الحَلْقَةُ الرَّابِعَةُ (4)
رَدّاً عَلَى الطَّرْقِ، فَتَحَ شَيْخٌ كَبِيرٌ البَابَ:
«تَفَضَّلْ... مَنْ تُرِيدُ أَنْ تُقَابِلَ...؟»
«اسْمِي إِكْرَام...»
«اسْمٌ طَيِّبٌ... وَلَكِنْ مَنْ تُرِيدُ أَنْ تُقَابِلَ...؟»
«أَنَا أَنْتَمِي إِلَى الشُّرْطَةِ...»
عِنْدَ سَمَاعِ كَلِمَةِ الشُّرْطَةِ نَظَرَ الشَّيْخُ إِلَيْهِ بِدِقَّةٍ وَقَالَ ضَاحِكاً:
«وَلَكِنْ لَيْسَ عَلَى جَسَدِكَ زِيُّ الشُّرْطَةِ...!»
«هَلْ تَقْصِدُ أَنَّ مَنْ لَيْسَ عَلَى جَسَدِهِ زِيُّ الشُّرْطَةِ... لَا يَكُونُ شُرْطِيّاً...؟» قَالَ صَانِعاً وَجْهاً سَيِّئاً.
«أَنَا لَمْ أَقُلْ هَكَذَا. حَسَناً قُلْ، مَنْ تُرِيدُ أَنْ تُقَابِلَ؟» قَالَ الشَّيْخُ ضَاحِكاً.
«جَاءَ إِلَى هُنَا صَدِيقٌ لَنَا، لَدَيْنَا مَعَهُ عَمَلٌ ضَرُورِيٌّ جِدّاً...» قَالَ هُوَ.
«لَدَيْنَا، وَلَكِنَّكَ وَحْدَكَ؟» قَالَ الشَّيْخُ نَاظِراً هُنَا وَهُنَاكَ بِتَعَجُّبٍ.
«انْظُرْ قَلِيلاً تَحْتَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ... أُولَئِكَ الرِّجَالُ الثَّلَاثَةُ هُمْ زُمَلَائِي...» ابْتَسَمَ هُوَ.
«إِنْ كَانُوا زُمَلَاءَكَ فَلِمَاذَا يَقِفُونَ هُنَاكَ بَعِيداً هَكَذَا؟»
«هَكَذَا فَقَطْ، أَنَا أُنَادِيهِمْ، تَعَالَوْا يَا إِخْوَة...»
نَادَى الحَوَالْدَار مُحَمَّد حُسَيْن آزَاد وَرَفِيقَيْهِ. فَرَكَضُوا وَجَاءُوا إِلَيْهِ.
«الآنَ دَعْنَا نَلْتَقِي بِصَدِيقِنَا».
«أَدَعُكُمْ تَلْتَقُونَ بِصَدِيقِكُمْ... مَا اسْمُ صَدِيقِكُمْ...؟»
«جُنَيْد...» قَالَ إِكْرَام.
«أَنَا خَجِلٌ، لَا أَسْتَطِيعُ تَحْقِيقَ رَغْبَتِكَ»، قَالَ هُوَ هَازّاً كَتِفَيْهِ.
«لِمَاذَا لَا تَسْتَطِيعُ تَحْقِيقَهَا؟» سَأَلَ إِكْرَام بِتَعَجُّبٍ.
«لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ هُنَا أَيُّ جُنَيْد...» قَالَ بِنَبْرَةٍ جَافَّةٍ.
«مَاذَا تَعْنِي...؟!!»
«المَعْنَى أَنَّهُ... لَمْ يَأْتِ إِلَى هَذَا البَيْتِ أَيُّ شَخْصٍ بِاسْمِ جُنَيْد...»
«أُوه... مَنْ أَنْتَ...؟»
«أَنَا صَاحِبُ هَذَا البَيْتِ... اسْمِي أَفْضَل بَابْرِي وَالَا»، ابْتَسَمَ هُوَ.
«أَفْضَل بَابْرِي وَالَا...» كَرَّرَ هُوَ.
«نَعَمْ! أَفْضَل بَابْرِي وَالَا... هَلْ لَدَيْكَ اعْتِرَاضٌ عَلَى اسْمِي؟» أَخْرَجَ عَيْنَيْهِ غَضَباً.
