جَعَلَ حَضْرَةُ عُمَرَ الْفَارُوقِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) فِي عَهْدِهِ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَاضِيًا عَلَى فِلَسْطِينَ. وَكَانَتْ فِلَسْطِينُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وِلَايَةً تَابِعَةً لِلشَّامِ وَتَحْتَ إِمَارَةِ مُعَاوِيَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ). وَفِي إِحْدَى الْمَسَائِلِ وَقَعَ بَيْنَهُمَا خِلَافٌ شَدِيدٌ، فَاشْتَدَّ النِّزَاعُ وَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) كَلَامًا شَدِيدًا. فَغَضِبَ عُبَادَةُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) عِنْدَ ذَلِكَ وَقَالَ: "لَا أُسَاكِنُكَ فِي أَرْضٍ تَكُونُ فِيهَا أَبَدًا."
وَبَعْدَ أَنْ قَالَ هَذَا، خَرَجَ مِنْ فِلَسْطِينَ وَقَدِمَ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ. فَلَمَّا رَجَعَ عُبَادَةُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، سَأَلَهُ عُمَرُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): "مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ؟"
فَقَصَّ عَلَيْهِ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) الْوَاقِعَةَ كُلَّهَا.
فَلَمَّا سَمِعَ حَضْرَةُ عُمَرَ الْفَارُوقِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) كَلَامَهُ قَالَ: "ارْجِعْ إِلَى مَكَانِكَ، فَبِأَمْثَالِكَ تُقَامُ الدُّنْيَا، وَلَنْ يُصْلِحَ اللَّهُ أَرْضًا لَسْتَ فِيهَا أَنْتَ وَأَمْثَالُكَ."
ثُمَّ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): "لا إِمَارَةَ لَكَ عَلَى عُبَادَةَ... وَلَا تَسْأَلْهُ عَنْ شَيْءٍ وَلَا تُعَاقِبْهُ."
وَبِنَصِيحَةِ حَضْرَةِ عُمَرَ الْفَارُوقِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، رَجَعَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) إِلَى الشَّامِ وَبَقِيَ هُنَاكَ حَتَّى آخِرِ عُمُرِهِ.
وَفِي عَهْدِ حَضْرَةِ عُثْمَانَ الْغَنِيِّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، أَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) رِسَالَةً إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ فِيهَا: "اِئْذَنْ لَنَا بِالْجِهَادِ فِي الْبَحْرِ."
فَأَجَابَهُ حَضْرَةُ عُثْمَانَ الْغَنِيِّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): "قَدْ سَأَلْتَ هَذَا مِنْ قَبْلُ عُمَرَ الْفَارُوقَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) فَمَنَعَكَ... فَكَيْفَ آذَنُ لَكَ أَنَا الآنَ؟"
فَأَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) جَوَابًا: "إِنَّ الْجِهَادَ فِي الْبَحْرِ سَهْلٌ جِدًّا... وَالْمَنْطِقَةُ الَّتِي نُرِيدُ الْهُجُومَ عَلَيْهَا قَرِيبَةٌ."
فَأَرْسَلَ حَضْرَةُ عُثْمَانَ الْغَنِيُّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) رِسَالَةً رَدًّا عَلَى ذَلِكَ: "إِنْ كَانَ (هَذَا السَّفَرُ سَهْلًا كَمَا تَذْكُرُ)، فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُسَافِرَ فِي هَذَا الْجِهَادِ مَعَ زَوْجَتِكَ؟ (فَإِنْ كَانَ الْجَوَابُ بِنَعَمْ) فَإِنِّي آذَنُ لَكَ (بِالْجِهَادِ الْبَحْرِيِّ)... وَإِلَّا (فَلَنْ آذَنَ لَكَ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ الْفَارُوقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)."
فَرَضِيَ مُعَاوِيَةُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) بِذَلِكَ، وَبَدَأَ يُنَادِي فِي النَّاسِ وَيَدْعُوهُمْ لِلْجِهَادِ الْبَحْرِيِّ... وَأَعْلَنَ أَيْضًا أَنْ "يَشْتَرِكَ كُلُّ امْرِئٍ فِي هَذِهِ الْحَرْبِ مَعَ زَوْجَتِهِ."
فَالْتَبَسَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) هَذِهِ الدَّعْوَةَ وَاسْتَجَابَ لَهَا... وَاشْتَرَكَتْ زَوْجَتُهُ أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) مَعَ زَوْجِهَا فِي هَذِهِ الْحَرْبِ. وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) قَدْ ضَايَفَتِ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّةً، لِأَنَّهَا كَانَتْ خَالَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَتْ تُطْعِمُهُ وَتَخْدُمُهُ... وَفِي إِحْدَى الْمَرَّاتِ كَانَتْ تُفَلِّي رَأْسَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَامَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ بَعْدَ قَلِيلٍ وَهُوَ يَضْحَكُ... فَسَأَلَتْهُ أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا): "مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟"
فَأَجَابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ."
فَقَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا): "ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ."
فَدَعَا لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ)
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا: "أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا (أَيْ وَجَبَتْ لَهُمُ الْجَنَّةُ)." (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)
وَعِنْدَمَا أَعْلَنَ مُعَاوِيَةُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) الْقِتَالَ عَلَى السُّفُنِ الْبَحْرِيَّةِ، اشْتَرَكَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) مَعَ زَوْجَتِهِ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) فِي هَذِهِ الْحَرْبِ، وَجَاهَدَا فِي الْبَحْرِ وَكَتَبَا اسْمَيْهِمَا فِي عُدَّادِ الَّذِينَ بَشَّرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَنَّةِ.
وَبَعْدَ الْعَوْدَةِ مِنْ هَذِهِ الْغَزْوَةِ بِفَتْرَةٍ، مَرِضَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) وَحَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ. وَفِي مَرَضِ الْمَوْتِ قَبْلَ وَفَاتِهِ، طَلَبَ مِنْهُ ابْنُهُ قَائِلًا: "أَوْصِنِي."
فَرَدَّ عَلَيْهِ عُبَادَةُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَائِلًا: "أَجْلِسُونِي."
فَلَمَّا أَجْلَسَهُ ابْنُهُ قَالَ: "يَا بُنَيَّ...! آمِنْ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَإِلَّا فَلَا خَيْرَ فِي إِيمَانِكَ."
وَفِي هَذِهِ الأَثْنَاءِ دَخَلَ عَلَيْهِ تِلْمِيذُهُ النَّجِيبُ الصُّنَابِحِيُّ، فَلَمَّا رَأَى أُسْتَاذَهُ فِي حَالَةِ النَّزْعِ بَكَى.
فَنَهَاهُ عُبَادَةُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) عَنِ الْبُكَاءِ وَقَالَ: "كُلُّ الأَحَادِيثِ الَّتِي كَانَتْ ضَرُورِيَّةً (وَكُنْتُ أَحْفَظُهَا) قَدْ بَلَّغْتُكُمْ إِيَّاهَا (بِكُلِّ أَمَانَةٍ)، إِلا حَدِيثًا وَاحِدًا بَقِيَ عَلَيَّ. وَالآنَ أُحَدِّثُكُمْ بِهِ."
ثُمَّ بَدَأَ يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ، وَمَا إِنْ أَتَمَّ الْحَدِيثَ حَتَّى فَاضَتْ رُوحُهُ الطَّاهِرَةُ.
وَكَانَ عُمُرُهُ عِنْدَ الْوَفَاةِ ٢٧ عَامًا (اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً).
وَقَالَ عَنْهُ مُعَاوِيَةُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): "هُوَ (أَيْ عُبَادَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَفْقَهُ مِنِّي (فِي دِينِ اللَّهِ)."
وَلَمَّا سُئِلَ حَضْرَةُ جُنَادَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: "كَانَ (عُبَادَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) فَقِيهًا مِنْ كِبَارِ فُقَهَاءِ دِينِ اللَّهِ."
١ (الْمَصْدَرُ: سُنَنُ ابْنِ مَاجَه، ج٣، كِتَابُ الطِّبِّ، بَابُ: نُشْرَةُ الْحُمَّى، حَدِيث ٤٠٨) (سِيَرُ الصَّحَابَةِ، ج٣، سِيَرُ الأَنْصَارِ (الْجُزْءُ الثَّانِي) بَابُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)
