مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا مَرَضًا شَدِيدًا، وَأَصَابَتْهُ حُمَّى قَوِيَّةٌ. فَلَمَّا عَلِمَ هَذَا الصَّحَابِيُّ بِمَرَضِ النَّبِيِّ ﷺ، اضْطَرَبَ قَلْبُهُ، وَتَرَكَ أَعْمَالَهُ كُلَّهَا، وَأَسْرَعَ لِعِيَادَتِهِ. وَكَانَ خَالًا لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَكَانَ يَزُورُهُ صَبَاحًا وَمَسَاءً لِيَطْمَئِنَّ عَلَيْهِ.
وَفِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، جَاءَ لِعِيَادَتِهِ فَوَجَدَ تَحَسُّنًا فِي صِحَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَسَأَلَهُ: "كَيْفَ تَجِدُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟"
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "جَاءَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَرَقَانِي بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ:
«بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ حَسَدِ حَاسِدٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ، اللَّهُ يَشْفِيكَ»."
ثُمَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ مَنْ عَلَّمَهُ هَذِهِ الرُّقْيَةَ.
هَذَا الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ الَّذِي قَلِقَ عَلَى صِحَّةِ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْوَلِيدِ. يَنْتَمِي إِلَى بَنِي سَالِمٍ مِنْ قَبِيلَةِ الْخَزْرَجِ. أَبُوهُ الصَّامِتُ بْنُ قَيْسٍ، وَأُمُّهُ قُرَّةُ الْعَيْنِ بِنْتُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ، وَقَدْ سَمَّتْهُ أُمُّهُ عَلَى اسْمِ أَبِيهَا.
كَانَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طَوِيلَ الْقَامَةِ، قَوِيَّ الْبِنْيَةِ، أَسْمَرَ اللَّوْنِ، وَكَانَ جَمِيلًا جِدًّا وَوَسِيمًا.
عِنْدَمَا دَعَا النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْإِسْلَامِ، أَعْرَضَ عَنْهُ أَهْلُ مَكَّةَ. وَبَعْدَ مَضِيِّ حَدَثَ عَشَرَ عَامًا مِنَ الدَّعْوَةِ، قَدِمَ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ (يَثْرِبَ) لِلْحَجِّ. فَدَعَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَسَأَلَهُمْ: "مِنْ أَيْنَ أَنْتُمْ؟ أَمِنْ يَثْرِبَ؟"
قَالُوا: "نَعَمْ!"
قَالَ: "هَلْ تَجْلِسُونَ أُحَدِّثْكُمْ؟"
قَالُوا: "نَعَمْ، بِالتَّأْكِيدِ."
فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ. وَكَانُوا قَدْ سَمِعُوا مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ فِي الْمَدِينَةِ عَنْ صِفَاتِ نَبِيِّ آخِرِ الزَّمَانِ، فَرَأَوْا تِلْكَ الصِفَاتِ كُلَّهَا فِي النَّبِيِّ ﷺ، فَأَسْلَمُوا فَوْرًا. وَكَانُوا سِتَّةَ نَفَرٍ، كَانَ مِنْ بَيْنِهِمْ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. فَلَمَّا عَادُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، بَشَّرُوا قَوْمَهُمْ بِظُهُورِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَفِي الْعَامِ التَّالِي، قَدِمَ إِحْدَى عَشَرَ رَجُلًا فَأَسْلَمُوا. وَفِي الْعَامِ الثَّالِثِ، قَدِمَ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ شَخْصًا فِي الْمَوْسِمِ وَبَايَعُوا النَّبِيَّ ﷺ. وَكَانَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَاضِرًا فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْبَيْعَاتِ (بَيْعَاتِ الْعَقَبَةِ). وَفِي الْبَيْعَةِ الثَّالِثَةِ، عَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ نَقِيبًا عَلَى بَنِي قَوَاقِلَ مِنْ الْخَزْرَجِ.
كَانَ عُبَادَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شُجَاعًا وَمِقْدَامًا مُنْذُ الْبِدَايَةِ. فَلَمَّا عَادَ مُسْلِمًا، دَعَا أُمَّهُ قُرَّةَ الْعَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَأَسْلَمَتْ. وَكَانَ لَهُ صَدِيقٌ يُدْعَى كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَسْلَمَ بَعْدُ، وَكَانَ فِي بَيْتِهِ صَنَمٌ كَبِيرٌ. فَأَرَادَ عُبَادَةُ أَنْ يُطَهِّرَ بَيْتَ صَدِيقِهِ مِنَ الشِّرْكِ، فَدَخَلَ بَيْتَهُ يَوْمًا فِي غِيَابِهِ وَكَسَرَ الصَّنَمَ. فَلَمَّا رَأَى كَعْبٌ ذَلِكَ فَكَّرَ: "كَيْفَ يَكُونُ هَذَا الصَّنَمُ إِلَهًا وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ حِمَايَةَ نَفْسِهِ؟" فَشَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ وَأَسْلَمَ.
وَبَعْدَ ذَلِكَ، عِنْدَمَا أَذِنَ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَجَعَلَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخًا لِأَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ عُبَادَةَ حُبًّا جَمًّا. وَمَرَّةً مَرِضَ عُبَادَةُ، فَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِنَفْسِهِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ لِعِيَادَتِهِ.
كَانَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَقُرَّائِهِمْ، وَقَدْ حَفِظَ الْقُرْآنَ كَامِلًا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ. وَكَانَ مِمَّنْ حَفِظُوا الْقُرْآنَ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ خَمْسَةُ صَحَابِيِّينَ، كَانَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَحَدَهُمْ.
