رَأَوْا: كَانَ هُوَ فَارُوق. وَخَلْفَهُ كَانَ يَقِفُ المُفَتِّشُ العَامُّ (آئِي جِي) الشَّيْخُ نِثَار أَحْمَد. دَخَلَا سَرِيعاً إِلَى الدَّاخِلِ:
«عُدْتَ يَا فَارُوق...؟» سَأَلَ حَمُود.
«لَيْسَ الآنَ... سَآتِي بَعْدَ قَلِيلٍ»، ابْتَسَمَ هُوَ.
«أَيْنَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ...؟» قَالَ نِثَار أَحْمَد وَهُوَ يَتَلَفَّتُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً.
«يَا عَمِّي! لَقَدْ نَجَحُوا فِي الفِرَارِ...» ابْتَسَمَتْ فَرْحَانَة.
«فَرُّوا... كَيْفَ ذَلِكَ... كَانَ البَابُ مُغْلَقاً مِنْ خَارِجٍ!» سَأَلَ بِتَعَجُّبٍ.
عِنْدَمَا قَصَّتْ فَرْحَانَة التَّفَاصِيلَ بَقِيَ فَمُهُ مَفْتُوحاً مِنْ فَرْطِ الدَّهْشَةِ...
«أُوه... إِذَنْ كَانُوا كَالأَطْيَافِ الخَفِيَّةِ...»
«تَمَاماً... كَانُوا فِي غَايَةِ السُّرْعَةِ. أَنَا أَتَعَجَّبُ فَقَطْ... كَيْفَ رَجَعُوا دُونَ أَنْ يَأْخُذُونِي مَعَهُمْ!»
«زَادَ الأَمْرُ عَنْ حَدِّهِ! كَمْ كَانَتْ حِيلَةً بَارِعَةً تِلْكَ الَّتِي دَبَّرْتُهَا لِلْقَبْضِ عَلَيْهِمْ. لِلْأَسَفِ! أَفْسَدْتُمْ كُلَّ شَيْءٍ»، صَنَعَ فَارُوق وَجْهاً عَابِساً.
«لَا بَأْسَ... لَا تَحْزَنْ... إِنْ شَاءَ اللهُ سَنَقْبِضُ عَلَيْهِمْ مَرَّةً أُخْرَى».
«فَارُوق! هَلْ عَرَفْتُمْ شَيْئاً عَنْ أَبِي؟ أَعْنِي، هَلْ حَدَثَ أَيُّ اتِّصَالٍ بِهِ؟»
«لَمْ يَحْدُثْ أَيُّ اتِّصَالٍ بِهِ... لَيْسَ هُوَ فَحَسْبُ، بَلِ العَمُّ إِكْرَام وَمُحَمَّد حُسَيْن آزَاد مُخْتَفُونَ أَيْضاً مَعَ رَفِيقَيْهِمَا».
«يَا إِلَهِي... هَلْ كَلَّمْتَ العَمَّ خَانْ رَحْمَان؟»
«وَأَنَا قَادِمٌ مَعَ العَمِّ المُفَتِّشِ العَامِّ حَاوَلْتُ الاِتِّصَالَ بِهِ مِنْ هَاتِفِهِ، لَكِنَّ هَاتِفَهُ كَانَ مُغْلَقاً. وَهَاتِفُ العَمِّ البُرُوفِيسُور مُغْلَقٌ أَيْضاً... تَحَدَّثْنَا مَعَ أَهْلِ بَيْتِهِ فَعَلِمْنَا أَنَّهُمْ يَبْحَثُونَ عَنْهُ. كَأَنَّهُمَا كِلَاهُمَا قَدِ اخْتَفَيَا مِثْلَ أَبِي... رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْنَا... قَلْبِي يَكَادُ يَسْقُطُ... لَا نَدْرِي مَنْ ذَا الَّذِي يُخْفِي رِفَاقَنَا وَاحِداً تِلْوَ الآخَرِ... وَلِمَاذَا يَفْعَلُ هَذَا، وَأَيَّ أَهْدَافٍ يَبْغِي تَحْقِيقَهَا؟!» مَضَى فَارُوق فِي كَلَامِهِ.
«أُوه... أُوه... الأَحْوَالُ سَيِّئَةٌ جِدّاً. يَا عَمِّي! قُلْ أَنْتَ لَنَا مَاذَا نَصْنَعُ الآنَ... فَلَا يَخْطُرُ بِبَالِنَا شَيْءٌ»، قَالَ حَمُود بِقَلَقٍ.
«لَا تَقْلَقُوا... سَأَفْعَلُ شَيْئاً...» قَالَ الشَّيْخُ نِثَار أَحْمَد.
«افْعَلْ شَيْئاً بِالتَّأْكِيدِ... فَقَلْبِي يَغُوصُ رُعْباً»، قَالَتْ بِيغَمْ جُنَيْد.
«يَا أُمَّ العِيَالِ! اللهُ سَيَرْحَمُ... أَنَا ذَاهِبٌ الآنَ»، قَالَ نِثَار أَحْمَد وَانْصَرَفَ.
