فِي غَابَةٍ خَضْرَاءَ جَمِيلَةٍ، كَانَ يَعِيشُ دُبٌّ وَثَعْلَبَةٌ. كَانَتِ الطُّيُورُ تُغَرِّدُ، وَالْهَوَاءُ العَلِيلُ يَمْلَأُ المَكَانَ. كَانَتِ الثَّعْلَبَةُ ذَكِيَّةً وَمَكَّارَةً جِدًّا، أَمَّا الدُّبُّ فَكَانَ طَيِّبًا وَنَسَّاءً، يَنْسَى كُلَّ شَيْءٍ سَرِيعًا! وَلِهَذَا كَانَتْ حَيَوَانَاتُ الْغَابَةِ تُنَادِيهِ: "الدُّبَّ النَّسَّاءَ".
كَانَ الدُّبُّ يُحِبُّ الْعَسَلَ حُبًّا شَدِيدًا. وَفِي صَبَاحِ أَحَدِ الْأَيَّامِ، ظَلَّ يَبْحَثُ عَنِ الْعَسَلِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا. تَعِبَ الدُّبُّ وَنَامَ تَحْتَ شَجَرَةٍ كَبِيرَةٍ نَوْمًا عَمِيقًا.
كَانَتِ الثَّعْلَبَةُ تَقِفُ خَلْفَ الشُّجَيْرَاتِ وَتُرَاقِبُهُ. كَانَتْ تَعْرِفُ أَنَّ الدُّبَّ يَعْشَقُ الْعَسَلَ، فَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا:
"سَأَفْعَلُ حِيلَةً ذَكِيَّةً! يَجْتَهِدُ الدُّبُّ لِلْحُصُولِ عَلَى الْعَسَلِ، وَآكُلُ أَنَا العَسَلَ اللَّذِيذَ مَجَّانًا!"
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، جَاءَ أَرْنَبٌ الصَغِيرُ يَقْفِزُ وَقَالَ:
"خَالَتِي الثَّعْلَبَةُ! جِئْتُ أُخْبِرُكِ بِخَبَرٍ جَدِيدٍ!"
سَأَلَتْهُ الثَّعْلَبَةُ: "مَا هُوَ الْخَبَرُ؟"
قَالَ الْأَرْنَبُ: "قَرِيبًا مِنْ هُنَا، خَيَّمَ بَعْضُ الْبَشَرِ. لَدَيْهِمْ صَنَادِيقُ خَشَبِيَّةٌ كَبِيرَةٌ لِنَحْلِ الْعَسَلِ، وَهُمْ يَجْمَعُونَ الْعَسَلَ الدَّاخِلَهَا."
لَمَعَتْ عَيْنَا الثَّعْلَبَةِ مِنَ الْفَرَحِ، وَفَكَّرَتْ سَرِيعًا:
"سَأَجْلِبُ صُنْدُوقًا مِنْ هُنَاكَ وَأُعْطِيهِ لِلدُّبِّ. هُوَ مَنْ سَيَفْتَحُ الصُّنْدُوقَ وَيَتَعَذَّبُ مَعَ النَّحْلِ، وَأَنَا سَآكُلُ الْعَسَلَ بِلَا تَعَبٍ!"
طَرَدَتِ الثَّعْلَبَةُ الْأَرْنَبَ وَذَهَبَتْ بِهَدُوءٍ نَحْوَ مَخَيَّمِ الْبَشَرِ. رَأَتْ خَيْمَةً صَغِيرَةً، وَعِنْدَمَا تَأَكَّدَتْ أَنَّ المَكَانَ خَالٍ، خَطَفَتْ صُنْدُوقًا صَغِيرًا وَهَرَبَتْ سَرِيعًا.
وَصَلَتِ الثَّعْلَبَةُ إِلَى الدُّبِّ وَقَالَتْ لَهُ:
"يَا صَدِيقِي الْعَزِيزَ! اِفْتَحْ عَيْنَيْكَ وَانْظُرْ مَاذَا أَحْضَرْتُ لَكَ!"
فَتَحَ الدُّبُّ عَيْنَيْهِ بِبُطْءٍ وَقَالَ بِنَهَشَةٍ: "مَا هَذَا؟"
ابْتَسَمَتِ الثَّعْلَبَةُ وَقَالَتْ: "هَذَا صُنْدُوقٌ تَخْبَأُ فِيهِ النَّحْلُ الْعَسَلَ، جِئْتُ بِهِ مِنْ أَجْلِكَ!"