«كَلَّا عَلَى الإِطْلَاقِ... مَاذَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْ اعْتِرَاضٍ عَلَى اسْمِكَ؟ يُمْكِنُكَ أَنْ تَتَّخِذَ أَيَّ اسْمٍ. أَنَا سَأَقُولُ هَذَا القَدْرَ حَتْماً إِنَّكَ تَكْذِبُ...» قَالَ هُوَ.
«كَذِبٌ... مَاذَا تَعْنِي!»
«المَعْنَى أَنَّكَ قَدْ كَذَبْتَ...» ابْتَسَمَ هُوَ.
«مَاذَا كَذَبْتُ أَنَا...؟»
«أَنَّ جُنَيْداً لَيْسَ هُنَا، نَحْنُ عَلَى يَقِينٍ... أَنَّهُ جَاءَ إِلَى هُنَا بِالذَّاتِ».
«هُوَ لَمْ يَأْتِ إِلَى هُنَا... عَلَى كُلِّ حَالٍ، مَنْ هُوَ هَذَا جُنَيْد؟»
«أَلَا تَعْرِفُ مَنْ هُوَ...؟» قَالَ إِكْرَام.
«هَذَا مَا أَسْأَلُ عَنْهُ بِالذَّاتِ... مَنْ هُوَ؟» صَنَعَ أَفْضَل بَابْرِي وَالَا وَجْهاً.
«هُوَ إِنْسَانٌ مُحِبٌّ لِلْوَطَنِ».
«هَذَا أَنَا أَيْضاً...»
«النَّاسُ يَقُولُونَ لَهُ المُفَتِّش جُنَيْد».
«يَا لَلْعَجَبِ... أَنْتَ تَتَحَدَّثُ عَنِ المُفَتِّشِ جُنَيْد... أُوه...!!!»
«نَعَمْ... أَنَا أَتَحَدَّثُ عَنْهُ بِالذَّاتِ»، ابْتَسَمَ هُوَ.
«أُوه! وَلَكِنَّ جَوَابِي هُوَ نَفْسُهُ... هُوَ لَمْ يَأْتِ إِلَى هُنَا».
«أَنْتَ تَكْذِبُ، بَلْ تَكْذِبُ كِذْبَةً بَيْضَاءَ صَرِيحَةً»، قَالَ إِكْرَام مُبْتَسِماً.
«أَنَا أَقُولُ الصِّدْقَ... هُوَ لَمْ يَأْتِ إِلَى هُنَا».
«حِينَئِذٍ سَنُفَتِّشُ بَيْتَكَ».
«لَيْسَ لَدَيَّ أَيُّ اعْتِرَاضٍ... فَتِّشُوا بِكُلِّ رَغْبَةٍ».
«شُكْراً... اجْعَلِ النِّسَاءَ يَحْتَجِبْنَ»، قَالَ إِكْرَام.
«لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ»، ابْتَسَمَ بَابْرِي وَالَا.
«لِمَاذَا...؟» انْتَبَهَ هُوَ.
«لِأَنَّهُ لَا تُوجَدُ نِسَاءٌ فِي هَذَا البَيْتِ... أَنَا أَعِيشُ مَعَ ابْنَيَّ الاثْنَيْنِ».
«أُوه... حَسَناً... فَلْنَنْطَلِقْ إِذَنْ...»
كَانَ بَيْتاً كَبِيراً جَمِيلاً. بِجَانِبِ البَوَّابَةِ مُبَاشَرَةً كَانَ هُنَاكَ فِنَاءٌ مَفْتُوحٌ. عَلَى الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ الفِنَاءِ كَانَ هُنَاكَ رِوَاقٌ طَوِيلٌ. رُؤْيَةُ عَدَدِ الغُرَفِ جَعَلَتْ نَائِبَ المُفَتِّشِ (سَبْ إِنْسْبِكْطَر) إِكْرَام يَنْدَهِشُ.
«بَابْرِي وَالَا... أَنْتَ تَعِيشُ فِي هَذَا البَيْتِ مَعَ ابْنَيْكَ، فَلِمَاذَا كُلُّ هَذِهِ الغُرَفِ؟»
«هَذِهِ الغُرَفُ لَمْ أَبْنِهَا أَنَا... فِي الأَصْلِ هَذَا البَيْتُ اشْتَرَيْتُهُ أَنَا».