وَبَعْدَ انْصِرَافِهِ دَخَلَتْ بِيغَمْ جُنَيْد إِلَى غُرْفَتِهَا، وَبَدَأُوا يُحَمْلِقُونَ فِي غَامِي وَشَازِي:
«يَا لَلْهَوْلِ... لِمَاذَا تُحَمْلِقُونَ فِينَا هَكَذَا؟» ارْتَبَكَ غَامِي.
«إِذَنْ... كَيْفَ نُحَمْلِقُ... أَخْبِرُونَا حَتَّى نُحَمْلِقَ كَمَا تُرِيدُونَ»، ابْتَسَمَ فَارُوق.
«عَلَى كُلِّ حَالٍ، هَذَا الجَنَابُ مَاهِرٌ فِي التَّحْدِيقِ»، قَالَ حَمُود بِانْزِعَاجٍ.
«وَهَلِ التَّحْدِيقُ ضَرُورِيٌّ؟ يُمْكِنُ الكَلَامُ دُونَ تَحْدِيقٍ أَيْضاً»، ضَحِكَ غَامِي.
«حَسَناً، أَخْبِرُونَا إِذَنْ، مَنْ أَنْتُمْ وَكَيْفَ أَقْبَلْتُمْ عَلَى خَيْرِنَا هَكَذَا... بَيْنَمَا نَحْنُ نَرَاكُمْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِنَا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ يَا فَرْحَانَة؟ أَلَسْتُ عَلَى حَقٍّ...؟»
«نَعَمْ... يَا غَامِي! لَسْنَا مُطْمَئِنِّينَ إِلَيْكَ تَمَاماً. أَنَا أُفَكِّرُ... أَنَّكَ قَدْ تَغْدِرُ بِنَا فِي أَيِّ لَحْظَةٍ»، قَالَتْ فَرْحَانَة.
عِنْدَ سَمَاعِ كَلَامِهَا تَبَادَلَ غَامِي وَشَازِي النَّظَرَاتِ... ثُمَّ قَالَ شَازِي:
«أَلَا تَثِقُونَ بِنَا...؟»
«بِصِدْقٍ، خَمْسُونَ فِي المِئَةِ...» ابْتَسَمَتْ هِيَ.
«خَمْسُونَ فِي المِئَةِ...» خَرَجَتْ مِنْ فَمِ غَامِي.
«نَعَمْ... خَمْسُونَ فِي المِئَةِ... أَيْ ثِقَةٌ مَوْجُودَةٌ وَغَيْرُ مَوْجُودَةٍ. لَا تَنْسَ كَيْفَ اقْتَحَمْتُمْ بَيْتَنَا. مَتَى يَدْخُلُ نَاصِحٌ أَوْ مُحِبٌّ بَيْتَ أَحَدٍ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ؟»
«وَوُقُوفُنَا مَعَكُمْ ضِدَّ كَاكَا وَبَاجَا وَبَابَا، مَاذَا كَانَ ذَاكَ؟ مَتَى يَفْعَلُ مَنْ يُضْمِرُ السُّوءَ مِثْلَ هَذَا!» قَالَ غَامِي.
«كَلَامُكَ صَحِيحٌ... وَلَكِنْ لَوْ أَوْضَحْتَ بَعْضَ الأُمُورِ لَازْدَادَ اطْمِئْنَانُنَا»، قَالَ حَمُود.
«هُمْ... كَلَامُكُمْ لَهُ وَجْهٌ أَيْضاً... حَسَناً، سَأَقُصُّ عَلَيْكُمْ قِصَّتِي إِذَنْ»، أَلْقَى غَامِي سِلَاحَهُ.
«أُوه... وَهَلْ لَدَيْكَ قِصَّةٌ أَنْتَ أَيْضاً...؟» صَنَعَ فَارُوق وَجْهاً.
«وَقِصَّتِي مُؤْلِمَةٌ لِلْغَايَةِ، إِنْ سَمِعْتُمُوهَا بَكَيْتُمْ».
«يَا لَلْهَوْلِ... إِذَنْ... لَا تَقُصَّ قِصَّتَكَ»، قَالَ فَارُوق مُرْتَبِكاً.
«لِـ... لِمَاذَا...؟» سَأَلَ غَامِي بِتَعَجُّبٍ.
«لِأَنَّنِي حِينَ أَسْمَعُ القِصَصَ المُؤْلِمَةَ أَبْكِي حَقّاً»، قَالَ فَارُوق مُسْرِعاً.
«حَسَناً، ابْكِ اليَوْمَ مِلْءَ عَيْنَيْكَ... فَإِنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ قِصَّةً كَهَذِهِ مِنْ قَبْلُ قَطُّ»، قَالَ غَامِي مُبْتَسِماً.
«لَا... لَا»، ارْتَبَكَ فَارُوق.
«دَعْكَ مِنْهُ يَا غَامِي... وَقُصَّ قِصَّتَكَ»، نَظَرَ حَمُود إِلَى فَارُوق بِعَيْنَيْنِ كَأَنَّهُمَا تَأْكُلَانِهِ.
