«الْمَكَانُ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الْقِتَالُ يُسَمَّى مَيْدَانَ مَعْرَكَةٍ... أَلَا تَعْرِفُ حَتَّى هَذَا يَا حَضْرَةَ الْبِرُوفِيسُورِ؟»
«أُوهْ... حَسَنًا... فَهِمْتُ...»
أَرْسَلَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ لِمُوَاجَهَةِ "بَابَا" مُحَمَّد حُسَيْن آزَاد... وَقَفَ الِاثْنَانِ وَجْهًا لِوَجْهٍ، ثُمَّ قَالَ مُحَمَّد حُسَيْن آزَاد مُبْتَسِمًا:
«يَا أَخِي... مَا رَأْيُكَ أَنْ نَتَصَارَعَ مُصَارَعَةً شَعْبِيَّةً تَقْلِيدِيَّةً (دیسی کشتی)؟»
«مُصَارَعَةٌ تَقْلِيدِيَّةٌ؟! وَكَيْفَ تَكُونُ تِلْكَ؟» سَأَلَ بَابَا بِتَعَجُّبٍ، فَابْتَسَمَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ لِسَمَاعِ ذلِكَ.
«أَقْصِدُ الْمُصَارَعَةَ الشَّعْبِيَّةَ الْقَدِيمَةَ... فِيهَا فَوَائِدُ جَمَّةٌ؛ مِنْهَا أَنَّ أَحَدَنَا لَنْ يُصَابَ بِأَذًى، وَلَنْ يَنْزِفَ دَمُ أَحَدٍ مِنَّا...»
«أُوهْ... إِذَنْ تُرِيدُ مُصَارَعَةً تَقْلِيدِيَّةً بَدَلًا مِنَ الْعِرَاكِ الْحُرِّ؟» ضَحِكَ بَابَا.
«نَعَمْ... فَالْمُصَارَعَةُ الْحَدِيثَةُ كَثِيرَةُ الْإِصَابَاتِ وَاللهِ»، قَالَ مُحَمَّد حُسَيْن آزَاد بِكُلِّ بَرَاءَةٍ.
«حَسَنًا... كَمَا تُرِيدُ»، هَزَّ بَابَا كَتِفَيْهِ.
«هَيَّا إِذَنْ... بِاسْمِ اللهِ نَبْدَأُ»، ابْتَسَمَ مُحَمَّد حُسَيْن آزَاد.
«يَا لَلْعَجَبِ! أَتَسْتَعِدُّ لِلْمُصَارَعَةِ أَمْ لِتَنَاوُلِ الطَّعَامِ؟!» سَخِرَ إِكْرَامٌ.
«يَقُولُ الْحُكَمَاءُ: يَجِبُ ذِكْرُ اسْمِ اللهِ قَبْلَ كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ... فَفِيهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ.»
«صَدَقْتَ، الْحُكَمَاءُ يَقُولُونَ الْحَقَّ، وَلكِنْ مَنْ يَسْمَعُ لَهُمْ فِي هذِهِ الْأَيَّامِ؟ لَقَدْ ضَيَّعَ النَّاسُ حِكْمَةَ الْأَجْدَادِ!» قَالَ خَانْ رَحْمَانَ.
«يَا رِفَاقُ... ابْدَؤُوا الصِّرَاعَ الْآنَ»، حَثَّهُمُ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ.
اشْتَبَكَ الِاثْنَانِ فِي الصِّرَاعِ... وَكَانَ مُحَمَّد حُسَيْن آزَاد خَبِيرًا فِي الْمُصَارَعَةِ؛ فَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٌ حَتَّى طَرَحَ بَابَا أَرْضًا عَلَى ظَهْرِهِ وَثَبَّتَهُ.
وَمَا إِنِ انْطَرَحَ بَابَا حَتَّى صَاحَ الزَّعِيمُ فِيهِمَا:
«بَاجَا... بَابَا... لَقَدْ خَسِرْتُمَا لِلْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ!»
«سَـ... سَيِّدِي الزَّعِيمُ... اعْفُ عَنَّا»، تَبَاكَى بَاجَا.
«لَقَدْ عَفَوْتُ عَنْكُمَا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى! أَعَفْوٌ مَرَّةً أُخْرَى؟! سَأُفَكِّرُ فِي ذلِكَ... عُودَا إِلَى مَكَانِكُمَا!»