«هُمْ... حَسَناً»، قَالَ إِكْرَام وَبَدَأَ يُفَتِّشُ إِحْدَى الغُرَفِ مَعَ زُمَلَائِهِ... كَانُوا جَمِيعاً يَتَفَحَّصُونَ كُلَّ شَيْءٍ بِدِقَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ. فِي الأَخِيرِ قَالَ الحَوَالْدَار مُحَمَّد حُسَيْن آزَاد بِأُسْلُوبِ مَنْ يُعْلِنُ:
«سَيِّدِي... لَيْسَ المُفَتِّشُ جُنَيْد هُنَا...»
«أُوه... أُوه...» خَرَجَتْ مِنْ فَمِهِ بِلَا اخْتِيَارٍ.
«أَنَا قُلْتُ مِنْ قَبْلُ... هُوَ لَمْ يَأْتِ إِلَى هُنَا».
«وَلَكِنِّي أَقُولُ... هُوَ جَاءَ إِلَى هُنَا بِالذَّاتِ...» ابْتَسَمَ إِكْرَام.
«جَاءَ... مَاذَا تَعْنِي... مَاذَا تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ؟» سَأَلَ بَابْرِي وَالَا مُنْتَبِهاً.
«أَبْنَاؤُكَ لَا يَظْهَرُونَ؟»
«ذَهَبُوا إِلَى المَدِينَةِ... سَيَرْجِعُونَ حَتَّى المَسَاءِ... فِي الحَقِيقَةِ بَعْضُ الأَشْيَاءِ الضَّرُورِيَّةِ لَا تُوجَدُ فِي هَذِهِ القَصَبَةِ فَيَضْطَرُّونَ إِلَى جَلْبِهَا مِنَ المَدِينَةِ».
«أُوه... حَسَناً...»
«مُحَمَّد حُسَيْن! أَلَمْ تَجِدْ هُنَا أَيَّ شَيْءٍ لِلسَّيِّدِ... يَعْنِي أَيَّ شَيْءٍ يَكُونُ فِي اسْتِعْمَالِهِ الدَّائِمِ...؟» قَالَ إِكْرَام.
«لَا يَا سَيِّدِي... أَنَا وَزُمَلَائِي لَمْ نَجِدْ أَيَّ شَيْءٍ مِنْ هَذَا القَبِيلِ... لَقَدْ فَتَّشْنَا جَيِّداً».
«حَسَناً، ابْقَ أَنْتَ هُنَا عِنْدَهُ. أَنَا أُرِيدُ أَنْ أُفَتِّشَ مَرَّةً أُخْرَى...» قَالَ إِكْرَام مُبْتَسِماً.
«حَضْرَةَ المُفَتِّشِ! أَنْتَ تُضَيِّعُ وَقْتَكَ، الوَقْتُ ثَمِينٌ جِدّاً، قَدِّرْ قِيمَتَهُ...» ابْتَسَمَ بَابْرِي وَالَا.
«مُفَتِّشُنَا جُنَيْد لَيْسَ أَقَلَّ قِيمَةً... احْتَفِظْ بِنَصِيحَتِكَ لِنَفْسِكَ... وَدَعْنِي أَقُومُ بِعَمَلِي».
«حَسَناً، أَنَا ذَاهِبٌ إِلَى غُرْفَتِي... عِنْدَمَا تَفْرَغُونَ نَادُونِي...»
قَالَ بَابْرِي وَالَا وَدُونَ أَنْ يَسْمَعَ جَوَابَهُمْ مَشَى مِنْ هُنَاكَ وَدَخَلَ الغُرْفَةَ الأَخِيرَةَ مِنَ الرِّوَاقِ.
الآنَ نَظَرَ إِكْرَام إِلَى زُمَلَائِهِ وَبَدَأَ يَقُولُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
«المُفَتِّشُ جُنَيْد جَاءَ إِلَى هُنَا وَلَكِنْ تَمَّ إِخْفَاؤُهُ... أَنَا عَلَى يَقِينٍ تَامٍّ، أَنَّهُ أُخْفِيَ فِي مَكَانٍ مَّا هُنَا، وَبِالتَّأْكِيدِ سَيَّارَتُهُ الجِيب أَيْضاً تَمَّ التَّخَلُّصُ مِنْهَا».