أَلْقَى غَامِي نَظْرَةً عَلَى الجَمِيعِ وَقَالَ:
«لَقَدِ ارْتَكَبْتُ كَثِيراً مِنَ القَتْلِ...»
«يَا إِلَهِي... إِذَنْ أَنْتَ قَاتِلٌ!» قَفَزَ فَارُوق فَزِعاً.
«وَمَتَى قُلْتُ إِنَّنِي لَسْتُ قَاتِلاً؟» صَنَعَ غَامِي وَجْهاً.
«يَا صَاحِبِي! اسْكُتْ وَدَعْهُ يَقُصَّ القِصَّةَ»، قَالَ حَمُود بِضِيقٍ.
«نَعَمْ، كُنْتُ أَقُولُ... قَتَلْتُ كَثِيرينَ».
«وَالآنَ قُلْ لَنَا، لِمَاذَا قَتَلْتَهُمْ؟» سَأَلَ فَارُوق.
«كُنْتُ مُضْطَرّاً...!!»
«وَلِمَاذَا كُنْتَ مُضْطَرّاً؟»
«حَسَناً... هَكَذَا لَنْ يَكُونَ الأَمْرُ مُجْدِياً... سَأَقُصُّ القِصَّةَ مِنْ بِدَايَتِهَا...»
«قُصَّهَا إِذَنْ... لِمَاذَا تَتَوَقَّفُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ؟»
«كُنْتُ أَعِيشُ مَعَ وَالِدَيَّ فِي قَرْيَةٍ جَمِيلَةٍ حَيَاةَ أَمْنٍ وَسَلَامٍ. كَانَ وَالِدَايَ المُسِنَّانِ يَعِيشَانِ عَلَى رُؤْيَتِي. وَكَانَتْ لِي أُخْتٌ صَغِيرَةٌ حَبِيبَةٌ اسْمُهَا أَرِيشَة... كَانَتْ قُرَّةَ عَيْنِ الجَمِيعِ. تَدْرُسُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي... وَكَانَتْ فِي غَايَةِ الذَّكَاءِ، تَحْصُلُ دَائِماً عَلَى المَرْكَزِ الأَوَّلِ فِي صَفِّهَا. كَانَ لَدَيْنَا مَسْتَوْدَعُ خَشَبٍ صَغِيرٌ، نَعِيشُ مِنْ دَخْلِهِ فِي يُسْرٍ وَعَفَافٍ... وَكَانَتْ قَرْيَتُنَا تَقَعُ بَيْنَ جَبَلَيْنِ. وَكَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ حِينَ جَاءَنِي ذَاكَ الرَّجُلُ. كَانَ بَدِيناً، أَبْيَضَ مُشْرَباً بِحُمْرَةٍ. يَبْدُو فِي ظَاهِرِهِ رَجُلاً شَرِيفاً. جَلَسَ بِجِوَارِي، وَخِلَالَ الحَدِيثِ سَأَلَنِي عَنْ دَخْلِي... فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّنِي أَكْسِبُ مَا يَسُدُّ حَاجَتِي بِسُهُولَةٍ، وَأَنَّنِي رَاضٍ بِكَسْبِي وَأَحْمَدُ اللهَ. كَانَ يَسْمَعُ كَلَامِي بِاهْتِمَامٍ... وَعِنْدَمَا سَكَتُّ قَالَ: "أَنْتَ رَجُلٌ طَيِّبٌ جِدّاً... أُرِيدُ أَنْ أُسَاعِدَكَ..." سَأَلْتُهُ: "فِي أَيِّ أَمْرٍ تُرِيدُ مُسَاعَدَتِي؟" فَقَالَ: "إِنْ عَمِلْتَ مَعِي فَسَأُعْطِيكَ مَالاً كَثِيراً، حَتَّى تَصِيرَ أَغْنَى رَجُلٍ فِي هَذِهِ القَرْيَةِ..." دَهِشْتُ مِنْ كَلَامِهِ، فَقَدْ كَانَ غَرِيباً عَنِّي تَمَاماً، رُبَّمَا مِنْ مِنْطَقَةٍ أُخْرَى. شَكَرْتُهُ وَقُلْتُ: "أَنَا قَانِعٌ بِحَيَاتِي يَا أَخِي... سَاعِدْ غَيْرِي... فَفِي هَذِهِ القَرْيَةِ شَبَابٌ كَثِيرُونَ بِلَا عَمَلٍ... أَعِنْهُمْ هُمْ... وَإِنْ أَرَدْتَ عَرَّفْتُكَ عَلَيْهِمْ". عِنْدَ سَمَاعِ كَلَامِي ضَحِكَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ وَقَالَ: "أَنْتَ رَجُلٌ عَجِيبٌ... أُرِيدُ مُسَاعَدَتَكَ وَأَنْتَ تَدْعُونِي لِمُسَاعَدَةِ غَيْرِكَ!" فَقُلْتُ لَهُ: "أَقُولُ ذَلِكَ لِأَنَّنِي لَا أَحْتَاجُ مَالاً زَائِداً، أَنَا سَعِيدٌ بِحَيَاتِي..." فَانْصَرَفَ قَائِلاً: "فَكِّرْ مَلِيّاً... سَأَعُودُ إِلَيْكَ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً، وَلْيَكُنْ قَرَارُكَ حِينَئِذٍ..."» سَكَتَ غَامِي عِنْدَ هَذَا الحَدِّ.