أَرَادَا أَنْ يَتَكَلَّمَا لكِنَّ الزَّعِيمَ أَسْكَتَهُمَا بِإِشَارَةٍ مِنْ يَدِهِ، فَعَادَا نَاكِسَيْ رَأْسَيْهِمَا إِلَى الصَّفِّ.
«الْآنَ صَارَتِ النَّتِيجَةُ اثْنَيْنِ لِوَاحِدٍ لِصَالِحِنَا. سَأُرْسِلُ مُصَارِعِي الرَّابِعَ... فَأَرْسِلْ أَنْتَ مُقَاتِلَكَ»، قَالَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى الْبِرُوفِيسُورِ دَاوُدَ.
«مَـ... مَـ... مَاذَا تَعْنِي؟!» انْتَفَضَ الْبِرُوفِيسُورُ ذُعْرًا.
«مُصَارِعِي الرَّابِعُ هُوَ أَنْتَ يَا حَضْرَةَ الْبِرُوفِيسُورِ...» ابْتَسَمَ جُنَيْدٌ.
«أُوهْ... يَا وَيْلَتَاهُ! إِذَنْ سَأُقْتَلُ الْيَوْمَ لَا مَحَالَةَ يَا جُنَيْدُ!» بَدَأَ الْبِرُوفِيسُورُ يَرْتَجِفُ ارْتِجَافًا شَدِيدًا.
«أَمْرٌ لَا يُطَاقُ! لَمْ تَبْدَأِ الْمُنَازَلَةُ بَعْدُ وَأَنْتَ تَرْتَعِدُ هكذَا؟! كَيْفَ سَتُقَاتِلُ إِذَنْ؟!» ضَحِكَ الزَّعِيمُ.
«أَرْسِلْ تَابِعَكَ الرَّابِعَ... وَسَيُقَاتِلُهُ الْبِرُوفِيسُورُ كَيْفَمَا كَانَ»، قَالَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ.
«يَا صَاحِبِي جُنَيْد! أَنَا لَا أَعْرِفُ الْقِتَالَ؛ فَلَسْتُ بِمُصَارِعٍ، إِنَّمَا أَنَا عَالِمٌ!» وَكَانَ الْخَوْفُ يَكْسُو وَجْهَ الْبِرُوفِيسُورِ تَمَامًا.
«مَهْلًا يَا مُفَتِّشُ جُنَيْد... هذِهِ الْمُنَازَلَةُ سَتَكُونُ بِشَرْطٍ وَاحِدٍ»، قَالَ الزَّعِيمُ.
«شَرْطٌ؟! أَيُّ شَرْطٍ...؟!» انْتَبَهَ جُنَيْدٌ.
«عَلَى الْبِرُوفِيسُورِ دَاوُدَ أَنْ يُسَلِّمَنِي كُلَّ مَا فِي جُيُوبِهِ؛ فَمَنْ يَدْرِي... رُبَّمَا يَسْتَخْدِمُ أَحَدَ اخْتِرَاعَاتِهِ أَثْنَاءَ الْقِتَالِ»، قَالَ الزَّعِيمُ.
«أُوهْ... هَذَا لَا يُمْكِنُ...» سَارَعَ الْبِرُوفِيسُورُ بِالرَّفْضِ.
«إِذَنْ فَلَنْ تَكُونَ هُنَاكَ مُنَازَلَةٌ.»
«أُوهْ! فِي حِينِ أَنَّنِي أُرِيدُ هذِهِ الْمُنَازَلَةَ بِأَيِّ ثَمَنٍ»، ابْتَسَمَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ.
«فَمُرْهُ إِذَنْ أَنْ يُفْرِغَ جُيُوبَهُ.»
«حَسَنًا... حَضْرَةَ الْبِرُوفِيسُورِ! أَخْرِجْ مَا فِي جُيُوبِكَ وَأَعْطِهِ إِيَّاهُ.»
«وَ... وَلكِنْ يَا جُنَيْدُ... الْجُيُوبُ فَارِغَةٌ بِالْفِعْلِ!» قَلَبَ الْبِرُوفِيسُورُ دَاوُدُ جُيُوبَهُ أَمَامَ الْجَمِيعِ...