«أُوه... مَا هُوَ سَبَبُ يَقِينِكَ يَا سَيِّدِي...؟»
«هُوَ كَانَ فِي مُصِيبَةٍ هُنَا... كَانَ قَدِ اتَّصَلَ بِي وَلَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعِ الكَلَامَ... أَنَا سَمِعْتُ عَبْرَ الهَاتِفِ أَصْوَاتَ رَكْضٍ وَ... وَ...» تَوَقَّفَ إِكْرَام وَهُوَ يَتَكَلَّمُ. كَانَ بَابْرِي وَالَا وَاقِفاً فِي البَابِ. وَبِمَا أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مُتَوَاجِدِينَ أَمَامَ الرِّوَاقِ مُبَاشَرَةً، فَقَدْ كَانَ يُرَى لَهُمْ بِوُضُوحٍ.
«أَيُّهَا المُفَتِّشُ! هَلِ اكْتَمَلَ تِفْتِيشُكُمْ؟» سَأَلَ بِصَوْتٍ عَالٍ.
«كَلَّا... عِنْدَمَا أَفْرَغُ سَأُخْبِرُكَ...» قَالَ هُوَ أَيْضاً بِصَوْتٍ عَالٍ.
«حَسَناً... أَسْرِعْ قَلِيلاً... أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَنَامَ...» قَالَ وَرَجَعَ إِلَى الغُرْفَةِ.
«نَعَمْ، إِذَنْ كُنْتُ أَقُولُ... وَالكَلَامُ الَّذِي جَرَى هُنَا... سَمِعْتُهُ أَنَا أَيْضاً... وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الأَصْوَاتُ وَاضِحَةً... كَانَ الهَاتِفُ رُبَّمَا مَفْتُوحاً فِي جَيْبِهِ.. ثُمَّ فَجْأَةً انْقَطَعَ».
«سَيِّدِي! مَعْنَى هَذَا بِشَكْلٍ وَاضِحٍ هُوَ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى هُنَا وَفُعِلَ بِهِ أَمْرٌ سَيِّئٌ. مَا دَامَ فِي وَعْيِهِ... أَبْقَى الهَاتِفَ مَفْتُوحاً ثُمَّ لِسَبَبٍ مَّا أُغْلِقَ الهَاتِفُ... وَلَكِنَّهُ كَانَ قَدْ أَعْطَاكَ إِشَارَةً...» قَالَ مُحَمَّد حُسَيْن آزَاد.
«وَأَنَا عَلَى يَقِينٍ... أَنَّهُ جِيءَ بِهِ إِلَى هُنَا بِتَخْطِيطٍ مُنَظَّمٍ. أُوه... أُوه...» فَجْأَةً قَفَزَ إِكْرَام.
«مَاذَا حَدَثَ يَا سَيِّدِي... مَاذَا حَدَثَ...؟»
«أُوه... أَنَا فَهِمْتُ... ذَلِكَ الرَّجُلُ العَجُوزُ (بَابَا جِي) الَّذِي خَرَجَ مَعَهُ مِنَ المَكْتَبِ... لَا بُدَّ وَأَنَّ... كُلَّ مَا جَرَى هُوَ مِنْ صَنِيعِهِ... أُوه... أُوه... مُحَمَّد حُسَيْن...»
«مَاذَا حَدَثَ يَا سَيِّدِي...؟»
«يَبْدُو لِي... أَنَّ حَيَاتَهُ فِي خَطَرٍ... يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَبْحَثَ عَنْهُ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ... هَيَّا ابْدَأُوا... وَلَكِنِ انْتَظِرُوا...!»
«مَاذَا حَدَثَ الآنَ يَا سَيِّدِي...؟» انْدَهَشَ مُحَمَّد حُسَيْن.
«يَنْبَغِي لَنَا مَعَ التَّفْتِيشِ أَنْ نُحَقِّقَ مَعَ بَابْرِي وَالَا أَيْضاً».
«أُوه... أَنْتَ تَقُولُ الصَّوَابَ يَا سَيِّدِي...»
«حَسَناً... أَنَا سَأَفْحَصُ البَيْتَ كُلَّهُ مَعَ أَحَدِ زُمَلَائِكَ وَأَنْتَ حَاوِلْ أَنْ تَسْتَنْطِقَ بَابْرِي وَالَا، وَلَكِنْ بِانْتِبَاهٍ. قَدْ يَكُونُ... بِقَدْرِ مَا يَبْدُو بَرِيئاً... لَيْسَ كَذَلِكَ...» قَالَ إِكْرَام وَدَخَلَ الغُرْفَةَ.