«أُوه... أَعَادَ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً أَمْ لَا...؟» سَأَلَتْ فَرْحَانَة.
«عَادَ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً. وَمَا إِنْ جَلَسَ إِلَى جِوَارِي حَتَّى قُلْتُ لَهُ: "أَنَا مُسْتَعِدٌّ لِلْعَمَلِ مَعَكَ... لِأَنَّنِي فِي حَاجَةٍ مَاسَّةٍ إِلَى المَالِ". دَهِشَ مِنْ كَلَامِي أَوَّلاً، ثُمَّ قَالَ مُبْتَسِماً: "مَاذَا جَرَى فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الخَمْسَةَ عَشَرَ حَتَّى تَقُولَ لِي هَذَا بِنَفْسِكَ..."»
«كَانَ الأَمْرُ مُثِيراً لِلدَّهْشَةِ فِعْلاً... لِمَاذَا قَبِلْتَ العَمَلَ مَعَهُ بَعْدَمَا كُنْتَ رَاضِياً بِحَيَاتِكَ وَكَسْبِكَ؟» سَأَلَ حَمُود.
«فِي الحَقِيقَةِ، تِلْكَ الأَيَّامُ الخَمْسَةَ عَشَرَ جَلَبَتْ عَاصِفَةً عَلَى حَيَاتِنَا الهَانِئَةِ. فَقَدْ أَلَمَّ بِأُمِّي مَرَضٌ خَبِيثٌ. وَانْزَلَقَتْ أُخْتِي الصَّغِيرَةُ عَلَى الحِجَارَةِ وَهِيَ عَائِدَةٌ مِنَ المَدْرَسَةِ، وَأُصِيبَتْ بِضَرْبَةٍ شَدِيدَةٍ فِي رَأْسِهَا دَخَلَتْ عَلَى إِثْرِهَا فِي غَيْبُوبَةٍ، أَمَّا أُمِّي فَلَمْ تَلْبَثْ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَرْبَعَةً حَتَّى تَوَفَّاهَا اللهُ. وَتَوَالَتِ الضَّرَبَاتُ حَتَّى انْهَارَ كُلُّ شَيْءٍ. وَصِرْتُ أَلْتَمِسُ الدِّرْهَمَ وَالدِّينَارَ، وَوَصَلَ بِي الحَالُ إِلَى الاِسْتِدَانَةِ مِنَ النَّاسِ». سَكَتَ غَامِي مَرَّةً أُخْرَى، وَكَانَ وَجْهُهُ شَاحِباً حَزِيناً.
«أُوه... أُوه...» خَرَجَتْ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ مَعاً.
«نَزَلَتْ بِكَ نَازِلَةٌ عَظِيمَةٌ...» قَالَ حَمُود بِنَبْرَةٍ حَزِينَةٍ.
«ثُمَّ مَاذَا جَرَى...؟»
«حِينَ سَمِعَ حَالِي أَظْهَرَ الحُزْنَ وَأَخَذَنِي مَعَهُ إِلَى إِحْدَى المُدُنِ... كَانَ رَجُلَ أَعْمَالٍ كَبِيراً فِي مَجَالِ النَّقْلِ. كَانَتْ لَهُ حَافِلَاتٌ وَشَاحِنَاتٌ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى تَمْلَأُ طُرُقَاتِ البِلَادِ نَقْلاً لِلرُّكَّابِ وَالبَضَائِعِ. رُبَّمَا كَانَ مِلْيَارْدِيراً. عَيَّنَنِي مُشْرِفاً عَلَى السَّائِقِينَ. وَبِمَا أَنَّنِي كُنْتُ أَتَقَاضَى رَاتِباً ضَخْماً، فَقَدْ تَبَدَّلَتْ أَحْوَالِي فِي أَيَّامٍ قَلَائِلَ. بَنَيْتُ بَيْتاً رَائِداً فِي قَرْيَتِي، وَتَزَوَّجْتُ فَصَارَتْ زَوْجَتِي تَرْعَى أَبِي وَأُخْتِي. وَعَادَ الهَنَاءُ إِلَى حَيَاتِي. ثُمَّ فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، عَلِمْتُ بِمَحْضِ الصُّدْفَةِ أَنَّ رَئِيسِي مُتَوَرِّطٌ فِي أَعْمَالٍ غَيْرِ قَانُونِيَّةٍ... لَمْ تَكُنِ المَعْلُومَاتُ وَاضِحَةً، لَكِنَّ حَوَاسِّي اسْتَنْفَرَتْ. أَنَا وَاحِدٌ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُحِبُّونَ هَذَا الوَطَنَ حُبّاً جَمّاً فِي هَذَا