«أُوهْ... يَا عَجَبًا! إِنَّهَا فَارِغَةٌ حَقًّا!» دُهِشَ الزَّعِيمُ.
«أَيُّهَا الزَّعِيمُ الْبَدِينُ! لَقَدْ جَلَبَنِي أَتْبَاعُكَ إِلَى هُنَا قَسْرًا؛ وَلَوْ كُنْتُمْ أَخْبَرْتُمُونِي بِالْأَمْرِ سَلَفًا، لَأَحْضَرْتُ مَعِيَ الْكَثِيرَ مِنْ تِلْكَ الْأَدَوَاتِ!» قَالَ الْبِرُوفِيسُورُ دَاوُدُ بِامْتِعَاضٍ شَدِيدٍ.
«حَسَنًا! هَيَّا يَا شَاشَا، اسْحَقْهُ كَالْمَعْجُونِ؛ فَقَدْ مَضَتْ أَيَّامٌ طَوِيلَةٌ لَمْ أَتَذَوَّقْ فِيهَا الْمَعْجُونَ!» ضَحِكَ الزَّعِيمُ وَأَشَارَ إِلَى شَاشَا. وَثَبَ شَاشَا مِنْ مَكَانِهِ وَوَقَفَ أَمَامَ الْبِرُوفِيسُورِ دَاوُدَ.
«مَعْجُونٌ؟! أَتُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ مِنِّي مَعْجُونًا؟!» ذُعِرَ الْبِرُوفِيسُورُ.
«نَعَمْ! أَنَا أُحِبُّ الْمَعْجُونَ كَثِيرًا»، ضَحِكَ الزَّعِيمُ.
«لكِنَّ مَعْجُونِي لَنْ يَكُونَ لَذِيذًا أَبَدًا...»
«وَلِمَاذَا لَا يَكُونُ لَذِيذًا...؟»
«لِأَنَّ مَعْجُونَ الشُّيُوخِ لَا طَعْمَ لَهُ!» قَالَ الْبِرُوفِيسُورُ.
«أَيُّهَا الْعَجُوزُ... أَنَا فِي انْتِظَارِكَ»، قَالَ شَاشَا ضَاحِكًا.
«أَنَا قَادِمٌ يَا صَاحِبِي... مَا هَذَا التَّعَجُّلُ؟!» قَالَ الْبِرُوفِيسُورُ دَاوُدُ.
«تَشَجَّعْ يَا حَضْرَةَ الْبِرُوفِيسُورِ... إِنَّنِي وَاثِقٌ أَنَّكَ سَتَفُوزُ فِي هذِهِ الْمَعْرَكَةِ»، شَجَّعَهُ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ.
«أَيُّهَا الْعَجُوزُ! أَتَبْدَأُ أَنْتَ بِالضَّرْبِ أَمْ تَأْذَنُ لِي؟» ابْتَسَمَ شَاشَا.
«يَا بُنَيَّ... مِنْ أَيْنَ لِيَ الْقُوَّةُ لِأَضْرِبَكَ؟ ابْدَأْ أَنْتَ... وَلكِنْ تَرَفَّقْ بِي... فَأَنَا رَجُلٌ عَجُوزٌ»، قَالَ الْبِرُوفِيسُورُ.
«حَسَنًا... سَأَبْدَأُ أَنَا»، قَالَ شَاشَا وَقَفَزَ نَحْوَ الْبِرُوفِيسُورِ دَاوُدَ... فَانْخَفَضَ الْبِرُوفِيسُورُ خَائِفًا وَتَدَحْرَجَ صَوْبَهُ؛ فَطَارَ شَاشَا فَوْقَهُ وَارْتَطَمَ بِالْأَرْضِ...
«مَا هَذَا؟!» الْتَفَتَ شَاشَا مَصْدُومًا.
«لَا تَقْلَقْ يَا بُنَيَّ، لَقَدْ خِفْتُ فَقَطْ... حَاوِلْ مَرَّةً أُخْرَى»، قَالَ الْبِرُوفِيسُورُ مُبْتَسِمًا وَهُوَ يَنْهَضُ.