فَرِحَ الدُّبُّ كَثِيرًا، وَمَا إِنْ فَتَحَ الصُّنْدُوقَ حَتَّى خَرَجَتْ مِنهُ سِرْبٌ مِنَ النَّحْلِ الْغَاضِبِ!
خَافَ الدُّبُّ وَبَدَأَ يَرْكُضُ فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ، وَالنَّحْلُ يُطَارِدُهُ وَيَصْرُخُ: "أَيُّهَا السَّارِقُ! لِمَاذَا أَخَذْتَ بَيْتَنَا وَنَحْنُ نَرْتَاحُ؟!"
صَرَخَ الدُّبُّ: "أَنْقِذُونِي! أَنْقِذُونِي!"
كَانَتِ الثَّعْلَبَةُ تَقِفُ بَعِيدًا وَتَضْحَكُ. وَبَيْنَمَا كَانَ الدُّبُّ يَشْتَغِلُ بِالنَّحْلِ، أَخَذَتِ الثَّعْلَبَةُ الْعَسَلَ مِنْ الصُّنْدُوقِ وَهَرَبَتْ بِهِ بَيْنَ الأَشْجَارِ.
تَعِبَ الدُّبُّ كَثِيرًا مِنْ الْمُطَارَدَةِ حَتَّى سَقَطَ عَلَى الأَرْضِ وَأُغْمِيَ عَلَيْهِ. عِنْدَهَا، تَرَكَهُ النَّحْلُ وَطَارَ بَعِيدًا.
مَرَّ الأَسَدُ المَلِكُ بَعْدَ قَلِيلٍ، وَأَيْقَظَ الدُّبَّ وَسَأَلَهُ: "مَاذَا حَدَثَ لَكَ يَا دُبُّ؟"
حَكَّ الدُّبُّ رَأْسَهُ وَقَالَ: "لَا أَتَذَكَّرُ يَا مَلِكِي..."
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، أَرَادَتِ الثَّعْلَبَةُ أَنْ تُكَرِّرَ نَفْسَ الْحِيلَةِ. أَحْضَرَتْ صُنْدُوقًا آخَرَ وَقَالَتْ لِلدُّبِّ أَنْ يَفْتَحَهُ. لَكِنَّ الدُّبَّ لَمْ يَكُنْ قَدْ نَسِيَ مَا حَدَثَ بِالأَمْسِ! تظَاهَرَ بِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا وَقَالَ:
"هَاتِي الصُّنْدُوقَ! سَأَفْتَحُهُ. بِالأَمْسِ سَرَقَ أَحَدٌ عَسَلَنَا، أَمَّا الْيَوْمَ فَلَنْ نَسْمَحَ لأَحَدٍ بِسَرِقَتِهِ!"
فَتَحَ الدُّبُّ الصُّنْدُوقَ، فَخَرَجَ النَّحْلُ وَوَقَفَ فِي الْهَوَاءِ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِغَضَبٍ. نَظَرَ الدُّبُّ بِذَكَاءِ نَحْوَ الشَّجَرَةِ الَّتِي تَخْتَبِئُ خَلْفَهَا الثَّعْلَبَةُ.
فَجْأَةً، قَالَتْ مَلِكَةُ النَّحْلِ: "لَا تَهْجُمُوا عَلَى الدُّبِّ! هُوَ لَيْسَ السَّارِقَ. السَّارِقُ الْحَقِيقِيُّ يَخْتَبِئُ خَلْفَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ، أَنَا رَأَيْتُهَا أَمْسِ أَيْضًا!"
قَالَ الدُّبُّ سَرِيعًا: "نَعَمْ! اِنْتَبِهُوا حَتَّى لَا تَسْرِقَ عَسَلَكُمُ الْيَوْمَ أَيْضًا! لَقَدْ رَأَيْتُهَا أَمْسِ تَأْخُذُ العَسَلَ وَتَظَاهَرْتُ بِأَنِّي لَمْ أَرَ شَيْئًا!"
انْطَلَقَ النَّحْلُ بِسُرْعَةٍ نَحْوَ الثَّعْلَبَةِ! فَهِمَتِ الثَّعْلَبَةُ المَوْقِفَ وَبَدَأَتْ تَرْكُضُ بِأَقْصَى سُرْعَةٍ، لَكِنَّ النَّحْلَ كَانَ يُطَارِدُهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ!
جَلَسَ الدُّبُّ يَنْظُرُ إِلَى الثَّعْلَبَةِ وَهِيَ تَهْرُبُ مِنَ النَّحْلِ، وَبَدَأَ يَضْحَكُ مِنْ قَلْبِهِ بِصَوْتٍ عَالٍ!