الزَّمَنِ الرَّدِيءِ، وَمُسْتَعِدٌّ دَائِماً لِمُحَارَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْعَى لِنَقْضِ أَرْكَانِهِ. وَمَاذَا كَانَ ذَاكَ العَمَلُ غَيْرُ القَانُونِيِّ، لَمْ أَعْلَمْهُ إِلَّا بَعْدَ حِينٍ... لَكِنَّنِي لَمْ أَعْرِفِ المَكَانَ الَّذِي يُدِيرُ فِيهِ عَمَلِيَّاتِهِ قَطُّ. حَاوَلْتُ بِكُلِّ جُهْدِي وَعَبْرَ مَصَادِرِي أَنْ أَعْرِفَ، فَلَمْ أَنْجَحْ. كَانَ اسْمُ صَاحِبِ العَمَلِ "فَقِير بَرِنْدَہ". شَكْلُهُ فِي غَايَةِ البَرَاءَةِ لَكِنَّهُ فِي الحَقِيقَةِ ظَالِمٌ قَاسٍ. كَانَ دَيْدَنَهُ تَوْبِيخُ عُمَّالِهِ عَلَى أَتْفَهِ الأَسْبَابِ. حَذَّرْتُهُ كَثِيراً بِلُطْفٍ مِنْ عَوَاقِبِ هَذِهِ العَادَةِ لَكِنَّهُ كَانَ سَكْرَاناً بِالمَالِ وَالسُّلْطَةِ فَلَمْ يُبَالِ بِكَلَامِي. وَبِاخْتِصَارٍ! تَرَكْتُ عَمَلِي عِنْدَهُ سِرّاً فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ... أَيْ أَنَّنِي هَرَبْتُ مِنْ قَبْضَتِهِ. كُنْتُ قَدْ جَمَعْتُ مَالاً كَثِيراً، فَبِعْتُ بَيْتَ القَرْيَةِ وَاشْتَرَيْتُ مَنْزِلاً فِي مَدِينَةٍ نَائِيَةٍ وَعِشْتُ مَعَ أَهْلِي. أَنْشَأْتُ مَصْنَعاً صَغِيراً لِلأَحْذِيَةِ، فَبَارَكَ اللهُ فِيهِ وَتَضَاعَفَتْ ثَرْوَتِي سَرِيعاً. ثُمَّ جَاءَ يَوْمٌ وَصَلَ فِيهِ فَقِير بَرِنْدَہ إِلَيَّ... أَحْرَقَ مَصْنَعِي عَبْرَ رِجَالِهِ، فَلَحِقَتْنِي خَسَارَةٌ فَادِحَةٌ. وَلَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ... بَلْ تَرَبَّصَ بِحَيَاتِي. كَانَ يَقُولُ: "لِمَاذَا تَرَكْتَ عَمَلِي؟ رَفَعْتُكَ مِنَ الحَضِيضِ إِلَى السَّحَابِ ثُمَّ تَرَكْتَنِي! أَتَدْرِي كَمْ لَقِيتُ مِنَ المَتَاعِبِ بَعْدَ رَحِيلِكَ... لَنْ أَغْفِرَ لَكَ... سَأُدَمِّرُكَ..." وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ حَقّاً... فَقَدْ قُتِلَتْ زَوْجَتِي وَطِفْلَتِي الوَحِيدَةُ فِي حَادِثِ سَيَّارَةٍ... بَدَا الأَمْرُ فِي الظَّاهِرِ حَادِثاً عَرَضِيّاً لَكِنَّنِي عَلِمْتُ أَنَّهُ مِنْ تَدْبِيرِ فَقِير بَرِنْدَہ. أُصِبْتُ فِي الحَادِثِ إِصَابَاتٍ بَالِغَةً... وَصَارَ هَدَفِي الوَحِيدُ فِي الحَيَاةِ هُوَ الاِنْتِقَامَ مِنْهُ. دَمَّرَنِي، فَأَرَدْتُ تَدْمِيرَهُ، وَأَخَذْتُ أَتَعَقَّبُ أَثَرَهُ. هُوَ لَا يَظْهَرُ عَادَةً لِلنَّاسِ؛ كُلُّ أُمُورِهِ يَتَوَلَّاهَا رِجَالُهُ الَّذِينَ يُغْدِقُ عَلَيْهِمُ الأَمْوَالَ. وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ جَاءَ هَذِهِ الأَيَّامَ إِلَى هَذِهِ المَدِينَةِ لِيُدَبِّرَ مُؤَامَرَةً ضِدَّ البِلَادِ. وَلِهَذَا السَّبَبِ جِئْتُ هُنَا فِي طَلَبِهِ». سَكَتَ غَامِي. وَكَانَ الجَمِيعُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَفِي وَجْهِهِ حُزْنٌ عَمِيقٌ.
«أُوه... حَقّاً قِصَّتُكَ بَالِغَةُ الأَلَمِ»، قَالَتْ فَرْحَانَة.