فَتَّشَ البَيْتَ كُلَّهُ طَرْقاً وَفَحْصاً، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْ أَيَّ أَثَرٍ... فَأَصَابَهُ القَلَقُ.
«يَا أَللهُ! ارْحَمْ بِرَحْمَتِكَ... وَاحْفَظِ المُفَتِّشَ جُنَيْد فِي أَمَانِكَ...»
«سَيِّدِي... لَقَدْ رَأَيْنَا البَيْتَ كُلَّهُ وَالسَّطْحَ كُلَّهُ... بِشَكْلٍ جَيِّدٍ جِدّاً، طَرَقْنَا الجُدْرَانَ وَالأَرْضِيَّاتِ وَفَحَصْنَاهَا وَلَكِنْ لَمْ نَجِدْ أَثَراً لِلْمُفَتِّشِ جُنَيْد... لَمْ تُرَ أَيُّ حَاجَةٍ مِنْ أَشْيَائِهِ أَيْضاً... مَاذَا سَيَحْدُثُ الآنَ... أَيْنَ نَبْحَثُ عَنْهُ... مَهْلاً... مَهْلاً! أَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ... أَنَّهُ نُقِلَ مِنْ هُنَا إِلَى مَكَانٍ آخَرَ؟»
«أُوه... أُوه... مُمْتَازٌ جِدّاً! لَقَدْ أَتَيْتَ بِفِكْرَةٍ بَعِيدَةٍ صَائِبَةٍ، بِالتَّأْكِيدِ هَذَا هُوَ الأَمْرُ، هُوَ لَيْسَ هُنَا، لَقَدْ وُضِعَ فِي مَكَانٍ آخَرَ...» امْتَلَأَ إِكْرَام حَمَاساً.
«أَنْتَ عَلَى صَوَابٍ».
«وَمَكَانُ ذَلِكَ المَوْضِعِ بِالتَّأْكِيدِ يَعْرِفُهُ أَفْضَل بَابْرِي وَالَا. تَعَالَ مَعِي...» قَالَ إِكْرَام وَوَصَلَ أَمَامَ غُرْفَةِ بَابْرِي وَالَا. كَانَ بَابُ الغُرْفَةِ مُغْلَقاً وَفِي الدَّاخِلِ سُكُوتٌ.
«يَا لَلْعَجَبِ... هُنَا سُكُوتٌ. مُحَمَّد حُسَيْن! هَلْ أَنْتَ فِي الدَّاخِلِ...؟» عِنْدَمَا لَمْ يَأْتِ أَيُّ جَوَابٍ مِنَ الدَّاخِلِ انْتَبَهُوا.
«بَابْرِي وَالَا! هَلْ أَنْتَ فِي الدَّاخِلِ؟ لِمَاذَا هَذَا السُّكُوتُ فِي الغُرْفَةِ...؟ هَلْ نِمْتَ...؟»
عِنْدَمَا لَمْ يَصِلْ أَيُّ جَوَابٍ حَتَّى الآنَ قَلِقُوا...
«مَا هَذَا اللُّغْزُ...!!» تَمْتَمَ هُوَ.
«لِيَرْحَمِ اللهُ بِرَحْمَتِهِ... أَنَا أَشَمُّ رَائِحَةَ الخَطَرِ يَا سَيِّدِي...»
«سَيِّدِي... هَلْ أَنْتَ فِي الدَّاخِلِ...؟»
«وَهَلْ فِي الدَّاخِلِ خَيْرٌ...؟»
حَتَّى الآنَ لَمْ يَأْتِ أَيُّ جَوَابٍ...
«بِاسْمِ اللهِ افْتَحِ البَابَ...» أَمَرَ إِكْرَام المَرْؤُوسَ.
«حَسَناً يَا سَيِّدِي! أَنَا أَفْتَحُ البَابَ»، قَالَ المَرْؤُوسُ وَضَغَطَ عَلَى البَابِ. بِضَغْطٍ خَفِيفٍ بَدَأَ البَابُ يَنْفَتِحُ. كَانُوا قَدِ ابْتَعَدُوا سَرِيعاً مِنْ أَمَامِ البَابِ. كَانَ البَابُ مَفْتُوحاً عَلَى مِصْرَاعَيْهِ... فِي الدَّاخِلِ كَانَ لَا يَزَالُ هُنَاكَ سُكُوتٌ تَامٌّ. حَتَّى صَوْتُ تَنَفُّسِ أَحَدٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِي.