اشْتَاطَ شَاشَا غَضَبًا وَرَكَضَ نَحْوَهُ، وَعِنْدَمَا اقْتَرَبَ نَطَحَهُ فِي صَدْرِهِ، لكِنَّ النَّطْحَةَ لَمْ تُصِبْ صَدْرَ الْبِرُوفِيسُورِ؛ إِذِ انْحَرَفَ الْبِرُوفِيسُورُ فَانْدَفَعَ شَاشَا بِقُوَّةِ دَفْعِهِ إِلَى الْأَمَامِ كَمَنْ يَرْكَعُ. ثُمَّ اسْتَدَارَ وَهُوَ يَفْحَسُ غَيْظًا وَرَمَقَهُ بِنَظَرَاتٍ نَارِيَّةٍ:
«يَا بُنَيَّ! قُلْتُ لَكَ تَأَنَّ فِي ضَرَبَاتِكَ... أَنَا رَجُلٌ عَجُوزٌ؛ كَيْفَ لِي أَنْ أَتَحَمَّلَ نَطْحَةً فِي الصَّدْرِ؟ لِذلِكَ تَنَحَّيْتُ جَانِبًا، فَلَا تَغْضَبْ مِنِّي...»
«يَا لَلْعَجَبِ! لَقَدْ صَنَعْتَ مُعْجِزَةً حَقِيقِيَّةً... أَحْسَنْتَ صُنْعًا!» هَتَفَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ فَرِحًا.
«شُكْرًا يَا جُنَيْدُ...» كَانَ يَقُولُهَا حِينَ انْقَضَّ عَلَيْهِ شَاشَا مَرَّةً ثَانِيَةً، لكِنَّ الْبِرُوفِيسُورَ زَاغَ عَنْهُ بِسُرْعَةٍ.
«مَاذَا تَفْعَلُ؟! هَيَّا اضْرِبْنِي!» قَالَ لَهُ.
«أَ... أَنَا... أَنَا أَضْرِبُكَ بِالْفِعْلِ... وَلكِنْ...» تَلَعْثَمَ شَاشَا.
«وَلكِنْ... مَاذَا؟!»
«وَلكِنَّكَ تَنْجُو مِنْ كُلِّ ضَرْبَةٍ أُوَجِّهُهَا إِلَيْكَ!»
«أُوهْ... هَذَا أَمْرٌ سَيِّئٌ لِلْغَايَةِ... عَلَى كُلٍّ! حَاوِلْ مَرَّةً أُخْرَى... لَعَلَّكَ تَنْجَحُ هذِهِ الْمَرَّةَ... هَيَّا يَا بَطَلُ!» قَالَ الْبِرُوفِيسُورُ مُبْتَسِمًا، وَكَانَ رِفَاقُهُ يَسْتَمْتِعُونَ بِهذَا الْمَشْهَدِ كَثِيرًا.
اسْتَعَدَّ شَاشَا لِلْهُجُومِ مِنْ جَدِيدٍ...
«لَنْ تَنْجُوَ مِنْ ضَرْبَتِي هذِهِ الْمَرَّةَ يَا عَجُوزُ...» قَالَ شَاشَا وَشَرَعَ يَدُورُ عَلَى سَاقٍ وَاحِدَةٍ مِثْلَ الدُّوَّامَةِ. عِنْدَمَا رَآهُ الْبِرُوفِيسُورُ يَدُورُ هكذَا شَعَرَ بِالْقَلَقِ؛ لِأَنَّ سُرْعَتَهُ فِي الدَّوَرَانِ كَانَتْ تَجْعَلُ مُتَابَعَتَهُ أَمْرًا صَعْبًا. نَظَرَ إِلَى الْمُفَتِّشِ جُنَيْدٍ، فَأَشَارَ لَهُ جُنَيْدٌ نَحْوَ الْأَرْضِ. ابْتَسَمَ الْبِرُوفِيسُورُ دَاوُدُ. وَعِنْدَمَا أَقْبَلَ شَاشَا دَائِرًا وَطَارَ فِي الْهَوَاءِ نَحْوَهُ، اسْتَلْقَى الْبِرُوفِيسُورُ فَوْرًا عَلَى ظَهْرِهِ مُنْبَطِحًا... فَمَرَّ شَاشَا دَائِرًا مِنْ فَوْقِهِ إِلَى الْأَمَامِ! اشْتَعَلَتِ النَّارُ فِي صَدْرِ شَاشَا حِينَ رَأَى ضَرْبَتَهُ تَطِيشُ مَرَّةً أُخْرَى، فَرَكَضَ نَحْوَهُ هَائِجًا. فَزِعَ الْبِرُوفِيسُورُ، وَفَجْأَةً دَوَّتْ صَرْخَتُهُ فِي الْقَاعَةِ وَسَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ سَاكِنًا بِلَا حَرَاكٍ.
