فِي زَاوِيَةٍ هَادِئَةٍ مِنَ الحَدِيقَةِ، كَانَتِ الأَزْهَارُ المُلَوَّنَةُ تَبْتَسِمُ لِلْحَيَاةِ، وَتَمْلأُ الأَجْوَاءَ بِعَبِيرِهَا الشَّذِيِّ. وَعَلَى العَكْسِ مِنْ مِنْطَقَةِ الأَلْعَابِ الَّتِي كَانَتْ تَضِجُّ بِالأَطْفَالِ، كَانَ هَذَا المَكَانُ يَنْمَعِمُ بِسُكُونٍ تَامٍّ.
بِالقُرْبِ مِنْ حَوْضِ الأَزْهَارِ، كَانَ هُنَاكَ صَبِيٌّ صَغِيرٌ يَنَامُ مُنْكَمِشًا وَمُسْتَنِدًا بِظَهْرِهِ إِلَى جِذْعِ شَجَرَةٍ عَتِيقَةٍ. كَانَ وَجْهُهُ الدَّائِرِيُّ البَرِيءُ مُبَلَّلًا بِالدُّمُوعِ، وَلاَ يَبْدُو أَنَّ عُمْرَهُ يَتَجَاوَزُ العَاشِرَةَ. كَانَ بَيْنَ الأَزْهَارِ يَبْدُو كَأَنَّهُ زَهْرَةٌ بَيْنَهُنَّ... وَلَكِنَّهَا زَهْرَةٌ تَبْكِي بِصَمْتٍ.
وَبَيْنَمَا كَانَتْ دُمُوعُهُ الدَّافِئَةُ تَتَسَاقَطُ عَلَى وَجْنَتَيْهِ وَتَنزِلُ عَلَى زَخَاتِ العُشْبِ، سَرَى حُنُوٌّ غَرِيبٌ فِي أَرْجَاءِ الحَدِيقَةِ. شَعَرَتِ الأَزْهَارُ، كَبِيرُهَا وَصَغِيرُهَا، بِأَلَمِهِ. وَتَقَرَّبَتْ مِنْهُ زَهْرَةُ "مَارِيغُولْدَ" (قَطِيفَةٌ) ذَهَبِيَّةٌ كَبِيرَةٌ، وَهَمَسَتْ بِرِفْقٍ:
"يَا صَدِيقِي الصَّغِيرَ! أَرَاكَ تَبْكِي مُنْذُ وَقْتٍ طَوِيلٍ... مَا الَّذِي يُحْزِنُ قَلْبَكَ؟ هَلْ لَكَ أَنْ تُخْبِرَنِي؟"
تَوَقَّفَ الصَّبِيُّ عَنِ البُكَاءِ عِنْدَمَا سَمِعَ ذَلِكَ الصَّوْتَ النَّاعِمَ. شَعَرَ بِدِفْءٍ وَعَاطِفَةٍ تُلَامِسُ قَلْبَهُ، فَفِي لَحَظَاتِ الحُزْنِ العَمِيقِ، تَكُونُ الكَلِمَاتُ الطَّيِّبَةُ بَلْسَمًا. رَفَعَ رَأْسَهُ وَرَأَى الزَّهْرَةَ الذهَبِيَّةَ تَمِيلُ نَحْوَهُ، فَتَعَجَّبَ قَائِلًا:
"هَلْ أَنْتِ مَنْ تَتَكَلَّمِينَ يَا زَهْرَتِي؟"
أَجَابَتِ الزَّهْرَةُ: "نَعَمْ، أَنَا هيَ... فَلِمَاذَا تَبْكِي؟"
وَقَبْلَ أَنْ يُجِيبَ، انْطَلَقَ صَوْتٌ آخَرُ بَرَّاقٌ: "وَأَنَا أَيْضًا أَسْمَعُكَ وَأَرََاك!"، كَانَتْ زَهْرَةَ جُورِيٍّ حَمْرَاءَ مَليئَةً بِالحَيَاةِ.
وَتَعَالَتِ الأَصْوَاتُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ: "كُلُّنَا نُرِيدُ أَنْ نَعْرِفَ سَبَبَ دُمُوعِكَ يَا صَدِيقَنَا!"
تَمَتَمَ الصَّبِيُّ: "آهِ... ظَنَنْتُ أَنِّي وَحْدِي هُنَا..."
رَدَّتْ أَلْوَانُ اليَاسَمِينِ وَالوُرُودُ وَالعُشْبُ الأَخْضَرُ: "لَسْتَ وَحْدَكَ أبَدًا ومَا دُمْنَا حَوْلَكَ... مَا اسْمُكَ يَا صَغِيرِي؟"
قَالَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ: "اسْمِي نُور."