كَانَتْ قُلُوبُهُمْ تَدُقُّ بِشِدَّةٍ...
«سَيِّدِي! إِنْ أَذِنْتَ لِي فَسَأَدْخُلُ... إِنْ شَاءَ اللهُ لَنْ يَحْدُثَ شَيْءٌ».
«مَا اسْمُكَ...؟» سَأَلَ إِكْرَام.
«أَنَا لِيَاقَت...»
«حَسَناً... ادْخُلْ أَنْتَ...»
عِنْدَمَا دَخَلَ إِلَى الدَّاخِلِ قَفَزَ دَهْشَةً... ثُمَّ خَرَجَ مِنْ فَمِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَيْرَةِ:
«مَا هَذَا الَّذِي أَرَاهُ...؟»
«مَاذَا تَرَى أَنْتَ...؟» جَاءَ إِكْرَام سَرِيعاً أَمَامَ البَابِ ثُمَّ هُوَ أَيْضاً قَفَزَ بِشِدَّةٍ... وَفِي الوَقْتِ عَيْنِهِ خَرَجَ مِنْ فَمِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَيْرَةِ:
«يَا لَلْعَجَبِ... الغُرْفَةُ خَالِيَةٌ تَمَاماً...»
«أَيْنَ ذَهَبَ الجَمِيعُ...! عَجِيبٌ...» كَانَ فَمُ لِيَاقَت مَفْتُوحاً.
«تَفَحَّصْ هَذِهِ الغُرْفَةَ جَيِّداً... انْظُرِ الأَرْضِيَّةَ وَالجِدَارَ جَيِّداً... بِالتَّأْكِيدِ يُوجَدُ هُنَا بَابٌ سِرِّيٌّ... أَحْسَنْتَ! ابْدَأْ...» قَالَ إِكْرَام.
مَا عَدَا سَرِيراً وَاحِداً لَمْ يَكُنْ فِي الغُرْفَةِ أَيُّ شَيْءٍ... بَابُ الحَمَّامِ المُلْحَقِ كَانَ مَفْتُوحاً... الجُدْرَانُ كَانَتْ نَظِيفَةً تَمَاماً... الطِّلَاءُ المَوْجُودُ عَلَيْهَا كَانَ يَلْمَعُ جَيِّداً. رَفَعُوا السَّرِيرَ أَيْضاً وَنَظَرُوا... تَحْتَهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَيْضاً... تَفَحَّصُوا كُلَّ شَيْءٍ فِي الحَمَّامِ جَيِّداً وَلَكِنْ لَمْ يَجِدُوا سِوَى الخَيْبَةِ. فَأَصَابَهُمُ القَلَقُ.
«سَيِّدِي... لَا يُوجَدُ شَيْءٌ هُنَا...! قَالَ لِيَاقَت بِتَعَجُّبٍ.
«قَلْبِي يَقُولُ... يُوجَدُ هُنَا بَابٌ سِرِّيٌّ حَتْماً...»
«عِنْدَمَا كُنَّا نُفَتِّشُ البَيْتَ فَمِنَ المُمْكِنِ... أَنَّهُ خَرَجَ... فِي هُدُوءٍ...»
«أَنْتَ تَنْسَى أَمْراً وَاحِداً...»
«أَيُّ أَمْرٍ يَا سَيِّدِي...؟»
«زَمِيلُنَا أَيْضاً مُخْتَفٍ». كَانَ عَقْلُ إِكْرَام يَعْمَلُ بِسُرْعَةٍ.
«أَنْتَ تَقُولُ الصَّوَابَ...»
«لِمَاذَا لَا نَتَفَحَّصُ الغُرْفَةَ مَرَّةً أُخْرَى...»
«يَجِبُ حَتْماً...»
بَدَأُوا يَتَفَحَّصُونَ الغُرْفَةَ مَرَّةً أُخْرَى.
«سَيِّدِي... مَا هَذَا الشَّيْءُ...!»
عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ لِيَاقَت رَكَضَ إِكْرَام إِلَيْهِ... كَانَ وَاقِفاً عِنْدَ أَحَدِ الجُدْرَانِ.
«مَا هُوَ الشَّيْءُ...؟»
«سَيِّدِي! أَلَا يَبْدُو لَكَ هَذَا الجِدَارُ فِي هَذَا المَوْضِعِ غَرِيباً! أَنَـ... أَنَا أَقْصِدُ... أَلَيْسَ لَوْنُ الطِّلَاءِ عَلَى الجِدَارِ فِي هَذَا المَوْضِعِ مُخْتَلِفاً قَلِيلاً...؟»
نَظَرَ إِكْرَام بِعِنَايَةٍ. كَلَامُ لِيَاقَت كَانَ صَحِيحاً... كَانَتْ تِلْكَ دَائِرَةً مِثْلَ غِطَاءِ الزُّجَاجَةِ... طِلَاءُ هَذِهِ الدَّائِرَةِ كَانَ مُخْتَلِفاً قَلِيلاً عَنْ بَقِيَّةِ طِلَاءِ الجِدَارِ... تَفَحَّصَ إِكْرَام الجُدْرَانَ الأُخْرَى لِلْغُرْفَةِ... كَانَتْ مَرْسُومَةً عَلَى كُلِّهَا دَوَائِرُ تُشْبِهُ تِلْكَ الدَّائِرَةَ... وَلَوْنُ طِلَائِهَا أَيْضاً كَانَ مِثْلَ تِلْكَ الدَّائِرَةِ... كَأَنَّ جُدْرَانَ الغُرْفَةِ زُيِّنَتْ بِدَوَائِرَ ذَاتِ أَلْوَانٍ خَفِيفَةٍ... وَهَذِهِ الدَّوَائِرُ لَمْ تَكُنْ تُرَى فِي النَّظْرَةِ الأُولَى...
«لَا شَيْءَ هُنَا يَا لِيَاقَت... مِثْلُ هَذِهِ الدَّوَائِرِ مَوْجُودَةٌ عَلَى الجُدْرَانِ الأُخْرَى أَيْضاً... عَلَيْنَا أَنْ نَبْحَثَ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ»، قَالَ إِكْرَام.
«كَلَّا يَا سَيِّدِي... هَذِهِ الدَّائِرَةُ لَيْسَتْ مِثْلَ بَقِيَّةِ الدَّوَائِرِ...» كَانَ لِيَاقَت يَبْتَسِمُ.
«مَاذَا تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ...؟»
«سَيِّدِي! عَلَى هَذَا الجِدَارِ تُوجَدُ هَذِهِ الدَّائِرَةُ الوَاحِدَةُ فَقَطْ بَيْنَمَا عَلَى بَقِيَّةِ الجُدْرَانِ دَوَائِرُ كَثِيرَةٌ...»
«أُوه... يَا لَلْعَجَبِ... أَنْـ... أَنْتَ تَقُولُ الصَّوَابَ... هَذَا لَمْ أَنْتَبِهْ إِلَيْهِ إِطْلَاقاً... يَبْدُو... أَنَّنَا نَجَحْنَا فِي العُثُورِ عَلَى البَابِ السِّرِّيِّ...»
«سَيِّدِي... هَذَا لَيْسَ بَاباً... هِيَ دَائِرَةٌ... هَلْ أَضْغَطُ عَلَيْهَا؟»
«اضْغَطْ حَتْماً... سَتَرَى... سَيَنْفَتِحُ بَابٌ فِي هَذِهِ الغُرْفَةِ...» كَانَ الحَمَاسُ عَلَى وَجْهِ إِكْرَام.
وَثَبَتَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ فِكْرَةَ إِكْرَام كَانَتْ صَحِيحَةً... بِمُجَرَّدِ أَنْ وَضَعَ لِيَاقَت إِبْهَامَهُ عَلَى الدَّائِرَةِ وَضَغَطَ... بَدَأَ بَابٌ يَنْفَتِحُ فِي الجِدَارِ المُجَاوِرِ لِلْحَمَّامِ...
«أَصَبْنَاهَا...!!! لَقَدْ عَثَرْنَا عَلَى البَابِ السِّرِّيِّ...» هَتَفَ لِيَاقَت.
ثُمَّ انْدَفَعُوا نَحْوَ البَابِ...
(يُتْبَعُ)