«أَحْسَنْتَ يَا شَاشَا!» ضَحِكَ الزَّعِيمُ. «هَا هُوَ ذَا يَا مُفَتِّشُ جُنَيْد... لَقَدْ هَلَكَ الْبِرُوفِيسُورُ! كَانَتْ خَطِيئَةً مِنْكَ أَنْ تُرْسِلَهُ فِي مُوَاجَهَةِ شَاشَا.»
«الْآنَ سَتَكُونُ حَرْبًا شَامِلَةً! خَانْ رَحْمَانَ! اهْجُمُوا عَلَيْهِمْ جَمِيعًا!» صَاحَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ وَثَبَ الزَّعِيمُ وَاقِفًا:
«إِذَنْ هِيَ مَعْرَكَةٌ شَامِلَةٌ رَأْسًا لِرَأْسٍ! حَسَنًا... انْقَضُّوا عَلَيْهِمْ يَا رِجَالِي!»
نَشَبَتْ مَعْرَكَةٌ طَاحِنَةٌ، وَاشْتَبَكَ الْفَرِيقَانِ فِي عِرَاكٍ دَامٍ. كَانَ الزَّعِيمُ وَالْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ يَتَبَادَلَانِ الضَّرَبَاتِ الْعَنِيفَةَ.
وَلِأَنَّ رِجَالَ الزَّعِيمِ كَانُوا أَكْثَرَ عَدَدًا، كَانَتْ لَهُمُ الْغَلَبَةُ. وَفِي خِضَمِّ الْقِتَالِ، صَارَ شَاشَا فِي مُوَاجَهَةِ الْمُفَتِّشِ جُنَيْدٍ. فَوَجَّهَ إِلَيْهِ جُنَيْدٌ ضَرْبَةً قَاطِعَةً بِحَافَّةِ كَفِّهِ عَلَى عُنُقِهِ، فَتَأَوَّهَ شَاشَا مُتَأَلِّمًا.
«سَيِّدِي الزَّعِيمُ! امْسِكْ غَيْرَهُ... أَنَا سَأَتَوَلَّى أَمْرَ هَذَا!»
«حَسَنًا... لكِنْ كُنْ حَذِرًا... فَهُوَ سَرِيعٌ جِدًّا.»
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَدَارَ جُنَيْدٌ سَاقَهُ وَسَدَّدَ رَكْلَةً قَوِيَّةً فِي خَاصِرَتِهِ. تَأَلَّمَ شَاشَا وَصَاحَ:
«لَنْ أَتْرُكَكَ تَنْجُو!»
«لَا تَتْرُكْنِي كَمَا تَشَاءُ!» ابْتَسَمَ جُنَيْدٌ وَانْحَنَى مُرَاوِغًا؛ إِذْ أَرَادَ شَاشَا أَنْ يَنْطَحَهُ. وَلَمَّا خَابَتِ الضَّرْبَةُ، ارْتَدَّ شَاشَا وَأَقْبَلَ نَحْوَهُ كَأَنَّهُ يَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ... لكِنَّ جُنَيْدًا كَانَ يَقِظًا؛ فَتَنَحَّى قَلِيلًا وَأَمْسَكَ بِهِ ثُمَّ أَلْقَى بِهِ بَعِيدًا. صَرَخَ شَاشَا حِينَ ارْتَطَمَ بِالْأَرْضِ... فَرَكَضَ جُنَيْدٌ نَحْوَهُ وَأَوْسَعَهُ رَكْلًا حَتَّى غَابَ عَنِ الْوَعْيِ تَمَامًا. الْتَفَتَ جُنَيْدٌ، لكِنَّهُ سَقَطَ فَوْرًا؛ كَانَ "مَاشَا" قَدْ بَاغَتَهُ بِضَرْبَةٍ مِنْ خَلْفِهِ. مَا إِنْ سَقَطَ جُنَيْدٌ حَتَّى قَفَزَ كَالزُّنْبُرُكِ وَوَقَفَ أَمَامَ مَاشَا:
«ضَرَبْتَنِي مِنْ خَلْفِي!»