اهْتَزَّتْ زَهْرَةُ المَارِيغُولْدِ فَرَحًا: "يَا لَهُ مِنْ اسْمٍ جَمِيلٍ! بِالتَّأْكِيدِ أَنْتَ نُورُ عُيُونِ وَالِدَيْكَ (نُورُ العَيْنِ)."
تَنَهَّدَ الصَّبِيُّ وَكَأَنَّ الكَلِمَةَ طَعَنَتْ قَلْبَهُ: "وَالِدَايَ..."
قَالَتِ الزَّهْرَةُ بِحَنَانٍ: "مَاذَا حَدَثَ؟ حَدِّثْنَا عَنْ نَفْسِكَ."
قَالَ نُور: "أَنَا أَعِيشُ الآنَ فِي بَيْتِ عَمِّي..."
سَأَلَتْ بَرِعَمَةٌ صَغِيرَةٌ: "فِي بَيْتِ عَمِّكَ؟ وَلِمَاذَا لاَ تَعِيشُ مَعَ أُمِّكَ وَأَبِيكَ؟"
"لَمْ يَعُدْ لِي وَالِدَانِ... لِهَذَا أَعِيشُ مَعَهُ."
سَأَلَتِ البُرْعُمَةُ بِبَرَاءَةٍ: "وَأَيْنَ ذَهَبَا؟"
أَطْرَقَ نُور رَأْسَهُ: "مُنْذُ عَامٍ، انْتَقَلاَ إِلَى جِوارِ اللهِ تَعَالَى فِِي حَادِثٍ... وَلَمْ يَبْقَ لِي سِوَى عَمِّي وَزَوْجَتِهِ وَأَبْنَائِهِمَا الثَّلاَثَةِ."
قَالَتِ الوَرْدَةُ الحَمْرَاءُ بِأَسَفٍ: "آهِ... سَامِحْنَا، لَمْ نَقْصِدْ أَنْ نَنِكْأَ جِرَاحَكَ."
مَسَحَ نُور دُمُوعَهُ: "لاَ بَأْسَ..."
سَأَلَتْهُ المَارِيغُولْدُ: "وَلَكِنْ لِمَاذَا كُنْتَ تَبْكِي الآنَ؟"
"العِيدُ قَرِيبٌ... وَقَدْ قَرَّرَ عَمِّي وَزَوْجَتُهُ أَنَّهُمَا لَنْ يَشْتَرِيَا لِي مَلاَبِسَ جَدِيدَةً هَذِهِ المَرَّةَ."
سَأَلَتْ نَبْتَةٌ صَغِيرَةٌ: "وَلِمَاذَا؟"
قَالَ نُور وَالحُزْنُ يَصْتَبِغُ صَوْتَهُ: "يَقُولُونَ إِنَّ التِّجَارَةَ كَاسِدَةٌ، وَإِنَّ شِرَاءَ المَلاَبِسِ لأَبْنَائِهِمْ وَحْدَهُمْ أَمْرٌ شَاقٌّ."
رَدَّتِ اليَاسَمِينُ بِاسْتِنْكَارٍ: "يَشْتَرُونَ لأَبْنَائِهِمْ وَيَتْرُكُونَكَ؟ أَيُّ عَدْلٍ هَذَا؟"
قَالَ نُور بِقَلْبٍ ثَقِيلٍ: "لاَ أَدْرِي... كَانَ وَالِدَايَ يَشْتَرِيَانِ لِي أَجْمَلَ المَلاَبِسِ فِي كُلِّ عِيدٍ، أَمَّا الآنَ وَقَدْ ذَهَبَا إِلَى اللهِ... فَلَمْ يَعُدْ بِمَقْدُورِهِمَا فِعْلُ ذَلِكَ."
هَمَسَ العُشْبُ الأَخْضَرُ: "هُمَا لاَ يَسْتَطِيعَانِ، وَلَكِنَّ اللهَ يَسْتَطِيعُ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ اِطْلُبْ مِنْهُ وَسَوْفَ يَرْزُقُكَ!"