«وَلَكِنَّكَ قُلْتَ... إِنَّ هُنَاكَ مُؤَامَرَةً تُحَاكُ ضِدَّنَا... فَمَا هِيَ تِلْكَ المُؤَامَرَةُ وَمَنْ يُدَبِّرُهَا... وَكَيْفَ عَلِمْتَ بِهَا؟»
ابْتَسَمَ غَامِي وَقَالَ:
«لِي بَعْضُ الأَصْدِقَاءِ فِي عَالَمِ الجَرِيمَةِ. هُمْ مَنْ أَلْمَحُوا لِي أَنَّ شَبَكَةً تُنْسَجُ حَوْلَ جَمَاعَةِ المُفَتِّشِ جُنَيْد... وَأَنَّ هُنَاكَ مُحَاوَلَةً لِاخْتِطَافِ ابْنَتِهِ. حِينَ سَمِعْتُ هَذَا قَرَّرْتُ أَنْ أَحْمِيَكُمْ... وَأَنْ أُقَاتِلَ المُتَآمِرِينَ... شَازِي هُوَ صَدِيقِي الصَّدُوقُ، وَهُوَ مَعِي فِي كُلِّ هَذِهِ الأُمُورِ كَمَا رَأَيْتُمْ»، قَالَ مُبْتَسِماً.
«نَعَمْ! رَأَيْنَا ذَلِكَ، لَكِنَّكَ لَمْ تَذْكُرِ اسْمَ المُتَآمِرِ!» حَمْلَقَ فِيهِ فَارُوق.
«وَمَا الدَّاعِي لِلتَّحْدِيقِ هَكَذَا؟» ضَحِكَ غَامِي.
«مَا أَدْرَانِي، فَقَطْ تَفَضَّلْ وَأَخْبِرْنَا بِاسْمِهِ».
«لَمْ يُعْرَفِ اسْمُهُ بَعْدُ، لَكِنَّ أَصْدِقَائِي يَتَعَقَّبُونَ أَثَرَهُ، وَمَا إِنْ يَعْلَمُوا شَيْئاً حَتَّى يُخْبِرُونِي فَوْراً»، قَالَ غَامِي.
«يَا غَامِي! فِي قِصَّتِكَ أُمُورٌ تَسْتَوْجِبُ السُّؤَالَ، إِنْ أَذِنْتَ سَأَلْتُ»، قَالَتْ فَرْحَانَة مُبْتَسِمَةً.
«تَفَضَّلِي... مَاذَا تُرِيدِينَ أَنْ تَسْأَلِي؟»
«كَانَتِ الجُمْلَةُ الأُولَى فِي قِصَّتِكَ أَنَّكَ قَتَلْتَ كَثِيرِينَ، لَكِنَّكَ لَمْ تَذْكُرِ القَتْلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي القِصَّةِ كُلِّهَا، لِمَاذَا؟»
«الجَوَابُ هُوَ: بَعْدَ مَقْتَلِ زَوْجَتِي وَابْنَتِي تَرَكْتُ حَيَاةَ السَّلَامِ، وَانْضَمَمْتُ إِلَى المُجْرِمِينَ اِنْتِقَاماً مِنْ فَقِير بَرِنْدَہ. حَيْثُ لَا يَخْرُجُ السَّمْنُ إِلَّا بِالأَصَابِعِ المَعْقُوفَةِ... فَلَا مَكَانَ لِلأَصَابِعِ المُسْتَقِيمَةِ... أَنَا أَرْفَعُ السِّلَاحَ فِي وَجْهِ كُلِّ ظَالِمٍ يَسْعَى لِلإِضْرَارِ بِوَطَنِي، وَلِلْأَسَفِ اضْطُرِرْتُ لِقَتْلِ كَثِيرِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ...» أَوْضَحَ غَامِي.
«أُوه... إِذَنْ هَكَذَا الأَمْرُ...» قَالَ حَمُود.
«وَهَذَا يُخْبِرُنَا... أَنَّنَا نَتَحَدَّثُ مَعَ رَجُلِ عِصَابَاتٍ... وَهَذَا السَّيِّدُ مَوْجُودٌ فِي بَيْتِنَا مُنْذُ حِينٍ وَقَدْ تَنَاوَلَ الطَّعَامَ مَعَنَا أَيْضاً»، قَالَ فَارُوق صَانِعاً وَجْهاً.
«حَسَناً... أَخْبِرْنِي الآنَ... لِمَاذَا تُرِيدُ حِمَايَتِي أَنَا فَقَطْ... دُونَ إِخْوَتِي؟» ابْتَسَمَتْ فَرْحَانَة.
«لِأَنَّنِي أُعْجَبُ كَثِيراً بِدَوْرِكِ فِي بُطُولَاتِ فَرِيقِ المُفَتِّشِ جُنَيْد...» قَالَ مُبَاشَرَةً، فَبُهِتَ الجَمِيعُ:
«أُوه... يَعْنِي أَنَّكَ تَقْرَأُ بُطُولَاتِنَا بِشَغَفٍ!»
«الأَمْرُ كَذَلِكَ بِالتَّأْكِيدِ...» ابْتَسَمَ هُوَ.
«أَيُعْجِبُكَ دَوْرُ فَرْحَانَة وَحْدَهَا...؟» سَأَلَ فَارُوق.
«نَعَمْ... فَرْحَانَة فَقَطْ...»
