اسْتَغَلَّ تَبْرِيزُ عُطْلَةَ يَوْمِ الأَحَدِ، وَذَهَبَ إِلَى بَيْتِ صَدِيقِهِ هَاجِسٍ. وَبِمُجَرَّدِ أَنْ دَخَلَ الفِنَاءَ، رَأَى هَاجِسًا وَاقِفًا فِي وَسَطِ الدَّارِ. كَانَتِ العَصَافِيرُ وَطُيُورُ المَيْنَا مَشْغُولَةً بِنَقْرِ الحُبُوبِ عَلَى الأَرْضِ، وَهَاجِسٌ يُطْعِمُهَا. كَانَ المَنْظَرُ عَجِيبًا لِتَبْرِيزَ، وَازْدَادَتْ دَهْشَتُهُ عِنْدَمَا رَأَى الطُّيُورَ تَجْلِسُ دُونَ خَوْفٍ وَلا تَشْعُرُ بِأَيِّ خَطَرٍ مِنْ هَاجِسٍ.
"أَهْلًا تَبْرِيزُ! تَعَالَ إِلَى هُنَا،" قَالَ هَاجِسٌ بَفَرَحٍ عِنْدَمَا رَأَى تَبْرِيزَ وَاقِفًا عِنْدَ البَابِ. حَوَّلَ تَبْرِيزُ دَهْشَتَهُ إِلَى ابْتِسَامَةٍ وَاقْتَرَبَ، لَكِنَّ الطُّيُورَ طَارَتْ كُلُّهَا بِمُجَرَّدِ أَنْ رَأَتْهُ.
"لِمَاذَا طَارَتْ؟" سَأَلَ تَبْرِيزُ.
"لِأَنَّهَا رَأَتْكَ وَشَعَرَتْ بِالخَوْفِ مِنْكَ،" أَجَابَهُ هَاجِسٌ ضَاحِكًا.
"لَكِنَّكَ كُنْتَ وَاقِفًا مَعَهَا، لِمَاذَا لَمْ تَطِرْ مِنْكَ؟" سَأَلَ تَبْرِيزُ بِبَرَاءَةٍ.
"لِأَنَّ الطُّيُورَ أَصْدِقَائِي، وَهِيَ تَعْلَمُ أَنِّي لا أُؤْذِيهَا،" قَالَ هَاجِسٌ.
"يَا لَلرَّوْعَةِ!" قَالَ تَبْرِيزُ.
"عَلَى كُلٍّ، جِئْتُ لِزِيَارَتِكَ. أَخْبَرْتَنِي فِي المَدْرَسَةِ أَنَّ لَدَيْكَ كُتُبَ قِصَصٍ كَثِيرَةً. أُرِيدُ قِرَاءَتَهَا، فَأَنَا أُحِبُّ القِصَصَ جِدًّا،" قَالَ تَبْرِيزُ بِسَعَادَةٍ.
"نَعَمْ! تَعَالَ إِلَى غُرْفَتِي،" أَمْسَكَ هَاجِسٌ بِيَدِهِ.
OO
"يَجِبُ أَنْ أُصَادِقَ الطُّيُورَ مِثْلَ هَاجِسٍ،" فَكَّرَ تَبْرِيزُ بَعْدَ عَوْدَتِهِ إِلَى البَيْتِ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى السَّرِيرِ الخَشَبِيِّ فِي الفِنَاءِه.
"سَيَكُونُ الأَمْرُ جَمِيلًا جِدًّا عِنْدَمَا أُصَادِقُهَا وَأَلْعَبُ مَعَهَا،" زَمْزَمَ تَبْرِيزُ.
"لَكِنْ كَيْفَ سَتَكُونُ صَدِيقَتِي؟" حَكَّ رَأْسَهُ مُفَكِّرًا.
"زَقْزَقَةٌ، زَقْزَقَةٌ!" رَفَعَ رَأْسَهُ فَرَأَى عُصْفُورًا يُغَنِّي عَلَى الجِدَارِ، فَشَعَرَ بِسَعَادَةٍ كَبِيرَةٍ.
"أَيُّهَا العُصْفُورُ الجَمِيلُ! هَلْ تُصَادِقُنِي؟" اقْتَرَبَ مِنْهُ، لَكِنَّ العُصْفُورَ طَارَ دُونَ أَنْ يُجِيبَ.