تَنَبَّهَ نُور: "أَأَطْلُبُ مِنَ اللهِ...؟ هَلْ سَيَرْزُقُنِي بِمَلاَبِسَ فِعْلًا؟"
قَالَتِ المَارِيغُولْدُ بِثِقَةٍ: "وَلِمَ لاَ؟ هُوَ الَّذِي يُدَبِّرُ كُلَّ شَيْءٍ. وَبِمَا أَنَّهُ دَعَا وَالِدَيْكَ إِلَيْهِ، فَقَدْ أَصْبَحَتْ رِعَايَتُكَ مَسْؤُولِيَّتَهُ الآنَ! اِطْلُبْ مِنْهُ، وَأَنَا مُتَأَكِّدَةٌ أَنَّهُ لَنْ يَرُدَّكَ. هُوَ لاَ يَرُدُّ أَحَدًا... وَلَكِنْ إِذَا لَمْ نَطْلُبْ مِنْهُ، فَمَاذَا نَنْتَظِرُ؟"
سَأَلَتِ البُرْعُمَةُ الصَّغِيرَةُ: "يَا عَمَّتِي المَارِيغُولْدُ! كَيْفَ سَيَصْنَعُ اللهُ لَهُ المَلاَبِسَ؟ هَلْ اللهُ خَيَّاطٌ؟"
ابْتَسَمَتِ المَارِيغُولْدُ: "لاَ أَعْلَمُ كَيْفَ، لَكِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ يَرْزُقُ كُلَّ الخَلاَئِقِ. السَّعَادَةُ وَالحُزْنُ بِيَدِهِ. قَبْلَ أُسْبُوعٍ، كَانَ هُنَا جَدٌّ عَجُوزٌ مَعَ حَفِيدَيْهِ، وَكَانَ يُخْبِرُهُمَا أَنَّ كُلَّ خَيْرٍ يَأْتِي مِنَ اللهِ وَحْدَهُ. لَقَدِ اسْتَمَعْتُ إِلَيْهِ بِإِصْغَاءٍ وَحَفِظْتُ كَلاَمَهُ."
إِشْتَعَلَ الأَمَلُ فِي وَجْهِ نُور: "أَنَا بِحَاجَةٍ إِلَى أَنْ أَتَحَدَّثَ مَعَ اللهِ! هَلْ أَطْلُبُ مِنْهُ الآنَ؟"
قَالَتِ الوَرْدَةُ الصَّغِيرَةُ: "نَعَمْ! العِيدُ قَرِيبٌ، وَاللهُ سَيَخْتَارُ لَكَ قُمَاشًا جَمِيلًا... اِطْلُبْ مِنْهُ فَوْرًا!"
رَفَعَ نُور يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ كَمَا كَانَ يَرَى أُمَّهُ وَأَبَاهُ يَفْعَلاَنِ عِنْدَمَا يَطْلُبَانِ شَيْئًا مِنَ اللهِ.
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ وَبَدَأَ يَدْعُو:
"يَا اللهُ! لِمَاذَا دَعَوْتَ وَالِدَيَّ إِلَيْكَ سَرِيعًا؟ مُنْذُ رَحِيلِهِمَا، وَأَبْنَاءُ عَمِّي يُؤْذُونَنِي. يَضْرِبُونَنِي عَلَى أَدْنَى شَيْءٍ، وَلاَ يُشَارِكُونَنِي طَعَامَهُمْ. عَمِّي وَزَوْجَتُهُ سَكَنَا بَيْتَنَا وَأَخَذَا كُلَّ شَيْءٍ. أَمَامَ النَّاسِ يُنَادُونَنِي 'يَا ابْنِي'، لَكِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُمْ لاَ يُحِبُّونَنِي... لَوْ كَانُوا يُحِبُّونَنِي، فَلِمَاذَا نَقَلُونِي مِنْ مَدْرَسَتِي الكَبِيرَةِ إِلَى مَدْرَسَةٍ صَغِيرَةٍ؟ وَالآنَ يَقُولُونَ لاَ مَلاَبِسَ لِي فِي العِيدِ... هَذَا لَيْسَ عَدْلًا يَا اللهُ."
تَوَقَّفَ لِيَلْتَقِطَ أنْفَاسَهُ. كَانَتِ الأَزْهَارُ وَالعُشْبُ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْهِ فِي صَمْتٍ طَاهِرٍ.
رَفَعَ نُور يَدَيْهِ أَعْلَى، وَتَلألأَتِ الدُّمُوعُ فِي عَيْنَيْهِ كَاللَّؤْلُؤِ:
"يَا اللهُ! أَنْتَ تَعْطِي الكَثِيرَ لِكُلِّ النَّاسِ... أَرْجُوكَ، أَعْطِنِي شَيْئَيْنِ فَقَطْ. لاَ تَرُدَّنِي... أَنَا بِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ إِلَيْهِمَا. سَوَاءٌ أَعْطَيْتَنِي إِيَّاهُمَا بِابْتِسَامَةٍ أَوْ بِغَضَبٍ كَمَا يَفْعَلُ عَمِّي... فَقَطْ أَعْطِنِي إِيَّاهُمَا."
