كَمَا كَانَ الحَالُ فِي دَارِ الأَرْقَمِ، كَانَ المُسْلِمُونَ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ بِحَاجَةٍ إِلَى التَّعَلُّمِ. فَبَعْدَ بِنَاءِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، أُقِيمَتِ "الصُّفَّةُ"، وَهِيَ دَكَّةٌ خَارِجَ المَسْجِدِ يَنْتَظِمُ فِيهَا الصَّحَابَةُ لِتَلَقِّي العِلْمِ. وَبِسَبَبِ مَشَاغِلِ النَّبِيِّ ﷺ، أَوْكَلَ طُلَّابَ الصُّفَّةِ إِلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَكَانَ مُعَلِّمَهُمْ يُعَلِّمُهُمْ قِرَاءَةَ القُرْآنِ وَالكِتَابَةَ.
وَإِلَى جَانِبِ قِرَاءَةِ القُرْآنِ، كَانَ عُبَادَةُ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) خَبِيرًا بِالْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ وَمُجْتَهِدًا فِي نَشْرِهِ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ الكَنَائِسَ وَيَقْرَأُ أَحَادِيثَ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى المُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى. وَقَدْ رَوَى العَلَّامَةُ البُخَارِيُّ عَنْهُ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً. كَمَا بَرَعَ فِي الفِقْهِ وَقَدَّمَ الدِّينَ عَلَى كُلِّ صَدَاقَةٍ وَقَرَابَةٍ.
شَارَكَ عُبَادَةُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ (2 هـ) مَعَ الـ 313 صَحَابِيًّا. وَبَعْدَ الغَزْوَةِ، عِنْدَمَا حَاوَلَ بَنُو قَيْنُقَاعَ التَّمَرُّدَ، أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِجْلَائِهِمْ. وَكَانَتْ لِعُبَادَةَ حُلَفَاءُ وَقَرَابَةٌ فِيهِمْ، فَرَجَوْا أَنْ يَشْفَعَ لَهُمْ، لَكِنَّهُ – حُبًّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ – قَطَعَ كُلَّ صِلَةٍ بِهِمْ وَرَفَضَ الشَّفَاعَةَ لِلْمُتَمَرِّدِينَ.
كَمَا شَارَكَ فِي بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ. وَفِي آخِرِ حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، عَيَّنَهُ عَامِلًا وَأَوْصَاهُ: "اتَّقِ اللهَ كَيْ لا تَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَتَشْكُوكَ شَاةٌ إِلَى اللهِ". فَقَالَ عُبَادَةُ: "وَاللهِ لا أَكُونُ أَمِيرًا عَلَى اثْنَيْنِ"، ثُمَّ أَدَّى الوَظِيفَةَ طَاعَةً لِلأَمْرِ النَّبَوِيِّ فَقَطْ.
وَبَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، شَارَكَ فِي فُتُوحَاتِ الشَّامِ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ)، وَاسْتَمَرَّ فِي الجِهَادِ فِي عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ). وَعِنْدَمَا اسْتَعْصَى فَتْحُ مِصْرَ عَلَى عَمْرِو بْنِ العَاصِ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ)، طَلَبَ الإِمْدَادَ مِنْ عُمَرَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَرْبَعَةَ آلَافِ مُجَاهِدٍ عَلَى رَأْسِهِمْ أَرْبَعَةُ قَادَةٍ، وَكَتَبَ لَهُ: "كُلُّ قَائِدٍ مِنْهُمْ بِأَلْفِ رَجُلٍ"، وَكَانَ عُبَادَةُ أَحَدَهُمْ.
فَرِحَ عَمْرُوبْنُ العَاصِ بِهَذَا المَدَدِ، وَطَلَبَ رُمْحَ عُبَادَةَ، ثُمَّ لَفَّ عِمَامَتَهُ عَلَى الرُّمْحِ وَجَعَلَهَا رَايَةَ القِيَادَةِ وَسَلَّمَهَا لِعُبَادَةَ قَائِلًا: "هَذِهِ رَايَةُ القَائِدِ، وَأَنْتَ اليَوْمَ قَائِدُ المَعْرَكَةِ". أَخَذَ عُبَادَةُ الرَّايَةَ وَنَظَّمَ الجَيْشَ وَشَنَّ الهُجُومَ، فَتَمَّ فَتْحُ مِصْرَ بِفَضْلِ اللهِ مِنْ أَّوَّلِ حَمْلَةٍ.