«وَمَاذَا فِي ذلِكَ؟! كُلُّ شَيْءٍ جَائِزٌ الْآنَ. أَلَا تَرَى الْكُلَّ يَشْتَبِكُونَ... يَسْقُطُونَ... وَيَقُومُونَ؟!» ضَحِكَ مَاشَا.
«نَعَمْ... هَذَا صَحِيحٌ... خُذْ هذِهِ الضَّرْبَةَ مِنِّي إِذَنْ!» قَالَ جُنَيْدٌ وَوَثَبَ ضَارِبًا مَاشَا بِخِفَّةٍ بَالِغَةٍ لَمْ يَسْتَطِعْ مَعَهَا تَفَادِيهَا... فَسَقَطَ مَاشَا صَرِيعًا لَا حَرَاكِ بِهِ. ابْتَسَمَ جُنَيْدٌ ثُمَّ أَلْقَى نَظْرَةً فَاحِصَةً عَلَى الْقَاعَةِ؛ كَانَ خَانْ رَحْمَانَ، وَإِكْرَامٌ، وَمُحَمَّد حُسَيْن آزَاد، وَلِيَاقَتْ، وَأَسَدٌ قَدْ نَجَحُوا فِي تَمْدِيدِ أَرْبَعَةٍ مِنَ الْأَعْدَاءِ فَاقِدِينَ لِلْوَعْيِ. وَكَانَ لَا يَزَالُ أَمَامَهُمْ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ، عَدَا الزَّعِيمِ. رَأَى جُنَيْدٌ إِكْرَامًا وَهُوَ يُطَوِّقُ الزَّعِيمَ مِنْ خَلْفِهِ بَيْنَمَا يُحَاوِلُ الزَّعِيمُ الْفِكَاكَ مِنْهُ. ثُمَّ انْضَمَّ لِيَاقَتْ أَيْضًا لِلتَّشَبُّثِ بِهِ. وَحِينَ رَأَى رَجُلَانِ مِنَ الْعِصَابَةِ ذلِكَ انْدَفَعَا نَحْوَهُمَا...
«إِكْرَامُ! لِيَاقَتْ! احْذَرَا!» صَاحَ جُنَيْدٌ. تَرَكَ إِكْرَامٌ الزَّعِيمَ سَرِيعًا وَتَدَحْرَجَ عَلَى الْأَرْضِ، كَمَا أَنْقَذَ لِيَاقَتْ نَفْسَهُ بِخِفَّةٍ مُذْهِلَةٍ. قَفَزَ جُنَيْدٌ عَلَى الزَّعِيمِ وَأَسْقَطَهُ أَرْضًا، ثُمَّ هَوَى بِكَفِّهِ بِقُوَّةٍ عَلَى عُنُقِهِ، فَخَرَجَتْ مِنْ حَلْقِ الزَّعِيمِ صَرْخَةٌ مَكْتُومَةٌ.
«أَصَبْتَهُ!» دَوَّى صَوْتُ خَانْ رَحْمَانَ الصَّارِخُ فِي الْقَاعَةِ.
«لَيْسَ بَعْدُ يَا خَانْ رَحْمَانَ... ادْعُ اللهَ أَنْ أَقْضِيَ عَلَيْهِ قَرِيبًا!» كَانَ جُنَيْدٌ يَضْغَطُ عَلَى عُنُقِ الزَّعِيمِ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ.
فِي تِلْكَ الْأَثْنَاءِ ارْتَفَعَ صَوْتُ إِكْرَامٍ:
«هَا هُوَ ذَا... بِإِذْنِ اللهِ أَفْقَدْتُ آخَرَ وَعْيَهُ!»
«مُبَارَكٌ يَا سَيِّدِي...» صَاحَ مُحَمَّد حُسَيْن آزَاد فَرِحًا، لكِنَّهُ صَرَخَ فَجْأَةً وَسَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ إِثْرَ لَكْمَةٍ وَجَّهَهَا لَهُ أَحَدُ أَتْبَاعِ الزَّعِيمِ فِي رَأْسِهِ.