نَظَرَ تَبْرِيزُ بِحَسْرَةٍ. ثُمَّ جَاءَ طَائِرُ المَيْنَا وَحَطَّ عَلَى الجِدَارِ. "أَيُّهَا الطَّائِرُ الجَمِيلُ! أُرِيدُ صَدَاقَتَكَ." وَبِمُجَرَّدِ أَنْ اقْتَرَبَ، طَارَ الطَّائِرُ. لَمْ يَكُنْ أَيُّ طَائِرٍ مُسْتَعِدًّا لِصَدَاقَتِهِ.
"لا أَحَدَ مِنَ الطُّيُورِ يُرِيدُ صَدَاقَتِي،" حَزِنَ تَبْرِيزُ. وَفِي الصَّبَاحِ البَاكِرِ مِنَ اليَوْمِ التَّالِي، ذَهَبَ إِلَى بَيْتِ هَاجِسٍ. وَكَالعَادَةِ، كَانَ هَاجِسٌ مَشْغُولًا بِإِطْعَامِ "أَصْدِقَائِهِ".
بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ تَبْرِيزَ، طَارَتِ الطُّيُورُ كُلُّهَا.
"أَرَأَيْتَ؟ أَصْدِقَاؤُكَ طَارُوا بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِي!" قَالَ تَبْرِيزُ.
ضَحِكَ هَاجِسٌ وَقَالَ: "يَا صَدِيقِي، إِنَّهُمْ يَخَافُونَ مِنَ الغُرَبَاءِ."
قَالَ تَبْرِيزُ: "جِئْتُ لِأَطْلُبَ مُسَاعَدَتَكَ. حَاوَلْتُ الأَمْسَ صَدَاقَتَهُمْ وَلَمْ أَنجَحْ."
"كَيْفَ حَاوَلْتَ؟"
حَكَى تَبْرِيزُ مَا حَدَثَ، فَضَحِكَ هَاجِسٌ كَثِيرًا. "لَيْسَتْ هَذِهِ هِيَ الطَّرِيقَةُ!"
"كَيْفَ إِذًا؟"
"سَأَجْلِبُ نِصْفَ رَغِيفِ خُبْزٍ مِنَ المَطْبَخِ،" قَالَ هَاجِسٌ.
"هَلْ لَمْ تَتَنَاوَلْ فُطُورَكَ؟ انْتَظِرْ، عَلِّمْنِي أَوَّلًا كَيْفَ أُصَادِقُ الطُّيُورَ، ثُمَّ نَذْهَبُ إِلَى بَيْتِي وَأُعْطِيكَ رَغِيفًا كَامِلًا!" قَالَ تَبْرِيزُ بِسُرْعَةٍ.
ضَحِكَ هَاجِسٌ وَقَالَ: "لَسْتُ آخُذُ الخُبْزَ لِنَفْسِي."
"لِمَنْ إِذًا؟"
"انْظُرْ وَسَتَعْرِفُ."
قَطَّعَ هَاجِسٌ الخُبْزَ إِلَى قِطَعٍ صَغِيرَةٍ وَقَالَ لِتَبْرِيزَ: "ادْخُلِ الغُرْفَةَ وَانْظُرْ مِنَ النَّافِذَةِ."
كَانَ هَاجِسٌ يَطْرَحُ القِطَعَ الصَغِيرَةَ عَلَى الأَرْضِ، فَجَاءَتِ الطُّيُورُ تَأْكُلُهَا.
"آهِ! هَكَذَا نُصَادِقُ الطُّيُورَ،" فَهِمَ تَبْرِيزُ وَهُوَ يَنْظُرُ مِنَ النَّافِذَةِ.
قَالَ هَاجِسٌ: "أَطْعِمْهَا وَاسْقِهَا المَاءَ، وَسَتَصْبِحُ أَصْدِقَاءَكَ."
OO
فِي صَبَاحِ الأَحَدِ التَّالِي، جَاءَ هَاجِسٌ لِزِيَارَةِ تَبْرِيزَ. فَرَآهُ وَاقِفًا فِي الفِنَاءِ يُطْعِمُ الطُّيُورَ قِطَعَ الخُبْزِ وَالحُبُوبِ، وَالطُّيُورُ تَأْكُلُ بِسَعَادَةٍ. وَعِنْدَمَا اقْتَرَبَ هَاجِسٌ، طَارَتِ الطُّيُورُ كُلُّهَا.
"أَوْهِ! لَقَدْ طَارَتْ!" قَالَ هَاجِسٌ.
"نَعَمْ! لِأَنَّهَا أَصْدِقَائِي أَنَا، وَلَيْسَتْ أَصْدِقَاءَكَ!"
وَضَحِكَ تَبْرِيزُ وَهَاجِسٌ مَعًا بِأَعْلَى صَوْتِهِمَا.