ثُمَّ صَاحَ بِصَوْتٍ بَاكٍ وَوَاضِحٍ:
"يَا رَبِّ... الـهَدِيَّتَانِ هُمَا: مَلاَبِسُ جَدِيدَةٌ... وَكَثِيرٌ مِنَ الحُبِّ! مُنْذُ أَنْ أَخَذْتَ وَالِدَيَّ، لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يُحِبُّنِي. أَنَا حَزِينٌ دَائِمًا، وَأَبْكِي طَوَالَ الوَقْتِ، وَلاَ أَحَدَ يَمْسَحُ دُمُوعِي أَوْ يَضُمُّنِي... أَنْتَ تَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ، فَهَلْ سَتُعْطِينِي هَاتَيْنِ الـهَدِيَّتَيْنِ؟ أَلَيْسَ كَذَلِك؟"
كَانَتْ عَيْنَاهُ مُغْمَضَتَيْنِ وَوَجْهُهُ مُبَلَّلًا بِالدُّمُوعِ.
وَفَجْأَةً، سَرَى صَوْتٌ دَافِئٌ وَحَنُونٌ مِنْ خَلْفِهِ:
"يَا نُورِي العَزِيزَ... سَتَحْصُلُ حَتْمًا عَلَى الـهَدِيَّتَيْنِ."
فَتَحَ نُور عَيْنَيْهِ بِذُهُولٍ وَنَظَرَ إِلَى الأَزْهَارِ: "مَنْ تَكَلَّمَ؟ هَلْ هُوَ اللهُ؟"
ظَلَّتِ الأَزْهَارُ سَاكِنَةً وَمُنْدَهِشَةً.
عَادَ الصَّوْتُ الرَّحِيمُ يَقُولُ:
"يَا نُورُ الصَّغِيرُ... سَتَحْصُلُ عَلَى الـهَدِيَّتَيْنِ، وَسَيَبْقَيَانِ مَعَكَ إِلَى الأَبَدِ. تَعَالَ إِلَيَّ يَا بُنَيَّ... لَقَدْ أَرْسَلَنِي اللهُ إِلَيْكَ. لَقَدْ أَعْطَانِي هَاتَيْنِ النِّعْمَتَيْنِ بِوَفْرَةٍ وَأَمَرَنِي أَنْ أَمْنَحَكَ إِيَّاهُمَا... تَعَالَ."
الْتَفَتَ نُور بِسُرْعَةٍ نَحْوَ الصَّوْتِ.
عَلَى مَقْعَدٍ قَرِيبٍ، كَانَ يَجْلِسُ رَجُلٌ مُسِنٌّ، يَرْتَدِي ثِيَابًا بَيْضَاءَ نَظِيفَةً، وَقَدْ بَسَطَ ذِرَاعَيْهِ بِوَسَعِهِما، وَالدُّمُوعُ تَتَسَاقَطُ عَلَى لِحْيَتِهِ البَيْضَاءِ الطَّوِيلَةِ. كَانَ يَجْلِسُ هُنَاكَ وَيَسْتَمِعُ إِلَيْهِ مُنْذُ فَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ... كَانَ رَجُلًا صَالِحًا يُدِيرُ دَارًا لِرِعَايَةِ الأَيْتَامِ.
هَمَسَتِ المَارِيغُولْدُ بِفَرَحٍ: "اذْهَبْ يَا صَدِيقِي! لَقَدْ سَمِعَ اللهُ دُعَاءَكَ. هُوَ يَسْمَعُ كُلَّ مَنْ يُنَادِيهِ. اِذْهَبْ... فَقَدْ وَصَلَتْ مَعُونَةُ اللهِ!"
فِي لَحْظَةٍ، انْصَرَفَ الحُزْنُ عَنِ الحَدِيقَةِ، وَتَرَاقَصَتِ الأَزْهَارُ زَهْوًا، وَأَصْبَحَ الهَوَاءُ مُعَطَّرًا بِالسَّعَادَةِ.
قَامَ نُور بِبُطْءٍ، وَبَدَأَ يَمْشِي بِخُطُوَاتٍ مَثْقُولَةٍ بِالأَمَلِ نَحْوَ أَحْضَانِ الرَّجُلِ العَجُوزِ.
وَبَعِيدًا... عَلَى بُعْدِ أَرْبَعِينَ قَدَمًا مِنْ بَوَّابَةِ الحَدِيقَةِ، كَانَ عَمُّ نُور يَقِفُ عَلَى سَطْحِ بَيْتِهِ، يُرَاقِبُ المَشْهَدَ كُلَّهُ فِي صَمْتٍ وَذُهُولٍ.