«جَانِي! أَيْنَ أَنْتَ...؟» خَرَجَتِ الْكَلِمَاتُ مِنْ فَمِ الزَّعِيمِ.
«إِنَّهُ... إِنَّهُ فِي قَبْضَتِي أَيُّهَا الزَّعِيمُ الْبَدِينُ!» قَالَ خَانْ رَحْمَانَ ضَاحِكًا.
«يَا خَانْ رَحْمَانَ... اُنْظُرْ فِي عَيْنَيَّ قَلِيلًا...» قَالَ جَانِي.
«وَلِمَاذَا أَنْظُرُ فِي عَيْنَيْكَ؟! أَهُمَا مَصْنُوعَتَانِ مِنَ الذَّهَبِ؟!» قَالَ خَانْ رَحْمَانَ مُغْتَاظًا وَشَدَّدَ قَبْضَتَهُ عَلَيْهِ.
«أَحْسَنْتَ يَا خَانْ رَحْمَانَ! إِيَّاكَ أَنْ تَنْظُرَ فِي عَيْنَيْهِ... فَإِنَّ عَيْنَيْهِ خَطِيرَتَانِ جِدًّا!» صَاحَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ.
«عُيُونٌ خَطِيرَةٌ؟! يَا إِلَهِي... هَذَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عُنْوَانًا لِرِوَايَةٍ!»
«يَا خَانْ رَحْمَانَ... عَيْبٌ عَلَيْكَ! لَيْسَ هَذَا وَقْتَ اخْتِيَارِ عَنَاوِينِ الرِّوَايَاتِ! اقْضِ عَلَى جَانِي وَأَنَا سَأَجْعَلُ مِنْ هَذَا الزَّعِيمِ مُرَبًّى!»
«حَسَنًا... سَأُطْعِمُكَ جَانِي مَسْحُوقًا، وَأَطْعِمْنِي أَنْتَ مُرَبَّى الزَّعِيمِ...» قَالَ خَانْ رَحْمَانَ. وَفَجْأَةً انْتَفَضَ جَانِي انْتِفَاضَةً عَنِيفَةً وَأَفْلَتَ مِنْ قَبْضَةِ خَانْ رَحْمَانَ.
«بَلْ أَنَا مَنْ سَيَجْعَلُ مِنْكَ مُرَبًّى يَا خَانْ رَحْمَانَ!» انْقَضَّ جَانِي عَلَيْهِ كَالْمَجْنُونِ، مُمْطِرًا إِيَّاهُ بِسَيْلٍ مِنَ الرَّكَلَاتِ وَاللَّكَمَاتِ.
«يَا إِلَهِي...!» طَرَحَ لِيَاقَتْ خَصْمَهُ أَرْضًا بِنَفْضَةٍ وَاحِدَةٍ وَرَكَضَ لِنَجْدَةِ خَانْ رَحْمَانَ، فَسَدَّدَ رَكْلَةً قَوِيَّةً إِلَى ظَهْرِ جَانِي، فَسَقَطَ جَانِي فَوْقَ خَانْ رَحْمَانَ...
«أُوهْ... مَاذَا فَعَلْتُ؟!» وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ سَدَّدَ أَحَدُهُمْ رَكْلَةً إِلَى ظَهْرِ لِيَاقَتْ مِنْ خَلْفِهِ، فَسَقَطَ فَوْقَ جَانِي!
«آهِ... يَا مُفَتِّشُ جُنَيْد... آهِ...» سَمِعَ جُنَيْدٌ صَوْتَ خَانْ رَحْمَانَ يَتَأَوَّهُ، فَقَذَفَ الزَّعِيمَ بِشِدَّةٍ بَعِيدًا عَنْهُ وَكَانَ قَدْ شَارَفَ عَلَى الْهَلَاكِ، ثُمَّ جَاءَ مُسْرِعًا نَحْوَ خَانْ رَحْمَانَ... فِي هذِهِ الْأَثْنَاءِ كَانَ لِيَاقَتْ قَدْ نَهَضَ، وَجَانِي يُحَاوِلُ النُّهُوضَ، بَيْنَمَا خَانْ رَحْمَانَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ.
