فِي إِحْدَى القُرَى، كَانَ يَعِيشُ فَتًى اسْمُهُ عَلِيٌّ. كَانَ ذَكِيًّا وَمُجْتَهِدًا جِدًّا، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُحِبُّ مُشَارَكَةَ أَشْيَائِهِ مَعَ الآخَرِينَ أَبَدًا. إِذَا كَانَتْ لَدَيْهِ لُعْبَةٌ، فَلَمْ يَكُنْ يَدَعُ أَيَّ صَدِيقٍ يَمَسُّهَا حَتَّى بِيَدِهِ.
فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، كَانَ عَلِيٌّ عَائِدًا مِنَ المَدْرَسَةِ إِلَى البَيْتِ، فَرَأَى فِي طَرِيقِهِ شَيْخًا كَبِيرًا فِي السِّنِّ. كَانَ فِي يَدِ الشَّيْخِ سَلَّةٌ ثَقِيلَةٌ مِنَ الخُضَارِ. وَفَجْأَةً، تَكَسَّرَ طَرَفٌ مِنَ السَّلَّةِ، فَتَبَعْثَرَتِ الخُضَارُ كُلُّهَا عَلَى الطَّرِيقِ.
تَوَقَّفَ عَلِيٌّ حِينَ رَأَى ذَلِكَ. فَكَّرَ فِي بَادِئِ الأَمْرِ أَنَّهُ سَيَتَأَخَّرُ عَنِ العَوْدَةِ إِلَى البَيْتِ، لَكِنَّ كَلَامَ أُمِّهِ خَطَرَ بِبَالِهِ عَلَى الفَوْرِ:
«يَا بُنَيَّ! مُسَاعَدَةُ المُحْتَاجِ نَوْعٌ مِنَ البِرِّ وَالحَسَنَاتِ.»
وَضَعَ عَلِيٌّ حَقِيبَتَهُ المَدْرَسِيَّةَ جَانِبًا، وَشَرَعَ فِي جَمْعِ الخُضَارِ المُتَبَعْثِرَةِ عَلَى الطَّرِيقِ. وَفِي وَقْتٍ قَصِيرٍ، أَعَادَ الخُضَارَ كُلَّهَا إِلَى السَّلَّةِ.
تَبَسَّمَ الشَّيْخُ وَقَالَ:
«بَارَكَ اللهُ فِيكَ يَا بُنَيَّ وَأَسْعَدَكَ، لَقَدْ قَدَّمْتَ لِي عَوْنًا كَبِيرًا اليَوْمَ.»
أَجَابَ عَلِيٌّ:
«لَا شُكْرَ عَلَى وَاجِبٍ، كُنْتَ فِي حَاجَةٍ إِلَى المُسَاعَدَةِ، فَمَا كَانَ مِنِّي إِلَّا أَنْ سَاعَدْتُكَ.»
فِي اليَوْمِ التَّالِي بِالمَدْرَسَةِ، أَعْلَنَ المُعَلِّمُ عَنِ انْضِمَامِ تِلْمِيذٍ جَدِيدٍ إِلَى الفَصْلِ، اسْمُهُ حَمْزَةُ. كَانَ يَجْلِسُ صَامِتًا لَا يُحَادِثُ أَحَدًا.
لَاحَظَ عَلِيٌّ أَنَّ حَمْزَةَ لَيْسَتْ لَدَيْهِ عُلْبَةُ أَلْوَانٍ، بَيْنَمَا طَلَبَ المُعَلِّمُ مِنْ جَمِيعِ التَّلَامِيذِ رَسْمَ لَوْحَاتٍ. أَخْرَجَ عَلِيٌّ عُلْبَةَ أَلْوَانِهِ، وَمَدَّهَا نَحْوَ حَمْزَةَ:
«يُمْكِنُكَ أَنْ تَسْتَعْمِلَ أَلْوَانِي.»
طَفَحَتِ البَهْجَةُ عَلَى وَجْهِ حَمْزَةَ، وَقَالَ:
«شُكْرًا لَكَ يَا عَلِيُّ! أَنْتَ اليَوْمَ صَدِيقِي الأَوَّلُ.»
لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، شَعَرَ عَلِيٌّ أَنَّ مُشَارَكَةَ المَرْءِ أَشْيَاءَهُ مَعَ غَيْرِهِ لَا تَنْقُصُ شَيْئًا، بَلْ تُضَاعِفُ السُّرُورَ.
بَعْدَ بِضْعَةِ أَيَّامٍ، مَرِضَ عَلِيٌّ فَلَمْ يَسْتَطِعِ الذَّهَابَ إِلَى المَدْرَسَةِ لِعِدَّةِ أَيَّامٍ. وَحِينَ عَادَ، وَجَدَ أَنَّ حَمْزَةَ قَدْ نَقَلَ لَهُ جَمِيعَ الدُّرُوسِ الفَائِتَةِ مِنْ دَفْتَرِهِ وَرَتَّبَهَا لَهُ.
قَالَ حَمْزَةُ:
«لَقَدْ سَاعَدْتَنِي سَابِقًا، فَلِذَلِكَ سَاعَدْتُكَ أَنَا أَيْضًا.» تَبَسَّمَ عَلِيٌّ.
أَدْرَكَ عَلِيٌّ حِينَئِذٍ أَنَّ فِعْلَ الخَيْرِ لَا يَضِيعُ أَبَدًا؛ فَالإِنْسَانُ إِذَا يَسَّرَ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ التَّيْسِيرَ لَا بُدَّ أَنْ يَعُودَ إِلَى حَيَاتِهِ بِشَكْلٍ مِنَ الأَشْكَالِ.
فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، عَزَمَ عَلِيٌّ فِي قَلْبِهِ عَلَى أَنْ يُسَاعِدَ الآخَرِينَ دَائِمًا، وَيُشَارِكَهُمْ أَفْرَاحَهُ.