«لَكِنَّكَ تَتَكَلَّمُ بِأُسْلُوبِي مِئَةً بِالمِئَةِ! كَيْفَ يُعْقَلُ هَذَا؟ كَانَ يَجِبُ أَنْ يُعْجِبَكَ دَوْرِي أَنَا أَيْضاً!» قَالَ فَارُوق بِبَرَاءَةٍ فَضَحِكَ الجَمِيعُ.
«لَا تَقْلَقْ، سَأُحَاوِلُ أَنْ أُعْجَبَ بِدَوْرِكَ مُسْتَقْبَلاً»، قَالَ غَامِي ضَاحِكاً.
«تُحَاوِلُ فَقَطْ...؟» تَبَرَّمَ فَارُوق.
«أَسْتَطِيعُ أَنْ أُحَاوِلَ... لَا أَنْ أَعِدَ».
«أُوه... مَهْلاً...» انْتَبَهَ حَمُود فَجْأَةً.
«مَاذَا حَدَثَ يَا حَمُود... لِمَ انْتَبَهْتَ؟» قَالَتْ فَرْحَانَة سَرِيعاً.
«نَحْنُ نَثْرَثِرُ هُنَا... بَيْنَمَا أَبِي وَالآخَرُونَ لَا نَدْرِي فِي أَيِّ حَالٍ هُمْ...»
«أُوه... وَالعَمُّ المُفَتِّشُ العَامُّ لَمْ يَتَّصِلْ أَيْضاً».
«مَاذَا نَصْنَعُ الآنَ؟» سَأَلَتْ فَرْحَانَة.
«أَنْتِ مَنْ سَيَقُولُ لَنَا»، سَارَعَ فَارُوق بِالقَوْلِ.
«وَلِمَاذَا أَنَا... أَلَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَقُولَ أَنْتَ؟»
«لِأَنَّ مَصْنَعَ الحِيَلِ عِنْدَكِ أَنْتِ... لَا عِنْدَنَا»، ضَحِكَ فَارُوق.
«حَسَناً، سَأُفَكِّرُ فِي حِيلَةٍ...» قَالَتْ فَرْحَانَة وَغَرِقَتْ فِي التَّفْكِيرِ.
«فَكِّرِي فِي حِيلَةٍ قَوِيَّةٍ... إِيَّاكِ وَالحِيَلَ الضَّعِيفَةَ!» قَالَ فَارُوق.
فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ فَرْحَانَة نَظْرَةً تَكَادُ تَبْتَلِعُهُ.
وَفَجْأَةً، بَدَأَ طَرْقٌ مُتَوَاصِلٌ عَلَى البَابِ. نَظَرَ الجَمِيعُ إِلَى بَعْضِهِمْ فِي دَهْشَةٍ...
ثُمَّ قَالَ فَارُوق بِهُدُوءٍ:
«أَسْتَطِيعُ أَنْ أُؤَكِّدَ أَمْراً بِثِقَةٍ».
«لَيْسَ هَذَا وَقْتَ التَّأْكِيدَاتِ! لِمَاذَا تُغَنِّي فِي غَيْرِ أَوَانِكَ، رَاعِ الوَقْتَ وَالمَكَانَ»، صَنَعَ غَامِي وَجْهاً.
«قُولُوا مَا شِئْتُمْ، لَكِنَّنِي مُصِرٌّ عَلَى قَوْلِي: أَسْتَطِيعُ أَنْ أُؤَكِّدَ أَمْراً بِثِقَةٍ»، ابْتَسَمَ فَارُوق.
«أَنْتَ لَنْ تَسْكُتَ... فَقُلْ مَا عِنْدَكَ سَرِيعاً»، قَالَ حَمُود بِغَيْظٍ.
«القَادِمُ إِمَّا أَعْمَى وَإِمَّا مَجْنُونٌ»، ابْتَسَمَ فَارُوق.
«يَا لَلْعَجَبِ... كَيْفَ تَجْزِمُ أَنَّهُ أَعْمَى أَوْ مَجْنُونٌ؟» ضَرَبَ حَمُود فَخِذَهُ بِانْزِعَاجٍ.
«يَا حَمُود! أَيُوجَدُ زِرُّ جَرَسٍ فِي الخَارِجِ أَمْ لَا؟»
«يُوجَدُ»، قَالَ حَمُود مُتَعَجِّباً.
«وَالَّذِي لَا يَرَى ذَلِكَ الزِّرَّ الكَبِيرَ... مَاذَا تُسَمِّيهِ؟»
«أَعْمَى...! »
«وَالَّذِي يَرَاهُ وَلَا يَضْغَطُ عَلَيْهِ...؟»
«يَكُونُ مَجْنُوناً...» قَالَ مُتَبَرِّماً.
«زَادَ الأَمْرُ عَنْ حَدِّهِ! إِلَى أَيْنَ تَأْخُذُ الحَدِيثَ؟» قَالَ غَامِي ضَاحِكاً.
«كَأَنَّكَ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ قَطُّ»، قَالَ فَارُوق بِطَرِيقَةٍ جَعَلَتِ الجَمِيعَ يَنْفَجِرُونَ ضَحِكاً.