«خَانْ رَحْمَانَ... هَلْ أَنْتَ بِخَيْرٍ؟»
«الْحَمْدُ للهِ، أَنَا بِخَيْرٍ... آهِ... مَهْلًا...!» كَانَ جَانِي قَدْ ضَرَبَهُ بِيَدِهِ عَلَى صَدْرِهِ. فَسَدَّدَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ رَكْلَةً صَاعِقَةً إِلَى جَانِي فَأَلْقَاهُ صَرِيعًا. وَسُرْعَانَ مَا أَفْقَدُوا بَقِيَّةَ أَتْبَاعِ الزَّعِيمِ وَعْيَهُمْ. كَانَ الزَّعِيمُ فِي وَعْيِهِ لكِنْ لَمْ تَعُدْ فِيهِ طَاقَةٌ لِلنُّهُوضِ، وَكَانَ جَانِي مُشْرِفًا عَلَى الْمَوْتِ أَيْضًا؛ كِلَاهُمَا مُسْتَلْقٍ عَلَى الْأَرْضِ يَلْهَثُ بِعُمْقٍ.
«يَا مُفَتِّشُ جُنَيْد! لَا تَظُنَّنَّ أَنَّكَ قَدْ نَجَحْتَ؛ فَهَذَا فَوْزٌ مُؤَقَّتٌ، وَالنَّصْرُ الْحَقِيقِيُّ سَيَكُونُ لِي...» قَالَ الزَّعِيمُ.
«سَيَرْحَمُنَا اللهُ... أَمَّا الْآنَ فَالْعَقْ جِرَاحَكَ حَتَّى أَقُومَ بِجَوْلَةٍ تَفَقُّدِيَّةٍ فِي الْخَارِجِ. إِكْرَامُ... اسْتَوْلِ عَلَى هَاتِفِهِ؛ فَإِنَّهُ سَيَنْفَعُنَا كَثِيرًا»، قَالَ الْمُفَتِّشُ جُنَيْدٌ.
«يَا مُفَتِّشُ جُنَيْد! لَنْ تَسْتَطِيعَ الْخُرُوجَ مِنْ هُنَا دُونَ إِذْنِي، تَذَكَّرْ ذلِكَ جَيِّدًا...»
«دُونَ إِذْنِكَ؟! مَاذَا تَعْنِي...؟!» ابْتَسَمَ جُنَيْدٌ.
«فِي الْحَقِيقَةِ، لَقَدْ بَرْمَجْتُ الْبَابَ رَقْمَ وَاحِدٍ أَلَّا يَسْمَحَ لِأَحَدٍ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْقَاعَةِ إِلَّا بِأَمْرِي.»
«أُوهْ... سَنَرَى ذلِكَ»، قَالَ جُنَيْدٌ ثُمَّ الْتَفَتَ نَحْوَ إِكْرَامٍ.
«حَسَنًا يَا سَيِّدِي... سَآخُذُ الْهَاتِفَ»، قَالَ إِكْرَامٌ وَتَقَدَّمَ نَحْوَ الزَّعِيمِ.
«خُذِ الْهَاتِفَ، لكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ يُجْدِي نَفْعًا... فَقَدْ مَسَحْتُ بَيَانَاتِهِ كُلَّهَا بَعِيدًا عَنْ أَنْظَارِكُمْ ثُمَّ أَتْلَفْتُهُ، وَكَسَرْتُ شَرِيحَةَ الِاتِّصَالِ؛ فَقَدْ صَارَ الْآنَ لُعْبَةَ أَطْفَالٍ، خُذْهُ وَأَعْطِهِ لِلْمُفَتِّشِ جُنَيْدٍ»، قَالَ الزَّعِيمُ بِصُعُوبَةٍ بَالِغَةٍ وَدَفَعَ الْهَاتِفَ نَحْوَ إِكْرَامٍ. تَفَحَّصَهُ إِكْرَامٌ، فَإِذَا بِهِ هَاتِفٌ مَيِّتٌ تَمَامًا.
«أُوهْ... يَا سَيِّدِي... إِنَّهُ تَالِفٌ بِالْفِعْلِ... لَنْ يَنْفَعَنَا فِي شَيْءٍ.»
«أُوهْ... لَا... مَهْلًا...» فَجْأَةً انْتَبَهُوا جَمِيعًا فِي ذُهُولٍ.
(يُتْبَعُ...)