«أَلَنْ تَقُومُوا إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَنْكَسِرَ البَابُ؟» جَاءَ صَوْتُ بِيغَمْ جُنَيْد مِنَ الغُرْفَةِ، فَقَامَ حَمُود سَرِيعاً وَرَكَضَ نَحْوَ البَابِ.
«اسْأَلْ مَنْ بِالخَارِجِ قَبْلَ أَنْ تَفْتَحَ».
«لَسْتُ مَجْنُوناً... سَأَسْأَلُ حَتْماً. يَا مَنْ فِي الخَارِجِ! مَنْ أَنْتُمْ؟» قَالَ حَمُود بِصَوْتٍ عَالٍ.
تَوَقَّفَ الطَّرْقُ عَلَى البَابِ فَجْأَةً. ثُمَّ خَرَقَ أَسْمَاعَهُمْ صَوْتٌ وَاهِنٌ ضَعِيفٌ:
«أَنَا مَجْنُونٌ...»
«يَا لَلْهَوْلِ... بِـ... بِالفِعْلِ هُنَاكَ مَجْنُونٌ بِالخَارِجِ!» تَلَعْثَمَ فَارُوق.
«وَمَا الَّذِي يَدْعُو لِلتَّلَعْثُمِ؟» نَظَرَتْ إِلَيْهِ فَرْحَانَة نَظْرَةً صَارِمَةً فَارْتَدَعَ خَائِفاً، مِمَّا جَعَلَ غَامِي وَشَازِي وَفَرْحَانَة يَبْتَسِمُونَ.
«لِمَاذَا ارْتَعَدْتَ الآنَ...؟»
«طَفَحَ الكَيْلُ... إِنْ تَكَلَّمْتُ قُلْتُمْ لِمَ تَتَكَلَّمُ، وَإِنْ خِفْتُ قُلْتُمْ لِمَ تَخَافُ... إِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ بِحَقِّ السَّمَاءِ...؟»
«فَارُوق! أَنْتَ مَجْنُونٌ حَقّاً... أُقْسِمُ»، ضَحِكَتْ فَرْحَانَة.
«لَسْتُ أَنَا المَجْنُونَ... المَجْنُونُ فِي الخَارِجِ... أَلَيْسَ كَذَلِكَ يَا حَمُود؟»
«يَا لَلْعَجَبِ...» ضَرَبَ حَمُود فَخِذَهُ مَرَّةً أُخْرَى.
«لِمَاذَا تَقِفُ هَكَذَا، لِمَ لَا تَفْتَحُ البَابَ؟» صَاحَتْ فَرْحَانَة بِحَمُود.
«كَيْفَ أَفْتَحُهُ...! لَقَدْ تَوَقَّفَ الطَّرْقُ، وَبَعْدَ تِلْكَ العِبَارَةِ سَادَ هُدُوءٌ تَامٌّ فِي الخَارِجِ».
«أُوه...» خَرَجَتْ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ جَمِيعاً.
عَادَ الطَّرْقُ عَلَى البَابِ يَتَكَرَّرُ. نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ كَأَنَّهُمْ يَتَسَاءَلُونَ: مَاذَا نَفْعَلُ الآنَ...؟
«افْتَحُوا البَابَ... أَنَا مَجْنُونٌ»، قِيلَ مِنَ الخَارِجِ مَرَّةً أُخْرَى.
«فَرْحَانَة! أَأَفْتَحُ البَابَ؟»
«لَا، لَيْسَ الآنَ... أُوه...!!» انْتَبَهَتْ فَرْحَانَة فَجْأَةً، ثُمَّ الْتَفَتَتْ نَحْوَ فَارُوق:
«اذْهَبْ... الآنَ لَا بُدَّ أَنَّ بِيغَمْ شِيرَازِي فِي بَيْتِهَا».
رَكَضَ فَارُوق نَحْوَ الدَّرَجِ، فَهَتَفَتْ فَرْحَانَة:
«مَا الدَّاعِي لِلرَّكْضِ... يُمْكِنُكَ الصُّعُودُ بِهُدُوءٍ».
«رَكَضْتُ لِئَلَّا يَقْفِزَ أَحَدٌ مِنَ السَّطْحِ»، صَاحَ فَارُوق وَهُوَ يَرْكُضُ.
«افْتَحُوا البَابَ... أَنَا مَجْنُونٌ»، جَاءَ الصَّوْتُ مِنَ الخَارِجِ ثَالِثَةً.
«سَنَفْتَحُ... اصْبِرْ قَلِيلاً أَيُّهَا المَجْنُونُ!» صَاحَ شَازِي بِقُوَّةٍ، فَعَادَ الصَّمْتُ يَخَيِّمُ فِي الخَارِجِ.
وَبَعْدَ لَحَظَاتٍ قَلِيلَةٍ، ظَهَرَ فَارُوق يَهْبِطُ السَّلَالِمَ. رَأَوْهُ جَمِيعاً وَقَدِ اصْفَرَّ لَوْنُ وَجْهِهِ وَطَارَتْ عَقِيلَتُهُ رُعْباً... فَغَاصَتْ قُلُوبُهُمْ ذُعْراً وَهَلَعاً.

